فشكا ذلك إلى القائد أبي محمود فشقّ هذا الأمر عليه وضاق له صدره ، فلما كان في بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية المحاملين على جسر المصلى (١) ، يريد باب الصغير في جمع وافر ، ووصل إلى سوق (٢) الغنم ، فوجد درب سوق الغنم مسدودا ، فعظم ذلك عليه ، وغضب لأجله ، وعاد إلى ورائه منكفئا حتى دخل من ناحية البطّاطين (٣) فشكا إلى أبي محمود ، فقال : إن القوم على ما هم عليه من العصيان والخلاف ، وكثرت الأقوال في مجلسه ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة ، واستدعى مشايخ البلد إليه (١٠ و) فدخلوا عليه فتوعدهم وأغلظ القول لهم ، وقال : إن لم يفتح هذا الباب وإلّا فأنتم مقيمون على الخلاف والعصيان ، فقالوا : أيها القائد لم يسدّ هذا الباب لعصيان ولا خلاف ، وإنما كان سده بحيث لا يدخل منه من لا يعلمه القائد ولا يؤثره من أهل الفساد ومن يؤثر إثارة الفتنة والعناد ، فقال : قد أمهلتكم ثلاثة أيام وإن لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه ولأحرقنه ولأقتلن كل من أصادفه فيه ، فقالوا : نحن نطيع أمرك ولا نخالفه إذا استصوبت ذلك.
وخرجوا من عنده متحيرين في أمرهم ولا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس وأمور السلطان ، فصاروا إلى باب الصغير ، واجتمع اليهم أهل الشرّة وغيرهم ، وفيهم المعروف بالمارود رأس شطّار الأحداث ، وأحاطوا بهم وسألوهم عن حالهم فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد أبي محمود بسبب سد الباب ، فقال بعضهم : يفتح ولا يجري مثل ما جرى أولا فنخرب البلد ،
__________________
(١) المصلى قبلي دمشق من خارج محلة الميدان ، ولم أجد عند ابن عساكر وابن شداد ذكرا لجسر المصلى فأحدد مكانه. أنظر منادمة الأطلال : ٣٨٩.
(٢) يستدل من الأعلاق الخطيرة ـ قسم دمشق : ١٣٤ ، أن هذا السوق كان على مقربة من باب الصغير.
(٣) لم أقف على ذكر لهذه الناحية.

