قَدْ قِيلَ ذَلِكَ إنْ حَقَاً وإنْ كَذِباً
قَالوا : إن أولَ من قَال ذلك النعمانُ بن المنذر اللَّخمىُّ للربيع بن زياد العبسي ، وكان له صديقاً ونديماً ، وإن عامراً مُلاَعِبَ الأسِنَّةِ وعَوف بنابن الأحوص وسُهَيلَ بن مالك ولبيدَ بن رَبيعةَ وشَمَّاساً الفَزَاري وقلابة الأسَدِى قَدِمُوا على النعمان ، وخَلَّفُوا لَبِيداً يرعى إبلهم ، وكان أحْدَثهم سِنّاً ، وجعلوا يَغْدُونَ إلى النعمان ويرحون ، فأكرمَهُم وأحْسَنَ نُزُلَهم ، غيرَ أن الربيع كان أعظمَ عنده قَدْراً ، فبَينما هم ذاتَ يوم عند النعمان إذ رجز بهم الربيعُ وعابَهُم وذكرهم بأقبح ما قَدَرَ عليه ، فلما سمع القومُ ذلك انصرفوا إلى رِحَالهم ، وكل إنسانٍ منهم مُقْبِلٌ على بَثِّه ، ورَوَّحَ لبيد الشَّوْل ، فلما رأى أصحابه وما بهم من الكآبة سألهم : مالكم؟ فكتَمُوه ، فقال لهم : والله لا أحفظُ لكم مَتَاعاً ولا أسْرَحُ لكم إبلاً أو ْتُخْبِرُونى بالذي كنتم فيه ، وإنما كَتَمُوا عنه لأن أم لبيدٍ امرَأة من عَبْس ، وكانت يتيمة في حَجْرِ الرَّبيع ، فَقَالوا : خَالُكَ قد غَلَبَنَا على الملك وصَدَّ بوجهه عنا ، فَقَال لبيد : هل فيكم مَنْ يكفيني وتُدْخِلُونني على النعمان معكم؟ فواللاَّتِ والْعُزَّى لأَدَعَنَّهُ لا ينظر إليه أبداً ، فخلفوا في إبلهم قلابة الأسدى ، وقَالوا لبيد : أوْعندك خير؟ قَال : سترون ، قَالوا : نَبُلُوك في هذه البَقْلضة ، لبَقْلَةٍ بين أيديهم دَقِيقَة الأغصان قليلة الأوراقَ لاصقة بالأرض تدعى التَّرَبَةُ صِفْهَا لنا واشْتُمْهاَ ، فقال : هذه التربة التي لا تُذْكِى ناراً ، ولا تؤهل داراً ، ولا تَسُرُّ جاراً ، عودها ضئيل ، وفرعها كَليل ، وخيرها قليل ، شَرُّ البقول مَرْعى ، وأقصرها فَرْعا ، فَتَعْساً لها وجَدْعا ، القَوابى أخا عبس ، أردُه عنكم بتَعس ، وأدعه من أمره في لَبْس ، قَالوا : نُصْبِحُ فنرى رَأينَا ، فَقَال لهم عامر : انظر هذا الغلام ، فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشَيء ، وإنما يتكلم بما جاء على لسانه ، ويَهْذِى بما يَهْجِس في خاطره ، وإن رأيتموه ساهراً فهو صاحبكم ، فرمَقُوه ، فرأوه قد رَكِبَ رَحْلا حتى أصبح ، فخرج القومُ وهو معهم حتى دخلوا على النعمان وهو يتغدَّى والربيعُ يأكل معه ، فَقَال لبيد : أبيتَ اللَّعن! أتأذن لي في الكلام؟ فأذن له ، فأنشأ يقول :
|
يَارُبَّ هَيْجَا هيَ خَيْرٌ مِنْ دَعَهُ |
|
أكُلَّ يَوْمٍ هامتي مُقَرَّعَهْ |
|
نَحْنُ بَنُو أمِّ البَنِينَ الأرْبَعَةْ |
|
وَنَحْنُ خَيْرُ عامر بنِ صَعْصَعهْ |
|
المُطْعِمُونَ الجَفْنَةَ المُدَعْدَعَهْ |
|
وَالضَّارِبُونَ الهَامَ تَحْتَ الخَيضَعَهْ |
|
يا واهبَ الخَيْرِ الكَثِيرِ مِنْ سَعَهْ |
|
إليكَ جَاوَزْنَا بلاداً مَسْبَعَهْ |
|
نُخْبر عَنْ هذَا خَبِيراً فَاْسمَعَهْ |
|
مَهْلاً أبيْتَ اللَّعْنَ لاَ تَأْكُلْ مَعَهْ |
|
إنَّ اسْتَهُ مِنْ بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ |
|
وَإنَّهُ يُدْخِلُ فِيهَا إصْبَعَهْ |
![مجمع الأمثال [ ج ٢ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4715_majma-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
