فقال عبد المُطّلب : مدّ يدَك. فمدّ يده فضرب بيده على يد أبي طالب ، ثم قال عبد المُطّلب : الآن خُفف عليَّ الموت. ولم يزل يُقبّله ويقول : أشهدُ أنّي لم أرَ أحداً في وُلدي أطيبَ ريحاً منك ، ولا أحسنَ وجهاً (١).
وفرح أبو طالب بهذه الحظوة من أبيه العطوف ، وراح يدّخر لنفسه السّعادة الخالدة بكفالة نبيّ الرحمة ، فقام بأمره ، وحماه في صغره بماله وجاهه من اليهود والعرب وقريش ، وكان يؤثره على أهله ونفسه ، وكيف لا يؤثره وهو يشاهد من ابن أخيه ـ ولمّا يبلغ التاسعة من عمره ـ هيكل القدس يملأ الدست هيبةً ورجاحة. أكثر ضحكه الابتسام ، ويأنس بالوحدة أكثر من الاجتماع.
وإذا وضع له الطعام والشراب لا يتناول منه شيئاً إلاّ قال : «بسمِ اللّهِ الأحد». وإذا فرغ من الطعام حمد اللّه وأثنى عليه ، وإنْ رصده في نومه شاهد َالنّور يسطع من رأسه إلى عنان السّماء (٢).
وكان يوماً معه بذي المجاز ، فعطش أبو طالب ولم يجد الماء ، فجاء النّبي صلىاللهعليهوآله إلى صخرة هناك وركلها برجله ، فنبع من تحتها الماء العذب (٣). وزاد على ذلك ، توفر الطعام القليل في بيته حتّى أنّه يكفي الجمع الكثير إذا تناول النّبيُّ صلىاللهعليهوآله منه شيئاً (٤).
وهذا وحده كافٍ في الإِذعان بأنّ أبا طالب كان على يقين من نبوّة ابن أخيه محمّد صلىاللهعليهوآله.
__________________
(١) كمال الدِّين وتمام النّعمة / ١٧٢ ، وعنه المجلسي في بحار الأنوار ١٥ / ١٤٣.
(٢) انظر : مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٦ ـ ٣٧ ، وعنه المجلسي في بحار الأنوار ١٥ / ٢٣٥.
(٣) السّيرة الحلبيّة ١ / ١٩١.
(٤) المصدر نفسه ١ / ١٨٩.
