الآية ، على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في الطلاق ما دامت العدة ، وعندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة بل الآية جامعة لأمرين : حكم المراجعة ، وتحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات ، وذلك أن المتفارقين لا بد أن يكون لأحدهما أو لكليهما ، رغبة في الرجوع ، فالله يعلم الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء ، وأن يصفحوا عن الأسباب التي أوجبت الطلاق لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال ، والمرأة أهل الغضب والإباء.
والرد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ) [البقرة : ٢١٧] والمراد به هنا الرجوع إلى المعاشرة وهو المراجعة ، وتسمية المراجعة ردا يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعا لعصمة النكاح ، فهو إطلاق حقيقي على قول مالك ، وأما أبو حنيفة ومن وافقوه فتأوّلوا التعبير بالرد بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة ، فسميت المراجعة ردا عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه وهو رد مجازي.
وقوله : (إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً) شرط قصد به الحث على إرادة الإصلاح ، وليس هو للتقييد.
(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
لا يجوز أن يكون ضمير (لَهُنَ) عائدا إلى أقرب مذكور وهو (المطلقات) ، على نسق الضمائر قبله ؛ لأن المطلقات لم تبق بينهن وبين الرجال علقة حتى يكون لهن حقوق وعليهن حقوق ، فتعين أن يكون ضمير (لَهُنَ) ضمير الأزواج النساء اللائي اقتضاهن قوله (بِرَدِّهِنَ) بقرينة مقابلته بقوله (وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ). فالمراد بالرجال في قوله : (وَلِلرِّجالِ) الأزواج ، كأنه قيل : ولرجالهن عليهن درجة. والرجل إذا أضيف إلى المرأة ، فقيل : رجل فلانة ، كان بمعنى الزوج ، كما يقال للزوجة : امرأة فلان ، قال تعالى : (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ) [هود : ٧١] ـ (إِلَّا امْرَأَتَكَ) [هود : ٨١].
ويجوز أن يعود الضمير إلى النساء في قوله تعالى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ) [البقرة: ٢٢٦] بمناسبة أن الإيلاء من النساء هضم لحقوقهن ، إذا لم يكن له سبب ، فجاء هذا الحكم الكلي على ذلك السبب الخاص لمناسبة ؛ فإن الكلام تدرج من ذكر النساء اللائي في العصمة ، حين ذكر طلاقهن بقوله (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) [البقرة : ٢٢٧] ، إلى ذكر المطلقات
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٢ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2906_altahrir-wal-tanwir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
