بل هي للواقعيّات العينيّة والخارجيّة ، واستعمال كلمة الماهيّة في الامور الاعتباريّة ـ مثل ماهيّة الإحرام وماهيّة الصلاة ـ يكون على سبيل العناية والمجاز والمسامحة ، فإنّها تابعة لاعتبار الشرع أو العقلاء ، فالأحكام من الامور الاعتباريّة ، وبعيدة عن مسألة التضاد بمراحل.
بقي متمّم وهو : قال صاحب الكفاية قدسسره (١) : إنّه لا ريب في أنّ الأحكام الخمسة متضادّة في مقام فعليّتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر.
والظاهر منه أنّه لا فرق بين الأحكام الخمسة في أصل عنوان التضاد ، ورتبة التضاد من حيث الشدّة والضعف ، فعلى فرض قبول التضاد بين الوجوب والحرمة ، كيف يمكن إثباته بين الوجوب والاستحباب مع أنّ الفرق بينهما أنّ أحدهما ناش عن الإرادة القويّة ، والآخر ناش عن الإرادة الضعيفة؟!
يمكن أن يتوهّم : أنّ تغاير منشأهما يوجب التغاير بينهما ، ولكنّه ليس بصحيح ؛ إذ التغاير بين البعثين ليس بأزيد وأشدّ من التغاير بين الإرادتين ، وقد ذكرنا أنّ اختلاف الإرادتين في الشدّة والضعف لا يرجع إلى اختلاف ماهوي ، بل كلاهما داخلان تحت كلّي واحد مشكّك ، فلا يتحقّق التضاد بينهما ، وعلى هذا لا يمكن تحقّق التضاد بين البعثين الناشئين من مراحل ماهيّة واحدة.
ولكنّ جريان هذا الإشكال على صاحب الكفاية مبتن على كون مدّعاه تحقّق التضاد بين جميع الأحكام الخمسة ، مع أنّه اعترف في بحث استصحاب الكلّي من القسم الثالث ومواضع أخر من الكفاية بأنّه يتحقّق كمال المغايرة بين الوجوب والاستحباب بنظر العرف ، وأمّا بنظر العقل فيكون الاختلاف بينهما
__________________
(١) كفاية الاصول ١ : ٢٤٩.
![دراسات في الأصول [ ج ٢ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3692_dirasat-fi-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
