وأنّه سيقوم بمكافأتها إن أسدت عليه إحساناً ومعروفاً ، فبادرته قائلة : ما ذاك يا عبد الله ؟!
فقال لها وعيناه تفيضان دموعاً : أنا مسلم بن عقيل ، كذّبني القوم وغرّوني .
فذهلت السيّدة ، وقالت في دهشة وإكبار : أنت مسلم بن عقيل ؟
ـ نعم .
وسمحت السيّدة بخضوع وإكبار لضيفها الكبير بتشريف منزلها ، وقد حازت المجد والشرف بذلك ، فقد آوت سليل هاشم ، وسفير ريحانة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وتحمّلت المسؤوليّة من السلطة بضيافتها له .
وأدخلت السيّدة ضيفها العظيم في بيت غير البيت الذي كانت تأوي إليه ، وجاءته بالضياء والطعام ، فأبى أن يأكل ، فقد مزّق الأسى قلبه الشريف ، وأيقن بالرزء القاصم ، وتمثّلت أمامه الأحداث التي سيواجهها ، وقد شغل فكره الإمام الحسين عليهالسلام الذي كتب إليه بالقدوم إلى الكوفة وأنّه سيلاقي ما لاقاه .
ولم يمض قليل من الوقت حتّى قدم بلال ابن السيّدة طوعة ، فرأى اُمّه تكثر من الدخول والخروج إلى البيت الذي فيه مسلم لتقوم بخدماته ورعايته ، فأنكر عليها ذلك ، وسألها عن السبب ، فأبت أن تخبره ، فألحّ عليها ، فأخبرته بالأمر بعد أن أخذت عليه الأيمان والمواثيق بالكتمان .
وطارت نفس الخبيث
فرحاً وسروراً ، وأنفق ليله ساهراً يترقّب بفارغ الصبر انبثاق نور الفجر ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم ليتزلّف بذلك إليها ، وينال الجائزة منها ، وقد تنكّر هذا الوغد لجميع الأعراف ، والأخلاق العربيّة التي تلزم بقِرى الضيف ، وحمايته من كلّ مكروه ، وكانت هذه الظاهرة سائدة حتّى في العصر الجاهلي ، وقد دلّ ما فعله هذا الجلف على انهيار القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة ليس عنده فحسب ، وإنّما في أغلبيّة ذلك المجتمع الذي فقدَ جميع ما يسمو به
