الفرقدين ، وافتكر في رب المشرقين ورب المغربين ، حيث يقول جل جلاله : (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ)(١) وقد عرف أمير المؤمنين بكتاب الله الأعلى ، الذي نزل على خاتم الأنبياء حيث يقول : (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(٢).
فلما سمع ما اشتمل عليه هذا السجل من الإنكار والوعظ بالآيات والتخويف ، عظم الأمر عليه وضاق صدره لتغير النية فيه ، ورأى من الصواب إعادة الجواب بالتلطف والتنصّل مما ظن به ، والاعتذار والترفق في المقال ، والاعتراف بما شمله قديما وحديثا من الاحسان والافضال ، فكتب بعد البسملة :
كتب عبد الدولة العلوية والإمامية الفاطمية ، والخلافة المهدية ، عن سلامة تحت ظلها ، ونعمة منوطة بكفلها ، وهو متبرىء إليها من ذنوبه الموبقة ، واسائته المرهقة ، لائذ بعفو أمير المؤمنين متنصل أن يكون في جملة المجرمين المذنبين ، عن غير إساءة اقترفها ، ولا جناية احتقبها ، عائذ بكرمها ، صابر لحكمها ، لقوله تعالى : (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(٣) وهو تحت خوف ورجاء ، وتضرع ودعاء ، قد ذلّت نفسه (٤٩ ظ) بعد عزّها ، وخافت بعد أمنها ، ورسخت بعد رفعتها ، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ)(٤) وأي قرب لمن أبعدته ، وأي رفعة لمن حططته ، والعبد بفخرها شمخ ، وبجدها طال وبذخ ، فزكت نصبته ، وطابت أرومته ، وسمت فروعه ، وكان كقوله تعالى :
(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها)(٥) فلما أنكرت الدولة حاله ، وقبحت أفعاله ،
__________________
(١) القرآن الكريم ـ البلد : ٨ ـ ١٠.
(٢) القرآن الكريم ـ الشعراء : ٢٢٧.
(٣) القرآن الكريم ـ البقرة : ١٥٥.
(٤) القرآن الكريم ـ الرعد : ٣٣.
(٥) القرآن الكريم ـ ابراهيم : ٢٤ ـ ٢٥.

