شجاعة وثقة في النفس : « لَا وَاللهِ ، لَا فارَقْتُ هَذا الطَّرِيقَ أَبَداً ، أَوْ أَنْظُرُ إِلَى أَبْياتِ مَكَّةَ أَوْ يَقْضِيَ اللهُ فِي ذَلِكَ ما يُحِبُّ وَ يَرْضَى » (١) .
وانتهى ركب الإمام إلى مكّة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان ، وحطّ في دار العبّاس بن عبد المطّلب ، وقد احتفى به المكّيّون خير احتفاء ، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشيّة ، وهم يسألونه عن أحكام دينهم ، وأحاديث نبيّهم .
كما توافد لزيارته القادمون إلى بيت الله الحرام من الحجّاج والمعتمرين من سائر الآفاق ، ولم يترك الإمام عليهالسلام لحظة تمرّ من دون أن يبثّ الوعي السياسي والديني في نفوس زائريه من المكّيّين وغيرهم ، ويدعوهم إلى التمرّد على الحكم الأموي الذي عمد على إذلالهم وعبوديّتهم .
فزع السلطة بمكّة
وفزعت السلطة المحلّيّة بمكّة من قدوم الإمام إليها ، واتّخاذها مقرّاً لدعوته ، ومركزاً لإعلان ثورته ، وكان حاكم مكّة الطاغية عمرو بن سعيد الأشدق ، فقد رأى بنفسه تزاحم المسلمين على الإمام ، وسمع ما يقولونه إنّ الإمام أوْلى بالخلافة الإسلاميّة ، وأحقّ بها من آل أبي سفيان ، الذين لا يرجون لله وقاراً ، فخفّ مسرعاً نحو الإمام فقال له بغيظ : ما أقدمك إلى البيت الحرام ؟ وكأنّ بيت الله العظيم ملك لبني اُميّة ، وليس هو لجميع المسلمين .
فأجابه الإمام بثقة وهدوء : « عائِذاً بِاللهِ ، وَبِهٰذَا الْبَيْتِ » (٢) .
ورفع الطاغية بالوقت رسالة إلى سيّده يزيد بن معاوية أحاطه بها علماً بمجيء الإمام إلى مكّة ، واختلاف الناس إليه ، والتفافهم حوله ، وأنّ ذلك يشكّل خطراً على
__________________________
(١) الفتوح : ٥ : ٢٢ . المنتظم : ٥ : ٣٢٧ . ينابيع المودّة : ٣ : ٥٥ .
(٢) تذكرة الخواص : ٢١٤ .
