لك الندم وتحل بك النقم (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها)(١) وإن مثلك مثل شاة عطشانة ولهانة ضائعة جائعة ، نزلت في مرج أفيح ، غزير ماءه ، كثير عشبه (٤٨ ظ) ومرعاه ، فشربت ماء ، وأكلت عشبا ، فرويت بعد ظمائها ، وشبعت بعد جوعها ، واستحسنت بعد قبحها ، فلما تكامل حسنها ، ذبحت (وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)(٢) وإن أمير المؤمنين يضرب لك مثلا عن جده المصطفى صلىاللهعليهوسلم ، لما أنزل عليه (وَالضُّحى ، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) إلى قوله عزوجل : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى)(٣) ، فبدلت النعمة كفرا ، ووضعت موضع الخير شرّا ، وقد انتهى إلى حضرة أمير المؤمنين افتخارك بجمع الأموال واكتنازك لها لأمر يدهمك ، أو ليوم ينفعك (٤) ، أفما قرأت القرآن العظيم ، أما تدبرت قول الملك الرحيم في قصة قارون لما بغى واعتدى ، وازداد في الطغيان ، حيث يقول جلّ وعلا : (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ)(٥) أما رأيت الأمم الماضية الذين عادوا الدولة ، ونصبوا لها العداوة الشديدة ، انظر إلى ديارهم كيف قلّ فيها الساكنون ، وكثر عليها الباكون ، قال الله تعالى : (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(٦) فاشتغل عن إصلاح العين ، وعن خطرك في حساب
__________________
(١) القرآن الكريم ـ البقرة : ٢٦.
(٢) القرآن الكريم ـ ابراهيم : ٢٥.
(٣) القرآن الكريم ـ الضحى : ١ ـ ٨.
(٤) قدر المقريزي في ترجمته للدزبري ثروته بأكثر من مليون دينار ، وبين أنه «في آخر عمره ، انحرف عن مذهب الاسماعيلية ، وكان هذا أعظم أسباب الوحشة بينه وبين أهل الدولة بمصر».
(٥) القرآن الكريم ـ القصص : ٨١.
(٦) القرآن الكريم ـ النمل : ٥٢.

