زالت عنه تحوَّلَ إلى أُخْرَى أعدَّهَا إلى نفسه ، ويقَال بخلاف هذا ، قَال بعضهم : لا ، بل كلما اشتد حر الشمس ازداد نَشَاطا وحركة ، يعنى الحرباء فإذا سقط قرص الشمس سقط الحرباء كأنه ميت ، وإذا طَلَعَتْ تحرك وحيى ، وإنما يتحوَّلُ من غصن إلى آخر لزوال الشمس عنه يضرب لمن لا يَدَعُ له حاجة إلا سأل أخرى. وقَال :
|
بلت بأشْوَسَ مِنْ حِرْبَاء تَنْضُبَة |
|
لا يُرْسِلُ السَّاق إلا مُمْسِكاً سَاقَا |
لا مَاءَكِ أَبْقَيْتِ ، وَلا حِرَكِ أَنَقَيْتِ
ويروى ولا دَرَنَكِ أصله أن رجلا كان في سفَر ومعه امرأته ، وكانت عَارِكَا فَطَهُرَتْ ، وكان معها ماء يسير فاغتسلت ، فلم يكن يكفها لغسلها وأنْقَذَتِ الماء فبقيا عطشانين ، فعندها قَال لها هذا القولوقَال المفضل : أول من قال ذلك الضب بن أروى الكلاعى ، وذلك أنه خرج تاجرا من اليمن إلى الشام ، فسار أياماً ، ثم حاد عن أصحابه ، فبقى مفردا في تيهٍ من الأرض حتى سقط إلى قوم لا يَدْرى من هم ، فسأل عنهم ، فأخبر أنهم هَمَدَان ، فنزل بهم ، وكان طريراً ظريفاً ، وأن امرَأة منهم يُقَال لها عمرة بنت سبيع هَوِيتَه وهَوِيَهَا ، فخطبها الضب إلى أهل بيتها ، وكانوا لا يزوِّجُون إلا شاعراً أو عائفاً أو عالماً بعيون الماء ، فسألوه عن ذلك فلم يعرف منهم شيئاً ، فأبوا تزويجه ، فلم يزل بهم حتى أجابوه ، فتزوجها ثم إن حَيَّا من أحياء العرب أرادوا الغارة عليهم ، فتطيروا بالضب فأخرجوه وامرأته وهى طامث ، فانطلقا ، ومع الضب سِقَاء من ماء ، فسار يوماً وليلة ، وأمامهما عين يظنان أنهما يصبحانها ، فَقَالت له : إدْفَعْ إلىَّ هذا السقاء حتى أغتسل فقد قاربنا العين ، فدفَعَ إليها السقاء ، فاغتسلت بما فيه ، ولم يكفها ، ثم صبحا العين فوجداها نَاضِبة ، وأدركهما العطش ، فقال لها الضب : لا ماءك أبقيت ولا حِرَكِ أنقيت ، ثم استظلا بشجرة حيال العين ، فأنشأ الضب يقول :
|
تَالله مَا طَلَّةٌ أصَابَ بِهَا |
|
بَعْلاً سِوَاى قَوَارِعُ العَطَبِ |
|
وأيُّ مَهْرٍ يَكُونُ أثْقَلَ مِنْ |
|
مَا طَلَبُوه إذاً مِنَ الضب |
|
أنْ يَعْرِفَ الماء تحْتَ صُمِّ الصَّفا |
|
وَيُخْبِرَ النَّاسَ مَنْطِقَا الخطبِ |
|
أخْرَجَنِي قَوْمُهَا بأنَّ الرَّحَى |
|
دَارَتْ بِشُؤُمٍ لَهم عَلى القُطْبِ |
فلما سمعت امرأته ذلك فرحت وقَالت : ارجِع إلى القوم فإنك شاعرٌ ، فانطلقا راجعين فلما وصلا خرج القوم إليهما وقصَدُوا ضربهما وردُّوهما ، فَقَال لهما الضب : اسمعوا شعري ثم اقتلوني ، فأنشدهم شعره ، فنجا وصار فيهم آثَرَ من بعضهم. قَال الفرزدق :
|
وكُنْتُ كَذَاتِ الحَيْضِ لَمْ تُبقِ ماءَهَا |
|
ولا هِي مِنْ مَاءِ العَذَابةِ طاهِرِ |
![مجمع الأمثال [ ج ٢ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4715_majma-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
