وأوضح ما في ذلك عبارة الذكرى ، التي نقل عنها دعوى الإجماع في ذلك ، فإنّه ذكر المسألتين في سطرٍ واحد ، قال : التاسع : إذن الإمام ، كما كان النبيّ يأذن لأئمّة الجُمُعات ، وأمير المؤمنين بعده ، وعليه إطباق الإماميّة. هذا مع حضور الإمام ، وأمّا مع غيبته كهذا الزمان ففي انعقادها قولان أصحّهما وبه قال معظم الأصحاب : الجواز إذا أمكن الاجتماع والخطبتان (١). انتهى ، ثمّ علّل الجواز بالتعليلين السابقين.
وهذا كما ترى صريح في اختصاص الإجماع بحالة حضوره ، ووقوع الخلاف في اشتراط إذنه في حال غيبته ، وأن الأكثر على العدم. وعبارة باقي أصحاب المطوّلات قريبة من ذلك ، فتدبّر.
فإن قيل : الأوامر الدالّة على الوجوب إنّما استفيد منها الوجوب العيني ، كما هو موضع وفاق بالنسبة إلى حالة الحضور ، ومدّعاكم الوجوب التخييري ، وأحدهما غير الآخر.
قلنا : أصل الوجوب ومطلقه مشترك بين العيني والتخييري ، ومن حقّ المشترك أن لا يخصّص بأحد معنييه إلا بقرينة صارفة عن الآخر أو مخصّصة ، والوجوب العيني منفيّ حال الغيبة بالإجماع ، فيختصّ الفرد الآخر.
فإن قيل : لو كان عدم إمكان الشرط موجباً لسقوط أثره وإعمال أصل الأوامر ، لزم جوازها فرادى عند عدم إمكان الجمع ، وبأقلّ من العدد عند تعذّره ، وغير ذلك ممّا يتعذّر فيه أحد الشروط ، وهو باطل إجماعاً ، فأيّ فارق بين الشروط؟
قلنا : هذا السؤال حقّ ، ومن خواصّ الشرط أن يستلزم فقده فقد المشروط ، إلا أنّ هذا الشرط وهو إذن الامام ليس له مستند يرجع إليه من كتاب أو سنّة ، كما ورد في باقي الشروط ، وإنّما العمدة في إثباته على الإجماع ، كما قرّرناه سابقاً ، ولا ريب أنّ الإجماع إنّما وقع على الاشتراط في حالة الحضور لا الغيبة ، فإنّه نفس المتنازع ، بل الأكثر على عدم الاشتراط. فتحرّر من ذلك أن لا دليل على الاشتراط في حالة الغيبة يجب المصير إليه.
فإن قيل : هذا غير مطابق لما احتجّ به الشهيد رحمهالله في الذكرى ؛ فإنّه اعتمد
__________________
(١) الذكرى ٤ : ١٠٤.
![روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان [ ج ٢ ] روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1540_rozaljanan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
