ونزل على قيصر ، فأعجبه حُسنُ خلقه وجمال هيئته وكرمه المنهمر ، فلم يحجبه ، وأذن له بالقدوم عليه بالتجارة ، وكتب أماناً بينهم ، فارتقت منزلة هاشم بين النّاس ، فكان يسافر في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام. وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ومن ملوك اليمن والشام ، وجعل له معهم ربحاً ، وساق لهم إبلاً مع إبله ، وكفاهم مؤونة الأسفار على أنْ يكفوه مؤنة الأعداء في طريقه ومنصرفه ، فكان في ذلك صلاح عام للفريقين ، فكان المُقيم رابحاً ، والمُسافر محفوظاً ، فأخصبت قريش بذلك ، وأتاها الخير من البلاد العالية والسّافلة ببركة هاشم ، وهذا هو الإيلاف المذكور في القرآن المجيد (١).
وكان يقول في خطبته : أيُّها النّاس ، نحن آلُ إبراهيم وذُرّيّة إسماعيل ، وبنو النّضر بن كنانة ، وبنو قصي بن كلاب ، وأرباب مكّة وسُكّان الحرم ؛ لنا ذروة الحسب ومعدن المجد ، ولكُلٍّ في كلِّ حلفٍ يجب عليه نصرتُهُ وإجابةُ دعوتهِ ، إلاّ ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم.
يا بني قَصي ، أنتم كغصنَي شجرة أيّهما كُسر أوحش صاحبَهُ ، والسّيف لا يُصان إلاّ بغمده ، ورامي العشيرة يُصيبه سهمُهُ ، ومَن أمحكه اللّجاجُ أخرجه إلى البغي.
أيّها النّاس ، الحلمُ شرفٌ ، والصبرُ ظفرٌ ، والمعروفُ كنزٌ ، والجُودُ سُؤددٌ ، والجهلُ سَفَهٌ ، والأيامُ دُولٌ ، والدَّهرُ غِيرٌ. والمرءُ منسوبٌ إلى فعله ومأخوذ بعمله ، فاصطنعوا المعروفَ تكسبوا الحمد ، ودعوا الفضولَ تُجانبكم السّفهاءُ ، وأكرموا الجليسَ يعمر
__________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٥ / ٢١٠.
