الإسلام فآمن ، غير أنّ منيّته حالت دون اُمنيته.
ولو لم يكن جعفر بتلك المنزلة الرفيعة لما تعاقبت مفاخرات أئمّة الدِّين عليهمالسلام به ، كما افتخروا بعمّه أسد اللّه وأسد رسوله في كثير من مفاخراتهم :
ففي احتجاج الطبرسي : إنّ أمير المؤمنين عليهالسلام احتجّ على أهل الشورى بأنّ أخاه جعفر ، المُزيّن بجناحين في الجنّة يحلّ فيها حيث شاء ، فلم يردّ عليه أحد ، بل قابلوه بالتسليم والقبول.
وفي نهج البلاغة فيما كتب به إلى معاوية : «إنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ولِكُلٍّ فَضْلٌ ، حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ ، قِيلَ له : الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ».
فلو لم يكن كفاحه عن الدِّين عن بصيرة نافذة ويقين ثابت لَما افتخر به المعصومون عليهمالسلام ، والعارفون بمآل العباد حتّى جعلوا مواقفه في الدِّين ذريعة إلى التوسّل إلى مطلوبهم.
ولحزمهِ الثابتِ ومواقفهِ المحمودة ، وإصابته في الرأي وقديم إيمانه ؛ أمّرهُ النّبيُّ صلىاللهعليهوآله في غزوة مؤتة على المسلمين ، ولم يجعل عليه أمير ، فإذا قُتل فالأمير زيد بن حارثة ، فإنْ قُتل فالأمير عبد اللّه بن رواحة (١).
فما ذهب إليه فريق من المؤرّخين من تقديم زيد وابن رواحة عليه ، يدفعه صحيح الأثر والاعتبار الصادق.
وهذه العظمة هي التي تركت قدومه من الحبشة ـ يوم فتح خيبر ـ أعظم موهبة منح اللّه تعالى بها نبيّه صلىاللهعليهوآله ، تعادل ذلك الفتح المبين حتّى قال صلىاللهعليهوآله : «ما أدري بأيّهما اُسرُّ ؛ بقدوم جعفرٍ أمْ بفتح خيبر؟!». ثُمّ قال
__________________
(١) مناقب آل أبي طالب ١ / ١٧٦ ، إعلام الورى / ٢١٢.
