فقال أبو طالب : إنّي لا استطيع أنْ اُفارق ديني ودين آبائي. واللّه ، لا يخلص إليك من قريش شيءٌ تكرههُ ما حييت (١).
فحسبوا من هذا الكلام أنّ أبا طالب ممّن يعبد الأوثان ، كيف! وهو على التوحيد أدلّ.
وجوابه : هذا من أنفس التورية وأبلغ المحاورة ؛ فإنّ مراده من قوله لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله عقيب قوله صلىاللهعليهوآله : «أنت أحقُّ مَن دعوته». إنّي لا أستطيعُ أنْ اُفارق ديني ودين آبائي ؛ الاعتراف بإيمانه ، وأنّه باقٍ على الملّة البيضاء ، وحنيفيّة إبراهيم الخليل عليهالسلام الذي هو دين الحقّ والهدى ، وهو دينه ودين آبائه ، ثُمّ زاد أبو طالب في تطمين النّبي صلىاللهعليهوآله بالمُدافعة عنه مهما كان باقياً في الدُّنيا.
نعم ، مَن لا خبرة له بأساليب الكلام وخواصّ التورية يحسب أنّ أبا طالب أراد بقوله : إنّي لا اُفارق ديني ... الخضوع للأصنام ، فصفّق طرباً واختال مرحاً.
وجاء الآخر يعتذر عنه : بأنّه كان يراعي بقوله هذا ، الموافقة لقريش ؛ ليتمكّن من كلائة النّبيِّ صلىاللهعليهوآله وتمشية دعوته.
نحن لا نُنكر أنّ شيخ الأبطح كان يلاحظ شيئاً من ذلك ، ويروقه مداراة القوم في ما يمسّ بكرامة الرسول صلىاللهعليهوآله للحصول على غايته الثمينة ، لكنّا لا نوافقهم في كلّ ما يقولون : من انسلاله عن الدِّين الحنيف انسلالاً باتّاً ؛ فإنّه خلاف الثابت من سيرته حتّى عند رواة تلكم المُخزيات ، ومُهملي الحقائق النّاصعة حذراً عمّا لا يُلائم خطّتهم ، فلقد كان يُراغم اُولئك الطواغيت بما هو أعظم من التّظاهر بالإيمان ، والائتمام بالصلاة مع النّبي صلىاللهعليهوآله.
__________________
(١) تاريخ الطبري ٢ / ٥٨ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٥٨.
