الثعلبيّة (١) قالا له : رحمك الله ، إنّ عندنا أخباراً ان شئت حدّثناك بها علانية ، وإن شئت سرّاً .
ونظر الإمام إلى أصحابه الممجّدين ، فقال : ما دُونَ هَؤُلَاءِ سِرٌّ .
ـ أرأيت الراكب الذي استقبلته عشاء أمس ؟
ـ نَعَم ، وقَدْ أَرَدْتُ مَسأَلَتَهُ .
ـ قد والله استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ منّا ذو رأي ، وصدق وعقل ، وإنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم ، وهانئ ورآهما يُجرّان في السوق بأرجلهما (٢) .
وتصدّعت قلوب العلويّين وشيعتهم من هذا النبأ المفجع ، وانفجروا بالبكاء واللوعة ، حتّى ارتجّ الموضع بالبكاء ، وسالت الدموع كالسيل (٣) ، وشاركت السيّدات من أهل البيت بالبكاء ، وقد استبان لهم غدر أهل الكوفة ونكثهم لبيعة الإمام ، وأنّهم سيلاقون المصير الذي لاقاه مسلم ، والتفت إلى بني عقيل ، فقال لهم : ما تَرَوْنَ ، فَقَدْ قُتِلَ مُسْلِمٌ ؟
ووثبت الفتية ، وهي تعلن استهانتها بالموت ، وسخريّتها من الحياة ، مصمّمة على المنهج الذي سار عليه مسلم قائلين : لا والله لا نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق مسلم .
وراح أبو الأحرار يقول بمقالتهم : لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هٰؤُلاءِ (٤) .
__________________________
(١) الثعلبية : من منازل طريق مكّة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية ، وهي ثلثا الطريق . معجم البلدان : ٢ : ٩١ .
(٢) الإرشاد : ٢ : ٧٤ . تاريخ الاُمم والملوك : ٤ : ٢٩٩ ـ ٣٠٠ .
(٣) الدرّ المسلوك : ١ : ١١١ .
(٤) الإرشاد : ٢ : ٧٥ . تاريخ الاُمم والملوك : ٤ : ٣٠٠ .
