ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها وخطب النّاس ، فقال :
يا معشر قريش ، إنّكم سادة العرب ؛ أحسنها وجوهاً ، وأعظمها أحلاماً ، وأوسطها نسباً ، وإنّكم جيران بيت اللّه ، أكرمكم اللّه بولايته ، وخصّكم بجواره دون بني إسماعيل ، وإنّه يأتيكم زوّارُ اللّه يُعظّمون بيته فهم أضيافه ، وحقّ مَنْ أكرم أضياف اللّه أنتم ، فأكرموا ضيفه وزوّاره ؛ فإنّهم يأتونه غبراً مِن كلِّ بلد على ضوامر كالقداح. فوربَّ هذه البَنيَّة ، لو كان لي مالٌ يحتمل ذلك لكفيتموه ، وأنا مُخرجٌ من طيب مالي وحلالي ما لم يُقطع فيه رحمٌ ، ولم يُؤخذ بظلمٍ ، ولم يدخل فيه حرام ، فمن شاء منكم أنْ يفعل مثل ذلك فعل. وأسألكم بحرمة هذا البيت ، أنْ لا يخرج رجل منكم من ماله ـ لكرامة زوّار بيت اللّه وتقويتهم ـ إلاّ طيّباً ؛ لم يقطع فيه رحم ، ولم يُؤخذ غصباً.
فكانوا يجتهدون في ذلك ، ويخرجون من أموالهم ويضعونه في دار النّدوة (١).
وكان هاشم يطعم الحاجّ بمكّة ومنى وعرفة وجُمع (٢).
وهو أوّل مَن سنّ لقريش الرحلتين ; رحلة إلى اليمن ورحلة إلى الشام ، وأخذ لهم من ملوك الروم وغسّان ما يعتصمون به (٣) ; وذلك إنّ تجّار قريش لمْ تعُد تجارتُهم نفس مكّة وضواحيها ، وإنّما تقدمُ عليهم الأعاجم بالسّلع فيشترونها حتّى رحل هاشم إلى الشام
__________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٥ / ٢١١ ، السّيرة الحلبيّة ١ / ٩ ، سُبل الهدى والرشاد ١ / ٢٧٠.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٥ / ٢١١ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٢.
(٣) تاريخ الطبري ٢ / ١٢ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٦.
