النار في دور عند مسجد الخضر ، وامتدت الأحداث والرعية في المقابر ووقع «النفير» في الأسواق ، وكانوا في غفلة ، فصاح فيهم صايح : أما يستيقظ من هو غافل ، أما ينتبه من هو راقد ، فغلقت حوانيت الأسواق وأضحى الناس من استشعار البلاء على ساق [وقدم](١) ونزل القائد أبو محمود في محراب المصلى وكانت رجالته منتشرة في المقابر ، فاجتمعت مشايخ البلد إلى القائد أبي محمود من باب الجابية ، والمحاربة على باب الصغير ، وكان فيهم الشريف أبو القاسم أحمد بن أبي هشام العقيقي العلوي ، فقال له : الله الله أيها القائد في الحرم والأطفال وأتقياء الرجال ، ولم يزل يخضع له ويلطف به إلى أن أمسك بعد سؤال متردد ، وعاد منكفئا بعسكره إلى مخيمه بالدكة في يوم الأربعاء لست مضين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وكف عن القتال ، ودخل صاحب النظر إلى البلد ، وانتشر الفساد في سائر الضياع والجهات ، وطرحت النار في الأماكن والحارات ، وثارت الفتنة واشتدت النار ، وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين ، ولم تزل الحرب متصلة مدة صفر وربيع الأول ، وبعض ربيع الآخر ، وتقررت المصالحة (٢) والموادعة إلى أن ولي جيش بن الصمصامة البلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ، وصرف القائد ظالم بن موهوب العقيلي عن ولايته.
__________________
(١) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.
(٢) كانت المصالحة سنة وأربع وستين وثلاثمائة ، وذكر ثابت بن سنان : «ثم استقر الرأي بين الدمشقيين والقائد أبي محمود على اخراج ظالم من البلد ويخلفه جيش بن الصمصامة ، وهو ابن أخت أبي محمود» وكان «قدم إلى القاهرة فيمن قدم إليها مع المعز ، وخرج مع خاله أبي محمود ابراهيم بن جعفر ابن فلاح الى الشام». أنظر أخبار القرامطة : ٦٤ ـ ٦٥. مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية : ٣٤٥.

