كالاستثناء والشرط. وأما الاحتجاج للجواز بقوله : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) ، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق ، فإن ضمير (مِنْهُ) عائد إلى الصدقات ، لأن أول الآية (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ) [النساء : ٤] الآية فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد الألفة ، فلا تعارض بين الآيتين ولو سلمنا التعارض لكان يجب على الناظر سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح.
واختلفوا في جواز أخذ الزائد على ما أصدقها المفارق ، فقال طاوس وعطاء والأوزاعي وإسحاق وأحمد : لا يجوز أخذ الزائد ، لأن الله تعالى خصه هنا بقوله : (مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَ) واحتجوا بأن النبي صلىاللهعليهوسلم قال لجميلة لما قالت له : أرد عليه حديقته وأزيده «أما الزائد فلا» أخرجه الدار قطني عن ابن جريج. وقال الجمهور : يجوز أخذ الزائد لعموم قوله تعالى : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) واحتجوا بما رواه الدار قطني عن أبي سعيد الخدري أن أخته كانت تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة ، فوقع بينهما كلام فترافعا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال لها «أتردين عليه حديقته ويطلقك» قالت : نعم وأزيده ، فقال لها «ردي عليه حديقته وزيديه» وبأن جميلة لما قالت له : وأزيده لم ينكر عليها.
وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك أي يحرمه ، ولم يصح عنده ما روي «أما الزائد فلا» والحق أن الآية ظاهرة في تعظيم أمر أخذ العوض على الطلاق ، وإنما رخصه الله تعالى إذا كانت الكراهية والنفرة من المرأة من مبدأ المعاشرة ، دفعا للأضرار عن الزوج في خسارة ما دفعه من الصداق الذي لم ينتفع منه بمنفعة ؛ لأن الغالب أن الكراهية تقع في مبدأ المعاشرة لا بعد التعاشر.
فقوله : (مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَ) ظاهر في أن ذلك هو محل الرخصة ، لكن الجمهور تأولوه بأنه هو الغالب فيما يجحف بالأزواج ، وأنه لا يبطله عموم قوله : (فِيمَا افْتَدَتْ) وقد أشار مالك بقوله : ليس من مكارم الأخلاق إلى أنه لا يراه موجبا للفساد والنهي ؛ لأنه ليس مما يختل به ضروري أو حاجي ، بل هو آيل إلى التحسينات ، وقد مضى عمل المسلمين على جوازه.
واختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة؟ فالجمهور على أنها محكمة ، وقال فريق : منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء [٢٠] (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) ونسبه القرطبي لبكر بن عبد الله المزني ، وهو قول شاذ ، ومورد آية النساء في الرجل يريد فراق امرأته ، فيحرم عليه أن يفارقها ، ثم
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٢ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2906_altahrir-wal-tanwir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
