سوقها بحساب أربعة عشر رطلا عراقية بدرهم ، ودرهمهم ثلث النقرة ، ولقد بعث إليّ قاضيها حجّة الدين بقوصرة تمر يحملها الرجل على تكلّف ، فاردت بيعها فبيعت بتسعة دراهم أخذ الحمّال منها ثلثها عن أجرة حملها من المنزل إلى السوق! ويصنع بها من التمر عسل يسمّى السّيلان (٤٠) ، وهو طيّب كانّه الجلاب ، والبصرة ثلاث محلّات إحداها : محلّة هذيل ، وكبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الأثير من الكرماء الفضلاء ، أضافني وبعث اليّ بثياب ودراهم ، والمحلّة الثانية : محلّة بني حرام كبيرها السيّد الشريف مجد الدين موسى الحسنى ذو مكارم وفواضل أضافني وبعث اليّ التمر والسّيلان والدراهم ، والمحلّة الثالثة : محلّة العجم كبيرها جمال الدين بن اللّوكيّ (٤١).
وأهل البصرة لهم مكارم أخلاق وايناس للغريب وقيام بحقّه فلا يستوحش فيما بينهم غريب ، وهم يصلّون الجمعة في مسجد أمير المومنين علي رضياللهعنه الذي ذكرته ، ثم يسدّ فلا يأتونه إلا في الجمعة.
وهذا المسجد من أحسن المساجد ، وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يوتي بها من وادي السباع (٤٢) ، وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان رضياللهعنه يقرأ فيه لمّا قتل(٤٣) ، وأثر تغيّر الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (٤٤).
__________________
(٤٠) استعمال كلمة السّيلان (أو السّيلان) بمعنى عسل التمر لم نجد له أصلا ، هذا وتعتبر المنطقة من أغنى المناطق في انتاج التمور ، كانت تعطى قديما زهاء ١٨٠ نوعا واليوم نحو ٩٨. وقد عشت ردحا من الزّمان مع أنواعها المتعددة والمتنوّعة وأنا بالعراق ـ القوصرة : وعاء من قصب يجعل فيه التمر ونحوه ...
(٤١) يتحدث ابن حوقل عن أنهار البصرة فيذكر أنها عدّت أيام بلال بن أبي بردة (ت ١٢٦ ٧٤٤) فزادت على مائة الف نهر وعشرين الف نهر ، تجري فيها الزوارق وكنت أنكر ما ذكر ... حتى رأيت كثيرا من تلك البقاع فرأيت في مقدار رمية سهم عدة من الأنهار صغارا تجري في جميعها المسماريّات (المخيطة بالمسامير ـ ذات ألواح ودسر) ، ولكل نهر اسم ينسب به إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي ينصب منها أو ينصبّ ماؤه إليها ...! وفي تعليق لا حق عن المدينة قال المعلق : دخلتها سنة ٥٣٧ ١١٤٢ وقد خربت ولم يبق من آثارها إلا الأقل ، وطمست محالها فلم يبق منها إلا محالّ معلومة كالنحّاسين والقساميل وهذيل والمربد وقبر طلحة ، وقد بقى من محلة بيوت معدودة ، وباقي بيوتها إما خراب ، وأما غير مسكونة ، وجامعها باق في وسط الخراب كأنه سفينة في وسط بحر لجيّ ... وسورها القديم قد خرب ، وبينه وبين ما قد بقى من العمارة مسافة بعيدة ... وسبب خرابها ظلم الولاة والجور ..." وقد تميزت مخطوطة تونس بذكر اللّولي بدل اللوكي ، وقد يكون معنى اللولي المشتغل باللؤلؤ ... هذا وقد حفلت المخطوطة التونسية لابن بطوطة بطرّة مستقاة من شراح مقامات الحريري ومن الخريدة ...
(٤٢) وادي السباع قريب يقع شمال الزبير على بعد ستة أميال منه غير بعيد عن محطة شعيبة.
(٤٣) من المعلوم أن سيدنا عثمان قتل بالمدينة وهو يتلو القرآن عام ٣٥ ٦٥٦ ، هذا وتوجد عدة نسخ من مصاحف في ديار الإسلام تنسب لسيدنا عثمان على ما نعرف.
(٤٤) السورة ٢ ، الآية ١٣٧.
![رحلة ابن بطوطة [ ج ٢ ] رحلة ابن بطوطة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2358_rihlat-ibn-battuta-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
