لم يبق معه مدخل للهضيمة حتى الأشياء التي قد يخفى أمرها قد جعل لها التحكيم قال تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما) [النساء : ٣٥] وهذا لم يكن للشرائع عهد بمثله.
وأول إعلام هذا العدل بين الزوجين في الحقوق ، كان بهاته الآية العظيمة ، فكانت هذه الآية من أول ما أنزل في الإسلام.
والمثل أصله النظير والمشابه ، كالشبه والمثل ، وقد تقدم ذلك في قوله تعالى : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) [البقرة : ١٧] ، وقد يكون الشيء مثلا لشيء في جميع صفاته وقد يكون مثلا له في بعض صفاته. وهي وجه الشبه. فقد يكون وجه المماثلة ظاهرا فلا يحتاج إلى بيانه ، وقد يكون خفيا فيحتاج إلى بيانه ، وقد ظهر هنا أنه لا يستقيم معنى المماثلة في سائر الأحوال والحقوق : أجناسا أو أنواعا أو أشخاصا ؛ لأن مقتضى الخلقة ، ومقتضى المقصد من المرأة والرجل ، ومقتضى الشريعة ، التخالف بين كثير من أحوال الرجال والنساء في نظام العمران والمعاشرة. فلا جرم يعلم كل السامعين أن ليست المماثلة في كل الأحوال ، وتعين صرفها إلى معنى المماثلة في أنواع الحقوق على إجمال تبينه تفاصيل الشريعة ، فلا يتوهم أنه إذا وجب على المرأة أن تقم بيت زوجها ، وأن تجهز طعامه ، أنه يجب عليه مثل ذلك ، كما لا يتوهم أنه كما يجب عليه الإنفاق على امرأته أنه يجب على المرأة الإنفاق على زوجها بل كما تقم بيته وتجهز طعامه يجب عليه هو أن يحرس البيت وأن يحضر لها المعجنة والغربال ، وكما تحضن ولده يجب عليه أن يكفيها مئونة الارتزاق كيلا تهمل ولده ، وأن يتعهده بتعليمه وتأديبه ، وكما لا تتزوج عليه بزوج في مدة عصمته ، يجب عليه هو أن يعدل بينها وبين زوجة أخرى حتى لا تحس بهضيمة فتكون بمنزلة من لم يتزوج عليها ، وعلى هذا القياس فإذا تأتّت المماثلة الكاملة فتشرع ، فعلى المرأة أن تحسن معاشرة زوجها ، بدليل ما رتب على حكم النشوز ، قال تعالى : (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَ) [النساء : ٣٤] وعلى الرجل مثل ذلك قال تعالى : (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء : ١٩] وعليها حفظ نفسها عن غيره ممن ليس بزوج ، وعليه مثل ذلك عمن ليست بزوجة [النور : ٣٠] ثم قال : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ) [النور : ٣٠] الآية (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ) [المؤمنون : ٥ ـ ٦] إلّا إذا كانت له زوجة أخرى فلذلك حكم آخر ، يدخل تحت قوله تعالى : (وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) والمماثلة في بعث الحكمين ، والمماثلة في الرعاية ، ففي الحديث : «الرجل
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٢ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2906_altahrir-wal-tanwir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
