والفتك بالمقدمين من الوزراء والقواد ، وأكابر الأجناد ، وعدل عن حسن السياسة والسداد ، وزاد خوف خدمه وخواصه منه ، واستوحشوا من فعله ، وشكا المقدمون والوجوه إلى أخته ست الملك بنت العزيز بالله ، هذه الأحوال فأنكرت ما أنكروه ، وأكبرت ما أكبروه ، واعترفت بصحة ما شكوه ، وحقيقة ما كرهوه ، ووعدتهم إحسان التدبير في كشف شره ، وإجمال النظر في أمورهم وأمره ، ولم تجد فيه حيلة يحسم بها داؤه إلا العمل على إهلاكه ، وكفّ أذاه بعدمه ، وأعملت الرأي في ذلك وأسرّته في النفس ، إلى أن وجدت الفرصة مستهلة ، فابتدرتها والغرّة بادية فاهتبلتها ، ورتبت له من اغتاله في بعض مقاصده ، وأخفى مظانّه فأتى عليه ، وأخفى أمره إلى أن ظهر في عيد النحر من سنة إحدى عشرة وأربعمائة وقال المغالون في المذهب أنه غائب في سرّه (١) ولا بد أن يؤوب ومستتر في غيبه ولا بدّ أن يرجع إلى منصبه ويثوب ، وكان مولده بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ، وولي الأمر وعمره عشر سنين وستة أشهر وستة أيام ، وفقد في العشر الأول من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، وعمره ست وثلاثون سنة ومدة أيامه خمس وعشرون سنة وشهران وأيام ، ونقش خاتمه «بنصر الإله العلي ينتصر الإمام أبو علي» ، وكان غليظ الطبع ، قاسي القلب ، سفّاكا للدماء ، قبيح السيرة ، مذموم السياسة ، شديد التعجرف والاقدام على القتل غير محافظ على حرمه خادم ناصح ولا صاحب مناصح.
وقام في الأمر بعده ولده أبو الحسن على الظاهر لإعزاز دين الله ، وأخذت له البيعة (٥٠ ظ) بعد أبيه في يوم عيد النحر من سنة إحدى عشر
__________________
(١) هذا ما نراه في كتاب رسائل الهند ، حيث قيل بأنه ذهب في سياحة طويلة أخذته إلى الشام ومن هناك حتى الهند ، وهذا الكتاب نشر ووزع بشكل محدد تماما ، وهناك أكثر من نسخة خطية منه ، واحدة في المتحف البريطاني ، كنت رأيتها واستخرجت منها نصا عسكريا نشرته منذ سنوات.

