وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق ، بمسير السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ، وقد عبث به مرض خاف منه على نفسه ، محمولا في محفة نحو همذان ، واجتاز عند ذلك بدار الخلافة ، وراسل الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين ، يسأله المسامحة بما سبق منه في تلك النوبة الحادثة بينهما ، وأن يحلله ويدعو له ، ولا يدعو عليه ، فخرج إليه جواب الرسالة بأجمل جواب ، وألطف خطاب ، طابت بهما نفسه وزاد في استماعهما أمله في البر
__________________
وأدركه في عنفوان شبابه حمامه ، وتوفي سنة احدى وعشرين وخمسمائة ، فولي بعده أخوه الأصغر ، وقام بتدبير دولته جاولي أيضا ، وأرسل الى السلطان يطلب أن يقرر البلاد عليه ، وبذل أموالا كثيرة ... وكان واسطة ذلك القاضي بهاء الدين أبا الحسن علي بن الشهرزوري ، وصلاح الدين محمد الياغسياني ، فحضرا الى بغداد ليخاطبا السلطان في ذلك ، وكانا يخافان جاولي ، ولا يرضيان بطاعته والتصرف بحكمه ، فاجتمع صلاح الدين ونصير الدين جقر ـ الذي كان أعظم أصحاب أتابك زنكي منزلة ـ وكان بين نصير الدين وصلاح الدين مصاهرة فذكر له صلاح الدين ما قدم له ، فخوفه نصير الدين من جاولي وتحكمه على صاحبه ، وقال له : إن رأيت أن تطلب البلاد لعماد الدين فهو الرأي ، لأن السلطان صورة وأنا وأنت معنى ، فأجابه الى ذلك ، وأخذه الى القاضي بهاء الدين بن الشهرزوري ، متحدثا معه ووعده نصير الدين ومناه ، وضمن له عن عماد الدين من الأملاك والاقطاع ، والوقوف على اختياره ما جاوز أمله ، فأجاب بهاء الدين أيضا ، وركب هو وصلاح الدين الى دار الوزير ـ وهو حينئذ أنوشروان بن خالد ـ فقال له : قد علمت أنت والسلطان أن بلاد الجزيرة والشام قد استولى الفرنج عليها ، وتمكنوا منها ، وقويت شوكتهم ، وقد كان البرسقي يكف بعض عاديتهم ، فمذ قتل إزداد طمعهم ، وهذا ولده طفل ، ولا بد للبلاد من شهم شجاع يذب عنها ويحمي حوزتها ، وقد أنهينا الحال إليك ، لئلا يجري خلل أو وهن على الاسلام والمسلمين ، فنحصل نحن بالاثم من الله ، واللوم من السلطان ، فأنهى الوزير ذلك الى السلطان ، فقال : من تريان يصلح لهذه البلاد ، فقد نصحتما لله تعالى وللمسلمين ، فذكرا جماعة فيهم عماد الدين زنكي ، وعظما محله أكثر من غيره ، فمال السلطان الى توليته ، لما علم من شهامته وكفايته وعقله لما تولاه ، وأمره بالحضور عنده ، وفصل الحال في خدمة يحملها ، واستقر الحال وولاه البلاد جميعها ، وكتب منشوره الى بغداد.

