والكون المبتدأ لا يخالف الحركة والسكون في جنسه ، بل هو في معناهما ، ولكن لا يسمّى حركة لأنّها الحصول الأوّل في الحيز الثاني ، ولا سكونا لأنّه الحصول الثاني في الحيز الأوّل. وحكي عن الوراق أنّه حركة ، والمحل متحرك به. وعن الأشعري أنّه سكون (١) ، والمحل ساكن به. وذهب أبو الهذيل العلاف وأبو علي وأبو القاسم الكعبي إلى أنّ ذلك المعنى غير الحركة والسكون. والتحقيق أنّه في معناهما. (٢) ثمّ رجع أبو علي عن مقالته هذه وجعله من جنس السكون وأثبت الحركة مخالفة له. والمشهور ما تقدّم من اتحاد الحقائق ، وإنّما تتغير العبارات لوقوعها على وجوه ؛ لأنّه لا حال للساكن ولا للمتحرك أزيد من كونهما كائنين في المكان الذي هما فيه ، كما نقول : الباقي لا حال له بكونه باقيا أزيد من الوجود المستمر فيجب فيما يوجب هذه الحالة أن يكون جنسا واحدا سواء سمي حركة أو سكونا أو كونا ، لأنّ تساوي المعلومات يستلزم تساوي العلل.
وأيضا إن ضادّ هذا الكون السكون (٣) وجب أن لا يصح في الكائن أن
__________________
(١) قال الطوسي : «وأمّا من قال هو السكون ، فإنّما قاله لأنّه يقول : الأكوان في الأحياز كلّها سكونات ، ويكون بعضها حركات باعتبارات أخر ؛ وذلك لأنّه قد روي عن أبي الحسن الأشعري أنّه قال : الجوهر إذا كان في مكان فالكون الذي فيه سكون. وإذا تحرك إلى مكان آخر فأوّل كونه في المكان الثاني سكونه فيه وحركته إليه». نقد المحصل : ١٥٠.
(٢) قال به أبو رشيد المعتزلي أيضا حيث قال : «اعلم أنّ الجسم في ابتداء خلق الله تعالى لا يخلو من الكون الذي من جنس الحركة والسكون ، لأنّه لو بقى صار سكونا ولو كان موجودا عقيب ضدّه على سبيل التقريب كان حركة ، إلّا أنّه لا يسمى ذلك الكون لا بحركة ولا بسكون وإن كان من جنسهما ، لأنّ معنى السكون هو أن يوجد كون عقيب ضدّه أو يبقى كون واحد وقتين ، والحركة عبارة عن كون واقع عقيب ضدّه ... وذهب الشيخ أبو هذيل إلى القول بأنّ ذلك الكون ليس من قبيل الحركات والسكنات ، بل هو جنس برأسه وهو قول الشيخ أبي علي أوّلا ، ثمّ رجع ، فقال : إنّه من جنس السكون ولا يكون من جنس الحركة». التوحيد : ١٣١. أيضا ص ٦٣ و ٧٥.
(٣) استدل أبو رشيد بوجوه ثلاثة على بطلان ما ذهب إليه أبو الهذيل من تخالف هذا الكون مع الحركة والسكون. فراجع التوحيد : ١٣٥ ـ ١٣٦.
![نهاية المرام في علم الكلام [ ج ٣ ] نهاية المرام في علم الكلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3371_nihayat-almaram-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
