وروي عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ في النرد ، والشّطرنج (١) : أنّه من الميسر (٢). وقال الشّافعيّ ـ رضي الله عنه ـ : إذا خلا الشّطرنج عن الرهان واللّسان عن الطّغيان ، والصّلاة عن النّسيان ؛ لم يكن حراما ، وهو خارج عن الميسر ؛ لأنّ الميسر ما يوجب دفع مال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قمارا ولا ميسرا.
وأمّا السّبق (٣) في الخفّ ، والحافر ، والنّشاب ، فخصّ بدليل.
قوله : (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) الجارّ خبر مقدّم ، و «إثم» مبتدأ مؤخّر ، وتقديم الخبر هنا ليس بواجب ، وإن كان المبتدأ نكرة ، لأنّ هنا مسوغا آخر ، وهو الوصف ، أو العطف ، ولا بدّ من حذف مضاف أيضا ، أي : في تعاطيهما إثمّ ؛ لأنّ الإثم ليس في ذاتهما.
وقرأ (٤) حمزة والكسائيّ : «كثير» بالثّاء المثّلثة ، والباقون بالباء ثانية الحروف. ووجه قراءة الجمهور واضح ، وهو أنّ الإثم يوصف بالكبر مبالغة في تعظيم الذّنب ، ومنه آية (إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) [النساء : ٢]. وسمّيت الموبقات : «الكبائر» ، ومنه قوله تعالى : (يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ) [الشورى : ٣٧] ، و (كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) [النساء : ٣١] وشرب الخمر ، والقمار من الكبائر ، فناسب وصف إثمهما بالكبر ، وقد أجمعت السّبعة على قوله : (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) بالباء الموّحدة ، وهذه توافقها لفظا.
وأمّا وجه قراءة الأخوين : فإمّا باعتبار الآثمين من الشّاربين ، والمقامرين ، فلكلّ واحد إثم ، وإمّا باعتبار ما يترتّب [على تعاطيهما من توالي العقاب ، وتضعيفه ، وإمّا
__________________
(١) هو بكسر أوله وفي لغة بالسين ، وفيه أربع لغات كسر الشين وفتحها والإعجام. والإهمال ، والأشهر الإعجام مع الكسر ويجمع على شطارج ، وأصله في اللغة الأعجمية : «شش رنك» ومعناه : ستة ألوان ؛ لأن «شش» ستة و «رنك» ألوان وهي أعني : الستة الشاه ـ والفرزان ـ والفيل ـ والفرس ـ والرخ ـ والبيدق.
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤ / ٣٢٤) عن القاسم بن محمد بمعناه.
(٣) السبق ـ بالسكون ـ مصدر سبق أي : تقدم ، وبالتحريك المال الموضوع بين أهل السباق ، والرمي يشمل الرمي بالسهام والمزاريق وغيرهما.
وهذا الباب من مبتكرات إمامنا الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه ـ التي لم يسبق إليها كما قاله المزني وغيره.
والمسابقة الشاملة للمناضلة سنة للرجال المسلمين ؛ بقصد الجهاد بالإجماع ، ولقوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)[الأنفال : ٦٠] الآية. وفسّر النبيّ صلىاللهعليهوسلم القوة بالرمي ؛ ولخبر أنس : كانت العضباء ناقة رسول الله صلىاللهعليهوسلم لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها ، فشقّ ذلك على المسلمين ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن حقا على الله ألّا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه»
(٤) انظر : السبعة ١٨٢ ، والكشف ١ / ٢٩١ ، والعنوان ٧٤ ، ووقع فيه : بالتاء [المثناة] وهو تحريف أو خطأ مطبعي.
وانظر : حجة القراءات ١٣٢ ، ١٣٣ ، والحجة ٢ / ٣٠٧ ، وشرح الطيبة ٤ / ٩٩ ، وشرح شعلة ٢٨٩ ، وإتحاف ١ / ٤٣٧.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٤ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3093_allubab-fi-ulum-alkitab-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
