🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
🚘 نسخة غير مصححة

وإن قلتم بصحة اتصافه بالقدرة نظرا إلى إمكان الفعل فيما لا يزال ، فجوزوا اتصافه بالعجز نظرا إلى إمكان الفعل فيما لا يزال.

والجواب :

أما السؤال الأول : وهو قولهم : إن العجز صفة سلبية ؛ فلا يمتنع اتصاف الرب ـ تعالى ـ به بعد أن لم يكن كما قرروه ؛ فمندفع لثلاثة أوجه :

الأول : أنا إنما نفينا العجز بالتفسير المذكور وهو أن يكون صفة مضادة خاصة ، والمضادات كلها وجودية على ما سيأتى (١)

الثانى : أن المفهوم من العجز لو كان سلبيا فإذا كان حادثا ؛ فمفهومه يكون مسلوبا فى الأزل ، وسلب السلب إثبات فيكون أزليا ، ويلزم من ذلك زواله بحدوث العجز ، وزوال القديم الثابت ، ممتنع كما يأتى.

الثالث : أن نقيض العجز لا عجز ، فلو كان العجز أمرا عدميا ؛ لكان لا عجز وجوديا. ولو كان وجوديا ؛ لما اتصف به الممتنع ؛ لكونه عدما محضا.

فإن قيل : فهذا لازم عليكم فى تعلق العلم : بالمعلوم ، والقدرة بالمقدور ، والإرادة : بالمراد ؛ فإن المفهوم منه : إما وجود ، أو عدم.

فإن كان وجودا : فقد زال بعد أن كان أزليا فى الصور المذكورة.

وإن كان عدميا : فلا تعلق يكون وجوديا ، لما ذكرتموه. فتعلق العلم بأن العالم موجود حالة وجوده ، متحقق لا محالة. وقد كان هذا التعلق مسلوبا أزلا ؛ فيكون مفهومه وجوديا أزلا ، وقد زال بالتعلق ؛ فيكون الوجود الأزلى زائلا.

قلنا : أما التعلق ؛ فهو عندنا نسبة ، وإضافة ، والنسب ، والإضافات ثابتة لا فى نفس الأمر ؛ بل فى حكم الوهم وتقديره ، والثابت التقديرى لا يمتنع زواله عندنا ـ وإن كان تقديره ثابتا أزلا ـ وإنما الممتنع : زوال الأزلى ، إذا كان وجوده وثبوته متحققا فى نفس الأمر.

__________________

(١) انظر ما سيأتى فى الجزء الثانى ل ٧٨ / أوما بعدها.

٨١

وأما السؤال الثانى : فمندفع أيضا ؛ لأن القدرة على ما تقدم معنى ، من شأنه تأتى الإيجادية ، لا ما يلازمه الإيجاد كما تقدم فى الصفات ؛ فلا يستدعى وجود القدرة فى الأزل التمكن من المقدور ؛ بل جاز أن ينتفى التمكن لمعارض القدرة بخلاف العجز ، فإنا قد بينا : أنه معنى يلازمه امتناع الفعل الممكن على من قام به العجز : أما أنه يلازمه امتناع الفعل ؛ فلأنه لو كان الفعل غير ممتنع عليه ؛ لما عقل العجز عن فعل ما هو متمكن منه.

وأما اشتراط إمكان الفعل فى نفسه ؛ فلأنه لو كان الفعل ممتنعا فى نفسه ؛ فلا يصح الاتصاف بالعجز عنه ؛ كما ذكرناه من امتناع الاتصاف بالعجز عن الجمع بين الضدين ؛ وإيجاد كل محال الوجود فى نفسه ، وفيه دقة ؛ فليتأمل.

٨٢

«المسألة الحادية عشرة»

فى استحالة الكذب فى كلام الله تعالى

لا نعرف خلافا بين المعترفين بأن الله ـ تعالى ـ / متكلم بكلام فى استحالة الكذب فى كلامه ، وسواء كان الكلام هو القائم بالنفس أو الحروف ، والأصوات على خلاف المذاهب ، وإن اختلفت مآخذهم فى الاستدلال.

وقد استدل المعتزلة على استحالة الكذب فى كلام الرب ـ تعالى ـ بأن الكلام من فعله ، والكذب قبيح لذاته ، والله ـ تعالى ـ لا يفعل القبيح. وهو مبنى على فاسد أصولهم : فى (١) أن القبح ، والحسن (١) ذاتى. وفى إيجابهم رعاية الصلاح ، والأصلح ، وسيأتى بطلانه (٢).

وأما أصحابنا : فلهم فى بيان استحالة الكذب على كلام الله ـ تعالى ـ القديم النفسانى مسلكان : عقلى ، وسمعى.

أما المسلك العقلى :

فهو أنا نقول : الصدق ، والكذب فى الخبر من الكلام النفسانى القديم ليس لذاته ونفسه ؛ بل بالنظر إلى ما يتعلق به من المخبر عنه.

فإن كان قد تعلق به على ما هو عليه ؛ كان الخبر صادقا.

وإن كان الخبر على خلافه ؛ كان الخبر كاذبا.

وعند ذلك : فلو تعلق خبر الرب ـ تعالى ـ القائم بنفسه بأمر ما على خلاف ما هو عليه لم يخل : إما أن يكون ذلك مع العلم به ، أو لا مع العلم به.

لا جائز أن يقال لا مع العلم به : وإلا كان الرب ـ تعالى ـ جاهلا ببعض الأشياء ؛ وهو ممتنع كما سبق فى الصفات.

وإن كان ذلك مع العلم به : فمن كان عالما بالشيء يستحيل أن لا يقوم بنفسه الإخبار عنه على ما هو به ؛ وهو معلوم بالضرورة.

__________________

(١) فى ب (أن الحسن والقبح).

(٢) فى ب (إبطاله). انظر ل ١٨٦ / أوما بعدها.

٨٣

وعند ذلك : فلو قام بنفسه الإخبار عنه على خلاف ما هو عليه حالة كونه عالما به ومخبرا عنه على ما هو عليه ؛ لقام بالنفس الخبر الصادق والكاذب ، بالنظر إلى شيء واحد من جهة واحدة ؛ وذلك معلوم بطلانه بالضرورة.

فإن قيل : نحن (١) نعلم بالضرورة من أنفسنا أننا حال ما نكون عالمين بالشيء يمكننا (٢) أن نخبر بالخبر (٢) الكاذب ، ونعلم كوننا كاذبين ، ولو لا أننا عالمون بالشيء المخبر عنه ؛ لما تصور علمنا بكوننا كاذبين.

قلنا : الخبر الّذي نعلم من أنفسنا كوننا كاذبين فيه إنما هو الخبر اللسانى. وأما الخبر النفسانى ؛ فلا نسلم صحة علمنا بكذبه حالة الحكم به (٣).

غير أن من نظر إلى ما حققناه فى مسألة الكلام (علم) (٤) ضعف هذا المسلك ؛ فعليك بالالتفات إليه (٥).

وأما المسلك السمعى : فهو (٦) أنه قد ثبت صدق الرسول عليه‌السلام بالمعجزة القاطعة فى دلالتها فيما هو رسول فيه على ما سنبينه فى / النبوات (٧).

وقد نقل عنه بالخبر المتواتر أن كلام الله ـ تعالى ـ صدق ، وأن الكذب عليه محال ؛ فكان ذلك مقطوعا به.

وفيه نظر ، إذ لقائل أن يقول : صحة السمع متوقفة على صدق الرسول ، وصدق الرسول متوقف على استحالة الكذب على الله ـ تعالى ـ من حيث أن ظهور المعجزة على وفق تحديه بالرسالة نازلة منزلة التصديق من الله ـ تعالى ـ له فى دعواه ، فلو جاز الكذب على الله ـ تعالى ـ ؛ لأمكن أن يكون كاذبا فى تصديقه له ، ولا يكون الرسول صادقا ، فإذا توقف كل واحد منهما على الآخر ؛ كان دورا ممتنعا.

__________________

(١) فى ب (فإنا).

(٢) فى ب (ممكنا أن نخبر الخبر).

(٣) زائد فى ب (قال شيخنا رضى الله عنه).

(٤) فى أ (على).

(٥) انظر ل ٨٢ / ب وما بعدها.

(٦) فى ب (هو).

(٧) انظر الجزء الثانى ـ القاعدة الخامسة ـ الأصل الثانى. ل ١٣٠ / أ.

٨٤

فإن قيل : إثبات الرسالة لا يتوقف على استحالة الكذب على الله ـ تعالى ـ ليكون دورا ؛ فإنه لا يتوقف إثبات الرسالة على (١) الإخبار بكونه رسولا حتى يدخله الصدق ، أو الكذب ؛ بل إظهار المعجزة على وفق تحديه ينزل منزلة الإنشاء ، وإثبات الرسالة ، وجعله رسولا فى الحال. وذلك كقول القائل لغيره : وكلتك فى أشغالى ، واستنبتك (٢) فى أمورى ، وذلك لا يستدعى تصديقا ولا تكذيبا.

قلنا : فلو ظهرت المعجزة على يد شخص لم يسبق منه التحدى ؛ إذ هو جائز على أصول أصحابنا ؛ لم تكن المعجزة دالة على نبوته ، وإثبات رسالته إجماعا. ولو كان ظهور المعجزة على يده منزل منزلة الإنشاء لرسالته ؛ لوجب أن يكون رسولا متبعا بعد ظهورها ؛ وليس كذلك.

فإن قيل : [إن الإنشاء] (٣) مشروط بالتحدى ؛ فهو بعيد بالنظر إلى حكم الإنشاءات ؛ فإن من أنشأ أمرا ، وأثبته ابتداء لغيره لا يتوقف على سابقة الدعوى به لمن أثبت ذلك له ، وبتقدير أن يكون كذلك ؛ ولكن غايته ثبوت رسالته بطريق الإنشاء ، ولا يلزم منه أن يكون صادقا فى كل ما يخبر به ، دون دليل عقلى يدل على صدقه ، فيما يخبر به ، أو تصديق الله ـ تعالى ـ له فى ذلك بالمعجزة ، ولا دليل عقلى يدل على ذلك ، وتصديق الله ـ تعالى ـ له لو توقف على صدق خبره ؛ كان دورا ؛ كما سبق.

غير أن التمسك بمثل هذا المسلك السمعى فى بيان استحالة الكذب فى الكلام اللسانى ، الدال على الكلام النفسانى ؛ صحيح ؛ كما تقدم تقريره. والسؤال الوارد عليه ثمّ منقطع هاهنا ؛ فإن صدق الكلام اللسانى ، وإن توقف على صدق الرسول ؛ فصدق الرسول غير متوقف على صدق الكلام اللسانى ؛ بل على الكلام النفسانى ؛ فامتنع الدور الممتنع فيه ؛ والله أعلم.

__________________

(١) فى ب (الاعلى).

(٢) فى ب (واستأذنتك).

(٣) فى أ (لان الأشياء).

٨٥
٨٦

«النوع الخامس»

فى وحدانية الله ـ تعالى ـ

ويشتمل على فصلين :

٨٧
٨٨

«الفصل الأول»

فى تحقيق معنى الواحد (١) ، وأقسامه ، ولواحقه ، وما هو التوحيد؟

أما حقيقة الواحد :

فقد قال بعض أئمتنا : إنه الشيء الّذي لا يصح انقسامه.

وفيه نظر ؛ فإن الواحد قد يطلق على ما هو قابل للقسمة باعتبار اختصاصه بصفات لا يشاركه فيها أحد : ومنه يقال : فلان واحد فى عصره : أى لا نظير له ، ولا شبيه له فى صفاته.

وكذلك قد يطلق على آحاد الناس ، أو الموجودات : أنه واحد ، وإن كان صالحا للانقسام.

وقد يطلق على مبدأ الكثرة.

فإن أريد بالحد المذكور تحديد الواحد بالاعتبار الأول : فلا يخفى بطلانه.

وإن أريد به تحديد الواحد بالاعتبار الثانى : فهو باطل أيضا ؛ فإنه لا معنى لقول القائل لا يصح انقسامه ، إلا أنه لا تلحقه الكثرة ؛ فتكون الكثرة مأخوذة فى تعريف (٢) الواحد. والكثرة [متوقفة] (٣) فى معرفتها على معرفة الواحد ؛ لكونه مبدأ لها ، وأى حد قيل فى الكثرة كان الواحد مأخوذا فيه. وذلك كما يقال : الكثرة ما تعد بالواحد ، وأنها المجتمعة من الآحاد وغير ذلك ؛ فيكون دورا.

وفى معنى هذه العبارة قول بعض الأصحاب : الواحد هو الّذي لا يصح تقدير رفع شيء منه مع إبقاء شيء منه ، أو الّذي لا يقال فيه شيء وشيء ، إلا على طريق التكرار.

والأقرب : أن معرفتنا للواحد الّذي هو مبدأ الكثرة ؛ غير نظرية. وأن كل ما يقال فيه إنما هو على سبيل التذكير ، والتنبيه ، لا على سبيل التحديد المشروط فيما سلف.

__________________

(١) فى ب (الوحدة).

(٢) فى ب (حد).

(٣) فى أ (فمتوقفة).

٨٩

وعند هذا : فالواجب أن نعرف الواحد بذكر أقسامه ، وعد مسبباته.

فنقول : مسمى الواحد : إما أن يكون غير منقسم ، أو هو منقسم.

فإن كان غير منقسم : فإما أن يكون غير قابل (١) للانقسام ، أو (٢) هو قابل للانقسام (٢).

فإن كان غير قابل للانقسام : فهو الواحد بالعدد مطلقا : كالجوهر الفرد.

وإن كان قابلا للانقسام : فأجزاؤه : إما متشابهة ، أو غير متشابهة.

فإن كان الأول : فيسمى الواحد بالاتصال ، كالماء المتصل الأجزاء.

وإن كان الثانى : فيسمى الواحد بالتركيب : كالواحد (٣) من الحيوان ، أو النبات.

وإما أن يكون منقسما بالفعل : فلا بد وأن تشترك أعداده فى معنى كلى بحيث يصح إطلاق / اسم الواحد عليها باعتباره ، وإلا فلا معنى لإطلاق اسم الواحد عليها. وعلى حسب انقسام ذلك الكلى المشترك ، يكون انقسام هذا الواحد.

فإن كان الكلى المشترك جنسا : قيل لما تحته من الأنواع إنها واحدة بالجنس : كالإنسان ، والفرس بالنسبة إلى الحيوان ، غير أن ما كان واحدا بالجنس ، فهو كثير بالنوع.

وإن كان الكلى المشترك نوعا : قيل للأعداد الداخلة تحته ، إنها واحدة بالنوع : كزيد ، وعمرو بالنسبة إلى الإنسان.

وإن كان الكلى المشترك عرضا : قيل لما تحته من الأعداد ، إنها واحدة بالعرض. ومن لواحق هذه الأقسام :

المجانسة : وهى الاتحاد فى الجنسية.

والمشاكلة : وهى الاتحاد فى النوعية.

والمشابهة : وهى الاتحاد فى الكيفية.

__________________

(١) فى ب (قابلا).

(٢) فى ب (أو لا).

(٣) فى ب (الواحد).

٩٠

والمساواة : وهى الاتحاد فى الكمية.

والموازاة : وهى الاتحاد فى الوضع.

وعلى هذا : فما كان واحدا بالعدد ، فقد اتفق أن يكون واحدا ، بمعنى عدم النظير والشبيه على ما تقدم ، والبارى ـ تعالى ـ واحد بكلا الاعتبارين : أما أنه واحد بالعدد : فعلى ما تقدم.

وأما أنه واحد بالاعتبار الثانى : فعلى ما سيأتى فى الفصل الثانى.

فإن قيل : فما يقال له واحد ، هل هو واحد لمعنى ، أو لنفسه؟

قلنا : قد نقل عن بعض المتكلمين أنه واحد (١) لمعنى (١) ، والّذي ذهب إليه أئمتنا أن الواحد واحد لنفسه لا لمعنى ، وإلا كان ذلك المعنى أيضا واحدا ، ويلزم أن يكون واحد المعنى ؛ وهو تسلسل ممتنع.

ثم (٢) من صار إلى كون (٢) الواحد واحدا ، لا لمعنى ، فقد اختلفوا :

فذهب أبو هاشم : الى أن معنى الواحد يرجع إلى صفة نفى ، وأن حاصله يرجع إلى نفى ما عدا الموجود الفرد.

وذهب القاضى أبو بكر : إلى أن حاصله يرجع إلى صفة إثبات ، هى صفة نفس غير معللة. ولعل الأشبه ما ذكره القاضى ، وذلك لأنا إذا قلنا : إن معنى الواحد إنما هو سلب ما زاد على الموجود الفرد ؛ فهو عبارة عن سلب الكثرة ؛ فالواحد يكون عبارة عن سلب الكثرة ؛ فيكون معناه عدما ، والكثرة إنما هى مركبة من الآحاد. فإذا كان معنى كل واحد من الآحاد عدما ، فالكثرة المركبة من الآحاد تكون عدما. وإذا كانت الكثرة عدما ؛ فسلبها يكون وجودا ، وسلبها هو مفهوم الواحد ؛ فيكون مفهوم الواحد وجودا ، ويلزم من ذلك أن / لا تكون الكثرة عدما ؛ بل وجودا ؛ لتركبها من الوجودات ؛ فالقول بأن مفهوم الواحد عدم ما عدا الموجود الفرد ؛ يجر إلى كون الكثرة وجودا وعدما معا ؛ وهو محال.

وهو من دقيق الكلام : فليفهم.

هذا ما يتعلق بتحقيق معنى الواحد.

__________________

(١) فى ب (بمعنى).

(٢) فى ب (ثم إن صار الى أن).

٩١

وأما التوحيد :

فقد يطلق بالاشتراك على التفريق بين شيئين (١) بعد سابقة اتصالهما.

وقد يطلق على الإتيان بالفعل (٢) الواحد منفردا.

وقد يطلق ويراد به اعتقاد الوحدانية لله ـ تعالى ـ وهذا هو المقصود من إطلاق لفظ التوحيد فى عرف المتكلمين.

وربما أطلق على الإخبار عن التوحيد ، وإن جهل اعتقاد المخبر به.

__________________

(١) فى ب (الشيئين).

(٢) فى ب (بفعل).

٩٢

«الفصل الثانى (١)»

فى امتناع وجود إلهين لكل واحد منهما من صفات

الإلهية ما للآخر (٢)

وقد احتج النافون للشركة بمسالك ضعيفة.

المسلك الأول (٣) :

وهو ما ذكره الفلاسفة ؛ وذلك أنهم قالوا : لو قدر وجود واجبين كل واحد منهما واجب لذاته. فلا يخلو : إما أن يقال باتفاقهما من كل وجه ، أو باختلافهما من كل وجه ، أو باتفاقهما من وجه ، دون وجه.

فإن كان الأول : فلا تعدد فى مسمى واجب الوجود ؛ إذ التعدد ، والتّغاير دون مميز ؛ محال.

وإن كان الثانى : فما اشتركا فى وجوب الوجود.

وإن كان الثالث : فما به الاشتراك غير ما به الافتراق ، وما به الاشتراك ، إن لم يكن

__________________

(١) نقل ابن تيمية فى كتابه (درء التعارض ٤ / ٢٤٨ ـ ٢٥١) من أول قول الآمدي «الفصل الثانى : الى قوله : فلم قلتم بكونه أمرا وجوديا» ثم انتقل الى قوله : «وعلى هذا بطل الى قوله : مع تعدده» ثم علق على النقلين وناقشهما بالتفصيل ص ٢٥١ وما بعدها.

(٢) من كتب أهل الحق الأشاعرة التى توضح وجهة نظرهم وردهم على خصومهم :

انظر اللمع للأشعرى ص ٢٠ ، ٢١ والتمهيد للباقلانى ص ٤٦ ، ١٥١ ، ١٥٢ والإنصاف له أيضا ص ٢٢ وأصول الدين للبغدادى ص ٨٣ ـ ٨٦ والإرشاد لإمام الحرمين ص ٥٢ ـ ٦٠ والشامل فى أصول الدين له ص ٣٤٥ ـ ٤٠١ ولمع الادلة له أيضا ص ٨٦ ، ٨٧ والاقتصاد فى الاعتقاد للغزالى ص ٣٦ ـ ٣٨ والمقصد الأسنى له ص ١٢٦ طبع الجندى والمضنون به على غير أهله ص ١٣٣ ضمن مجموعة القصور العوالى ، الجزء الثانى ، نشر مكتبة الجندى وإلجام العوام ص ١١٧ له أيضا ضمن مجموعة القصور العوالى ـ الجزء الثانى ـ ونهاية الأقدام للشهرستانى ص ٩٠ ـ ١٠٢. والمحصل للرازى ص ١٤٠.

ومن كتب الآمدي غاية المرام ص ١٥١ ـ ١٥٥.

ومن كتب المتأخرين المتأثرين بالآمدي : انظر طوالع الأنوار ص ١٦٣ ـ ١٦٦ وشرح المواقف ٢ / ٣٤٤ ، ٣٤٥ وشرح المقاصد ٢ / ٤٥ ـ ٤٨. ومن كتب السلفيين التى توضح وجهة نظرهم فى هذه المسألة : انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لابن تيمية ١ / ١٣٤ ـ ١٣٨ واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٣٢ وما بعدها وشرح الطحاوية ص ٢٠ ـ ٢٨ لابن أبى العز الحنفى.

(٣) لتوضيح رأى الفلاسفة : انظر كتاب الكندى إلى المعتصم بالله فى الفلسفة الأولى ص ٩٠ ـ ٩٢ ، ١٢٢ ـ ١٤٣ وعيون المسائل للفارابى ص ٥ وما بعدها. والإشارات لابن سينا ٣ / ٥٢ ـ ٧٤ والنجاة له أيضا ص ٢٤٩ ـ ٢٥١ ومناهج الأدلة لابن رشد ص ٤٩ ـ ٥٣.

٩٣

هو وجوب الوجود ؛ فليسا بواجبين ؛ بل أحدهما دون الآخر. وإن كان الاشتراك بوجوب الوجود ؛ فهو ممتنع لوجهين :

الأول : هو أن ما به الاشتراك من وجوب الوجود : إما أن يتم تحققه فى كل واحد من الواجبين بدون ما به الافتراق ، أو لا يتم دونه.

فإن كان الأول : فهو محال. وإلا كان المعنى المطلق (١) المشترك متحقق (١) فى الأعيان [من] (٢) غير مخصص ؛ وهو محال.

وإن كان الثانى : كان وجوب الوجود ممكنا ؛ لافتقاره فى تحققه إلى غيره ، فالموصوف به ـ وهو ما قيل بوجوب وجوده به ـ أولى أن يكون ممكنا.

الوجه الثانى : هو أن مسمى واجب الوجود إذا كان مركبا من أمرين : وهو وجوب الوجود المشترك ، وما به الافتراق ؛ فيكون مفتقرا فى وجوده إلى كل واحد من مفرديه ، وكل واحد من المفردين مغاير للجملة المركبة منهما ، ولهذا يتصور تعقل كل واحد من الأفراد مع الجهل بالمركب منها والمعلوم / غير المجهول. وكل ما كان مفتقرا إلى غيره فى وجوده كان ممكنا ، لا واجبا لذاته ؛ إذ لا معنى لواجب الوجود لذاته ، إلا (٣) ما لا يفتقر (٣) ، فى وجوده إلى غيره.

وهذه المحالات إنما لزمت من القول بتعدد واجب الوجود لذاته ؛ فيكون محالا.

وربما استروح بعض الأصحاب فى إثبات الوحدانية إلى هذا المسلك أيضا.

وهو ضعيف إذ لقائل أن يقول :

وإن سلمنا الاتفاق بينهما من وجه ، والافتراق من وجه ، وأن ما به الاتفاق هو وجوب الوجود ، ولكن لم قلتم بالامتناع؟ وما ذكرتموه فى الوجه الأول ـ إنما يلزم أن لو كان مسمى وجوب الوجود معنى وجوديا. وأما بتقدير أن يكون أمرا سلبيا ، ومعنى عدميا ، وهو عدم افتقار الوجود إلى علة خارجة فلا. فلم قلتم بكونه أمرا وجوديا (٤)؟

__________________

(١) فى ب (مشتركا متحققا).

(٢) ساقط من أ.

(٣) فى ب (إلا ما يفتقر).

(٤) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٢٤٨ ـ ٢٥١).

٩٤

فلئن قلتم : الدليل على كونه وجوديا من ثلاثة أوجه :

الأول : أن وجوب الوجود تأكد الوجود ، والوجود لا يكون متأكدا بالعدم.

الثانى : هو أن نقيض الوجوب لا وجوب ، ولا وجوب عدم ؛ فالوجوب وجود ؛ ضرورة أن أحد النقيضين لا بد وأن يكون وجودا.

وبيان أن لا وجوب عدم ، صحة اتصاف العدم الممكن به ، ولو كان وجودا ؛ لما كان صفة للعدم المحض.

الثالث : هو أنه لو كان وجوب الوجود عدما فى الخارج ، لم يكن الشيء فى الخارج موصوفا بكونه واجبا ؛ وذلك يقتضي نفى واجب الوجود فى الخارج ؛ وهو محال.

فنقول : لا نسلم أن الوجوب تأكد الوجود ؛ بل [هو] (١) عبارة عن عدم افتقار الوجود إلى علة خارجة.

وقولكم (٢) : لا وجوب صفة العدم.

قلنا : فالوجوب أيضا صفة للعدم الممتنع ؛ فإنه يصدق عليه واجب العدم ؛ فاتصاف العدم بلا وجوب ، وإن دل على كونه عدميا ؛ فاتصاف العدم بالوجوب ، يدل على أن الوجوب عدمى.

وما ذكرتموه فى الوجه الثالث ؛ فبعيد عن التحقيق ؛ فإنه إذا كان الوجوب عدما : وهو عدم الافتقار إلى العلة ، فلا يمنع ذلك من وجود واجب فى الخارج : وهو وجود شيء فى الخارج متصف بصفة سلب ، وهو أنه لا يفتقر فى وجوده إلى علة.

ثم بيان كون الوجوب عدما هو أنه لو كان وجوب الوجود صفة وجودية : فإما أن تكون هى نفس ذات واجب الوجود ، أو داخلة فيها ، أو خارجة عنها.

فإن كان الأول : فهو محال ؛ لأن الذات / الموصوفة بالوجود : قد تكون معلومة ، واتصافها بالوجوب مجهول ، والمجهول غير المعلوم ؛ وبهذا يبطل القسم الثانى.

كيف : وأنه يلزم منه أن تكون ذات واجب الوجود مركبة ، وقد قلتم بإحالته.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) فى ب (وقوله).

٩٥

وإن كان الثالث : فهو ممتنع لوجهين : استدلالا ، وإلزاما.

أما الاستدلال : فهو أن وجوب الوجود : إما أن يكون واجبا ، أو ممكنا. لا جائز أن يقال بالأول : وإلا لما كانت صفة مفتقرة إلى الذات.

وإن كان الثانى : فما وصف به. وقيل إنه واجب الوجود باعتباره أولى أن يكون ممكنا.

وأما الإلزام :

فهو أن مذهب الفلاسفة ، أنه لا صفة وجودية تزيد على ذات الرب ـ تعالى ـ ولو كان وجوب الوجود صفة وجودية زائدة على ذات الرب ـ تعالى ـ ؛ لكان مناقضا لمذهبهم.

وربما قيل فى بيان كونه وجوديا وجوها أخر باطلة ، آثرنا الإعراض عن ذكرها. وعلى (١) هذا : فقد بطل القول بالوجه الثانى ؛ فإنه إذا كان حاصل الوجوب يرجع إلى صفة سلب ؛ فلا يوجب ذلك التركيب فى ذات واجب الوجود ، وإلا لما وجد بسيط أصلا ، فإنه ما من بسيط إلا ويتصف بسلب غيره عنه. وإن سلمنا أن وجوب الوجود وصف وجودى ، ولكن ما ذكرتموه من لزوم التركيب فهو لازم. وإن كان واجب الوجود واحدا من حيث أن مسمى واجب الوجود مركب من الذات المتصفة بالوجوب ، ومن الوجوب الذاتى. فما هو العذر عنه مع اتحاد واجب الوجود ؛ فهو العذر مع تعدده (٢).

وربما قيل عليه أسئلة أخرى لم نذكرها ؛ لضعفها ، وسهولة التقصى عنها.

المسلك الثانى :

وهو ما ذهب إليه الأستاذ أبو بكر ، وجماعة من المعتزلة ، وهو أن قالوا : الطريق إلى معرفة وجود الإله ـ تعالى ـ ليس إلا وجود الحادثات ؛ لضرورة افتقارها إلى مرجع تنتهى إليه ، وهى لا تدل على أكثر من واحد.

__________________

(١) نقل ابن تيمية فى كتابه (درء التعارض ٤ / ٢٥١) من أول قول الآمدي «وعلى هذا. إلى قوله فهو العذر مع تعدده» بعد النقل السابق مباشرة ثم علق على النقلين وناقشهما فى ص ٢٥١ وما بعدها بالتفصيل.

(٢) انظر المغنى للقاضى عبد الجبار ٤ / ٣٢٤ وما بعدها ، ونهاية الأقدام للشهرستانى ص ٩٦ وما بعدها.

٩٦

وهو ضعيف أيضا ؛ لأن حاصله يرجع إلى الحكم بنفى المدلول ، لانتفاء دليله ؛ وهو باطل على ما سبق فى تحقيق الدليل (١).

المسلك الثالث :

مسلك التمانع ، وعليه اعتماد أكثر أئمتنا (٢) ، وهو أن يقال : لو قدرنا وجود إلهين متصفين بصفات الإلهية من العلم ، والقدرة ، والإرادة ، ونحو ذلك مما سبق بيانه. وقدرنا أن أحدهما أراد تحريك جوهر فى وقت معين ، والآخر أراد تسكينه / فى ذلك الوقت : فإما أن يحصل مرادهما معا ، أو لا يحصل [(٣) مرادهما معا. أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر] (٣).

فإن كان الأول : لزم حصول مراديهما ، ويلزم من ذلك ، اجتماع الحركة والسكون معا ؛ وهو محال.

وإن كان الثانى : فهو ممتنع لوجهين :

الأول : أنه يلزم منه أن يكون كل واحد منهما عاجزا ، والعاجز لا يكون إلها.

الثانى : أنه يلزم منه أن يكون كل واحد منهما عاجزا بعجز : إما قديم ، أو حادث ، وكل واحد من الأمرين ممتنع ؛ كما تقدم فى بيان كون الإله ليس بعاجز (٤).

وإن كان الثالث : وهو حصول مراد أحدهما دون الآخر ؛ فممتنع للوجهين المذكورين فى القسم الّذي قبله.

وهذه المحالات ، إنما لزمت من القول بتعدد الآلهة ؛ فيكون محالا.

وفيه نظر إذ لقائل أن يقول : ما ذكرتموه من الأقسام المحالة ، إنما هو فرع تصور إختلاف الإلهين فى الإرادة ؛ وهو غير مسلم.

__________________

(١) انظر ل ٣٨ / ب.

(٢) منهم الأشعرى فى اللمع ص ٢٠ ، ٢١ والباقلانى فى التمهيد ص ٤٦ ، ١٥١ ، ١٥٢ والبغدادى فى أصول الدين ص ٧٥ ، ٨٥ والجوينى فى الإرشاد ص ٣٥ والرازى فى المحصل ص ١٤٠.

(٣) فى أ (ولا مراد أحدهما أو مراد أحدهما دون الآخر).

(٤) انظر ل ١٦٤ / ب وما بعدها.

٩٧

فلئن قلتم : دليل تصور ذلك من خمسة أوجه :

الأول : هو أنا لو قدرنا انفراد كل واحد صح تعلق إرادته (١) بالحركة ، أو السكون (١) ؛ فلو امتنع ذلك حالة الاجتماع ؛ لانقلب الجائز مستحيلا ؛ وهو ممتنع.

الثانى : هو أن صحة إرادة كل واحد منهما بالحركة ، أو السكون حالة الانفراد أزلية ؛ فوجب القول ببقاء هذه الصحة حالة الاجتماع ؛ لأن الأزلى لا يزول.

الثالث : هو أن زوال الصحتين حالة الاجتماع إنما يتصور أن لو تنافيا ، وإذا تنافيا ؛ فلا بد وأن تزول كل واحدة من الصحتين بالأخرى ؛ وذلك محال ؛ لأن المؤثر فى عدم كل واحدة من الصحتين إنما هو وجود الأخرى لا عدمها ، ووجود العلة واجب عند حصول المعلول ، فلو عدمت الصحتان معا ؛ لحصلتا معا ؛ وهو محال.

وهذا المحال إنما لزم من زوال الصحتين حالة الاجتماع ؛ فكان محالا.

الرابع : هو أن صحة تعلق إرادة كل واحد منهما بالحركة ، أو السكون حالة الانفراد ثابتة لنفس الإرادة وذاتها ، فلو امتنع ذلك حالة الاجتماع ؛ لزم منه قلب الحقيقة وإثبات نفس الإرادة مع انتفاء صفة نفسها ؛ وهو محال.

الخامس : هو أنه لو امتنع حالة الاجتماع ما كان جائزا حالة الانفراد من صحة تعلق إرادة كل واحد منهما بالحركة ، أو السكون لم يخل : إما أن يكون ذلك لنفس إرادة المريد ، أو لنفس ذاته ، أو لصفة أخرى من صفاته ، وإما لذات القديم الآخر ، أو لإرادته ، / أو لصفة من صفاته.

لا جائز أن يقال بامتناع تعلق إرادة أحدهما بالحركة ، أو السكون لذاته ، ولا لنفس إرادته ، ولا لصفة من صفاته ؛ وإلا لما تصور أن يكون تعلقها بذلك حالة الانفراد ؛ لتحقق المانع.

ولا جائز أن يقال : بأن الامتناع لذات القديم الآخر ، ولا لإرادته ، ولا لصفة من صفاته. فإن (٢) ثبوت حكم للذات (٣) لا يكون إلا بما هو مختص بالذات اختصاص (٤) قيامه بها لا بما هو خارج عنها.

__________________

(١) فى ب (الإرادة بالحركة والسكون).

(٢) فى ب (لأن).

(٣) فى ب (الذات).

(٤) فى ب (باختصاص).

٩٨

ولهذا فإنه لا يصح أن تكون الذات عالمة بعلم قائم بغيرها ؛ بل بها.

فلقائل (١) أن يقول (١) : ما ذكرتموه مندفع :

أما الوجه الأول : فلأنا لا نسلم أن ما أحلناه حالة الاجتماع هو ما كان جائزا فى نفسه ؛ فإن ما كان جائزا : إنما هو التعلق حالة الانفراد مشروطا بحالة الانفراد ، ولم يزل جائزا على هذا الوجه ، والمحال حالة الاجتماع لم يزل محالا مشروطا بحالة الاجتماع ، فلا الجائز انقلب محالا ، ولا المحال انقلب جائزا ؛ ولهذا فإنا لو قدرنا انفراد أحدهما صح منه إرادة حركة الجوهر بدلا عن إرادة سكونه ، وكذلك بالعكس.

ومع هذا فقد أجمعنا على استحالة تعلق إرادته بالحركة ، والسكون معا ، ولو لم يكن للإحالة لما كان جائزا ؛ فكذلك ما نحن فيه.

وأما الوجه الثانى : فعنه جوابان :

الأول : لا نسلم امتناع زوال كل أزلى إلا أن يكون وجوديا ، ولهذا فإن عدم العالم قبل وجوده أزلى ، ويزول بحدوث العالم ، فلم قلتم بأن صحة التعلق وجودية؟ وبيان أنها غير وجودية أن معنى الصحة يرجع إلى الإمكان ، والإمكان عدمى ، على ما سبق فى مسألة الرؤية.

الثانى : وإن سلمنا أن صحة التعلق وجودية أزلية ؛ ولكن لا نسلم أن ما كان جائزا زائل ؛ إذ الجائز إنما هو صحة التعلق مشروطا بحالة الانفراد ؛ وهو غير زائل على ما تقدم.

وأما الوجه الثالث : فهو (٢) منقوض (٢) بامتناع صحة تعلق إرادة الإله المنفرد بالحركة ، والسكون معا ، وإن كان تعلق إرادته بكل واحد منهما على البدل جائزا. وبه (٣) يندفع ما ذكرتموه من الوجه الرابع ، والخامس (٣).

وعلى هذا فموقع السؤال المذكور صعب جدا. وعسى أن يكون عند غيرى جوابه.

وقد ترد (٤) أسئلة أخر (٤). يقرب الانفصال عنها ، وهى أن يقال فى تقرير منع الاختلاف بينهما فى الإرادة. هو (٥) أن (٥) ما يريده الإله : إما أن يكون أولى من عدم إرادته ، أو أن عدم الإرادة أولى ، أو أنه لا أولوية لأحدهما.

__________________

(١) فى ب (فنقول).

(٢) فى ب (فمنقوض).

(٣) فى ب (وبهذا يندفع ما ذكروه من الوجه الخامس والرابع).

(٤) فى ب (ترد عليه أسئلة أخرى).

(٥) فى ب (أو لأنه).

٩٩

فإن كان عدم الإرادة أولى / من الإرادة ، فالإرادة تكون ممتنعة ، وإلا كانت الإرادة عبثا. وإن كان لا أولوية ؛ فليست الإرادة أولى من عدمها ، وإلا كان ترجيح أحد المتساويين من غير مرجح ؛ وهو محال. فلم يبق إلا أن تكون الإرادة لما هو الأولى. والأولى من كل شيء ، لا يكون إلا فى أحد طرفيه ؛ فتعين تعلق إرادتهما به.

سلمنا عدم اشتراط الأولى ؛ ولكن كل واحد من الإلهين. لا بد وأن يكون عالما بعواقب الأمور ، وما يقع وما لا يقع ، والمعلوم الواقع من كل شيء ليس إلا أحد طرفيه ، وتعلق الإرادة بخلاف المعلوم محال ؛ فكان متعلق الإرادة واحدا.

سلمنا جواز فرض اختلاف إرادتيهما ؛ ولكن ما ذكرتموه من المحالات ، إنما يلزم من وقوع الاختلاف ، لا من جواز الاختلاف ، فلم قلتم بوقوع الاختلاف؟

سلمنا لزوم المحال من جواز فرض الاختلاف ؛ ولكنه منتقض بتعلق القدرة بالمقدور ؛ وذلك أنه لو انفرد أحدهما ، كان قادرا على إيجاد الحركة ، ولو انفرد الآخر كان قادرا على السكون ، ولو اجتمعا تعذر على كل واحد منهما ما كان قادرا عليه حالة الانفراد.

والجواب :

أما السؤال الأول : فإنما يلزم أن لو لزم رعاية الغرض ، والمقصود فى أفعال الله ـ تعالى ـ وهو ممتنع على ما سيأتى (١).

وأما (٢) الثانى : فإنما يلزم أيضا (٢) أن لو كان تعلق العلم بالواقع مجردا عن كونه مرادا حتى تكون الإرادة تابعة للعلم ؛ وهو ممنوع ؛ بل تعلق العلم بالواقع إنما يكون مشروطا بكونه مرادا.

وعلى هذا فيكون تعلق العلم بالواقع تبعا للإرادة ، لا أن الإرادة تكون تابعة للعلم.

وأما الثالث : فمندفع ، فإنه إذا سلم جواز الاختلاف ؛ فالجائز ما لا يلزم من فرض وقوعه المحال ، والمحال لازم من فرض الوقوع ؛ فالقول بفرض وجود إلهين على وجه يلزمه (٣) فرض المحال ، يوجب كونه محالا.

__________________

(١) انظر ل ١٨٦ / أوما بعدها.

(٢) فى ب (والسؤال الثانى فإنما).

(٣) فى ب (يلزم من ذلك).

١٠٠