ولم يعهد من الأئمّة الطاهرين عليهمالسلام ـ مع تحفّظهم على التقيَّة وإلزام شيعتهم بها ـ تثبيط الشعراء عن المكاشفة في حقِّهم ، وإظهار باطل المناوئين ، مع أنّ في الشعراء مَن لا يقرّ له قرار ولا يأويه مكان ؛ فرقاً من أعداء أهل البيت عليهمالسلام لمحض مجاهرتهم بالولاء ، والدعوة إلى طريقة أبناء الرسول صلىاللهعليهوآله ، كالكميت ودعبل الخزاعي ونظرائهم.
بل كان الأئمّة عليهمالسلام يؤكّدون ذلك بالتحبيذ وإدرار المال عليهم ، وإجزال الهبات لهم ، وذكر المثوبات ، وليس ذلك إلاّ لأنّ المكاشفة أدخلُ في توطيد اُسس الولاية ، وعاملٌ قويّ لنشر الخلافة الحقّة ، حتّى لا يبقى سمع إلاّ وقد طرقه الحقُّ الصراح ، ثُمّ تتلقّاه الأجيال الآتية ، كُلّ ذلك حفظاً للدّين عن الاندراس ، ولئلاّ تذهب تضحية آل اللّه في سبيله أدراج التمويهات.
ولولا نهضةُ اُولئك الأفذاذ من رجالات الشيعة للذبِّ عن قُدس الشريعة بتعريض أنفسهم للقتل ؛ كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق ، ورشيد وميثم التمّار وأمثالهم ، ومجاهرة الشعراء بما قدم به الأطهار من أهل البيت النبويّ عليهمالسلام ، لَما عرفت الأجيال المُتعاقبة صراح الحقّ.
وممّا ورد من الحثّ على نظم الشعر مدحاً ورثاءً ، قولهم عليهمالسلام : «مَن قال فينا بيتاً من الشِّعرِ بنى اللهُ له بيتاً في الجنّة». وفي آخر : «حتَّى يُؤيَّد بروحِ القُدُس» (١).
وفي ثالث : «ما قالَ فينا مؤمنٌ شِعراً يمدَحنا إلاّ بنَى اللهُ له في
__________________
(١) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق ٢ / ١٥ ، وسائل الشيعة ١ / ٤٦٧ ، بحار الأنوار ٢٦ / ٢٣١ ، وورد بلفظ : «ما قالَ فينا قائلٌ بيتاً من الشّعر حتّى يُؤيّد بروحِ القُدُس».
