بعد جُرْهُم ، فبنى صَرْحاً بأسفل مكة عند سُوقَ الخَيَّاطين اليوم ، وجعل فيه أمةً يُقَال لها حَزْورَة ، وبها سميت حَزْوَرة مكة ، وجعل في الصَّرح سُلَّما ، فكان يَرْقَاهُ ويزعم أنه يناجي الله تعالى ، وكان ينطقَ بكثير من الخبر ، وكان علماء العرب يزعمون أنه صِدِّيقَ من الصِّديقين ، وكان من قوله مُرْضِعَة أو فاطمة ، ووادعة وقاصمة ، والقطيعة والفجيعة ، وصلة الرحم ، وحسن الكلام ، ومن كلامه : زعَمَ رَبكم ليجزين بالخير ثواباً ، وبالشر عقاباً ، إن مَنْ في الأرض عَبيدٌ لمن في السماء ، هلكت جرهم وربلت إيادوكذلك الصلاح والفساد ، فلما حضرته الوفاة جمع إياداً فَقَال له : اسمعوا وصيتي ، الكلم كلمتان ، والأمر بعد البَيَان ، من رَشَدَ فاتَبِعُوه ، ومن غوَى فارفُضُوه ، وكل شاة برجلها مُعَلَّقة ، فأرسلها مَثَلاً ، قَال : ومات وكيع فنعى على الجبال ، وفيه يقول بشير بن الحجير الإيادي :
|
ونَحْنُ إيَادُ عبادُ الإلهِ |
|
وَرَهْط مُنَاجِيه في سُلَّمِ |
|
وَنَحْنُ وُلاةُ حِجَابِ العَتِيق |
|
زَمَانَ النُّخَاعَ على جُرْهُم |
يُقَال : إن الله سلط على جرهم داء يُقَال له النخاع ، فهلك منهم ثمانون كهلاً في ليلة واحدة سوى الشبان ، وفيهم قَال بعض العرب :
|
هَلَكتْ جُرْهُمُ الكِرَامُ فعَالاً |
|
وَولاَةُ البَنيِّةِ الحُجَّابُ |
|
نُخِعُوا لَيلَةً ثَمَانُونَ كَهْلاً |
|
وشَبَاباُ كَفَى بهم من شَبَابِ |
كالخَرُوفِ أَيْنَما مَالَ اتَّقَى الأرضَ بِصَوَافٍ
يضرب لمن يجد مُعْتَمَداً كلما اعتمد
كالْكَبْشِ يَحْمِلُ شَفْرَةً وَزِنَاداً
يضرب لمن يتعرَّض للهَلاكِ وأصله أن كسرى بن قُبَاذ مَلَّك عمرو بن هند الملكَ الحيرةَ وما يلي مُلكَ فارسٍ من أرض العرب ، فكان شديد السلطان والبطش ، وكانت العرب تسميه مُضَرِّطَ الحجارة فبلغ من ضبطه الناس وقهره لهم واقتداه في نفسه عليهم أن سَنَةً اشْتدَّت على الناس حتى بلغت بهم كلًّ مبلغ من الجهد والشدة ، فعمد إلى كبش فَسمَّنه حتى إذا امتلأ سمناً علَّقَ في عنقه شَفْرة وزِناداً ثم سَرَّحه في الناس لينظر هل يجترئ أحد على ذبححه فلم يتعرض له أحد ، حتَّى مرَّ ببني يَشْكر ، فَقَال رجل منهم يُقَال له عِلْبَاء بن أرقَمَ اليَشْكَرِي ما أراني إلا آخذ هذا الكبش فآكله ، فَلاَمهُ أصحابه ، فأبى إلا ذِبْحه ، فذكروا ذلك لشيخ له ، فَقَال : إنكَ لا تعدم الضار ، ولكن تعدم النافع ، فأرسلها مَثَلاً ، وقَال قائل آخر منهم : إنك كائن كقُدَار على إرم ، فأرسلها مَثَلاً ، ولما كثرت
![مجمع الأمثال [ ج ٢ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4715_majma-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
