🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
🚘 نسخة غير مصححة

الرابع : هو أن ما ذكروه يرجع حاصله إلى أن حكمة خلق السموات والأرض وما بينهما ، وإظهار الدلائل ، والآيات ، وإيجاب الطاعات ، وتصريف الخلائق ، بين المأمورات ، والمنهيات ، إلى (١) لذة (١) يجدها بعض المخلوقين ، فى مقابلة طاعته ، وتعبه فى النظر ، والاستدلال ، يزيد على اللذة التى يجدها من ابتداء التفضل ، والإنعام من الله ـ تعالى ـ الّذي لا سبيل إلى الخروج عن مننه مع أن الله ـ تعالى ـ قادر على أن يخلق له أضعاف (٢) تلك اللذة فى التفضل الابتدائى ، من غير تعب ، ولا نصب ؛ وذلك مما (٣) لا يتفوه به عاقل (٣) ، ولا يستحسنه أحد.

قولهم : إن إماتة الأنبياء أنفع لهم ، أو لغيرهم كما ذكروه ؛ فحاصله يرجع إلى امتناع وقوع خلاف المعلوم وقد سبق جوابه ، وإلا فلو قطع النظر عن تعلق العلم بوجود الإضرار الملازم لبقائهم ، لقد كان قادرا / على دفعه عنهم وعن غيرهم دون إماتتهم ، وتفويت (٤) المنفعة الحاصلة بهدايتهم ، وإرشاد الخلق ، إلى نجاتهم.

وما ذكروه من الغرض فى إنظار إبليس من زيادة الامتحان به ؛ لنيل الثواب الجزيل عليه ؛ لا يصح لوجهين (٥).

الأول : أنه لو كان الغرض منه ذلك ؛ لكان حاصلا من كل وجه حتى لا يكون الرب تعالى ـ عاجزا عن تحصيل غرضه بإنظاره (٦) لإبليس (٦)

ونحن إذا أنصفنا ، وجدنا متبعيه أكثر من مخالفيه ؛ فكان الإضرار بإنظاره (٧) أكثر من النفع الحاصل له (٨) ، وذلك قبيح على أصلهم ؛ فلا يصلح أن يكون غرضا.

الثانى : أنّ المقصود منه إذا كان هو زيادة الثواب الحاصل من الامتحان به فالرب ـ تعالى ـ قادر على تحصيل ذلك (٩) للعباد ، دون هذه الواسطة التى الغالب منها ، الإضرار ؛ لا النفع ، وتمام تقريره ما سبق فى التكاليف.

__________________

(١) فى ب (للذة).

(٢) فى ب (أفعال).

(٣) فى ب (مما يتفوه).

(٤) فى ب (وفوة).

(٥) فى ب (من وجهين).

(٦) فى ب (بانظار ابليس).

(٧) فى ب (بالانظار).

(٨) فى ب (به).

(٩) فى ب (هذا).

١٦١

وإذا ثبت امتناع رعاية الغرض فى أفعال الله ـ تعالى ـ ؛ فقد بطل القول ، بوجوب رعاية الصلاح ، والأصلح.

ويدل على امتناع ذلك أيضا : أنه لو وجب على الله ـ تعالى ـ رعاية الصلاح ، أو (١) الأصلح (١) ؛ للزم أن تكون القربات ، من النوافل بالنسبة إلى أفعالنا واجبة ؛ لما فيها من صلاحنا ؛ إذ الرب ـ تعالى ـ قد أمر بها ، وندب إليها ، وهو فلا يأمر ، ويندب إلا بما هو صالح ، أو أصلح ؛ فإذا كان فعل الصالح ، أو الأصلح عليه واجبا ؛ كان واجبا بالنسبة إلينا ؛ ضرورة عدم الفرق بين الغائب ، والشاهد.

كيف وأن أصل الخصم فى ذلك : إنما هو قياس الغائب ، على الشاهد ؛ فيمتنع القول بالواجب فى الفرع ، مع امتناعه فى الأصل.

فإن قيل : لا يلزم من وجوب رعاية الصلاح ، والأصلح على الله ـ تعالى ـ وجوب النوافل بالنسبة إلينا ؛ لكونها صالحة ؛ فإن وجوب رعاية ذلك فى حقنا مما يوجب الكد ، والجهد ، وهو إضرار فى حقنا بخلاف البارى ـ تعالى ـ فإنه قادر على نفع الغير ، وصلاحه ، من غير أن يلحقه ضرر ، وجهد ، ولا كدر وتعب ؛ فافترقا. وليس القول بوجوب رعاية الصلاح ، أو الأصلح على الله ـ تعالى ـ مستندا إلى قياس الغائب على الشاهد ؛ ليلزم ما ذكرتموه ؛ بل هو مستند إلى ما ذكرناه من امتناع صدور العبث عن الحكيم فى فعله ، وصنعه.

قلنا : أما ما ذكروه من الفرق ؛ فهو يرجع على قاعدتهم ، فى وجوب الطاعة والشكر على العبيد / فى مقابلة نعم الله ـ تعالى ـ عليهم بالإبطال ، وإن نظر إلى ما يستحقه من الثواب فى مقابلته ؛ فهو باطل ؛ بما أسلفناه. ومع بطلانه ؛ فيلزم القول بمثله فى محل النزاع.

وما قيل : من أن مستند الوجوب فى حق الله ـ تعالى ـ إنما هو نفى العبث ، والقبح عن الله ـ تعالى ـ ؛ فقد سبق جوابه.

وأما ما يخص إبطال القول بوجوب رعاية الأصلح ؛ فمسلكان :

__________________

(١) فى ب (والأصلح).

١٦٢

الأول : هو مقدورات الله ـ تعالى ـ فى الأصلح غير متناهية. فما من أصلح ، إلا وفوقه ما هو أصلح منه ، إلى غير النهاية ، ووجوب رعاية ما لا يمكن الوقوف فيه على حد ، ونهاية ؛ ممتنع.

فإن قيل : إنما تمتنع رعاية الأصلح : أن لو لم يكن ما قيل بوجوب رعايته مقدورا مضبوطا ، وقد أمكن ضبط ذلك ، وتقديره لما يعلم الله ـ تعالى ـ أن الزيادة عليه مما توجب للعبد العتو ، والطغيان ، ولا محالة أن رعاية ذلك غير ممتنع.

قلنا : عنه جوابان :

الأول : هو أنه : ما من أمر يقدر طغيان الإنسان عنده ، إلا والرب تعالى قادر على عصمته عنه.

وعند ذلك : فاعتبار ما هو الأصلح ، من (١) الأصلح (١) الأول ، أولى.

الثانى : هو أن ما ذكروه ينقض قاعدتهم فى وجوب تكليف العبد ، رعاية لمصلحة العبد ، مع العلم بأنه سيكفر ، ويفجر ، فإن امتنع رعاية الأصلح نفيا للطغيان ؛ فليمتنع التكليف ، رعاية لدفع الفجور ، والكفران.

المسلك الثانى :

أن العالم (٢) فيه كفر ، وإيمان ، وخير ، وظلم ، وإحسان ، وعدل ، وجور إلى غير ذلك من المتقابلات التى أحد المتقابلين فيها حسن ، والآخر قبيح لذاته على أصلهم ؛ وكل واحد منهما مقدور لله ـ تعالى ـ ، وموجود بإيجاده على ما سنبينه.

وعند ذلك : إما أن يكون وجود ما قيل بحسنه ، أصلح من وجود ما قيل بقبحه ، أو وجود ما قيل بقبحه أصلح مما قيل (٣) بحسنه ، أو أن كل واحد منهما أصلح من الآخر ، أو لا واحد منهما أصلح من الآخر.

فإن كان الأول : فيلزم منه أن لا يوجد القبيح ؛ إذ الأصلح مقابله.

__________________

(١) ساقط من ب.

(٢) فى ب (العلم).

(٣) فى ب (من وجود ما).

١٦٣

وإن كان الثانى : فمحال أن يكون القبيح أصلح من الحسن ، ومع إحالته ؛ فيلزم منه أن لا يوجد الحسن ؛ إذ الأصلح مقابله.

وإن كان الثالث : فهو محال (١) أيضا ظاهر (١) الإحالة.

وإن كان الرابع : فهو أيضا محال ؛ لما فيه من القول بأن الحسن ليس أصلح من القبح.

وهذه المحالات إنما لزمت من القول بوجوب رعاية الأصلح ؛ فيكون ممتنعا.

وإذا / ثبت امتناع اعتبار الغرض فى أفعال الله ـ تعالى ـ وامتناع وجوب رعاية الصلاح ، والأصلح ؛ لزم بطلان ما بنى (٢) عليه من وجوب الثواب على الطاعات ، والعقاب على المعاصى ، والتكليف ، والتّمكين مما كلف به العبد. إلى غير ذلك مما عددناه.

وأما وجه الاحتجاج على امتناع وجوب شيء على الله ـ تعالى ـ مطلقا بجهة العموم.

فهو أن الواجب قد يطلق بمعنى الثابت اللازم : ومنه يقال : وجب الحق : أى ثبت ولزم.

وقد يطلق : على ما يلزم من فرض عدمه المحال.

وقد يطلق : على ما هو متعلق الأمر اللازم.

وقد يطلق : على ما يلحق بتركه ضرر من ذم ، أو غيره.

وقد يطلق : بمعنى السّاقط : ومنه يقال : وجبت الشمس إذا سقطت.

وعند ذلك : فإما أن يراد بالواجب على الله ـ تعالى ـ أحد هذه المحامل ، أو غيرها.

فإن أريد به أحد هذه المحامل ؛ فهو ممتنع.

أما الاعتبار الأول : وهو (٣) الثابت اللازم (٣) ؛ فلأن الخصوم متفقون على وجوب التمكين مما كلف به العبد مع أنه غير لازم ؛ لاتفاقهم ، واتفاق الأمة على التكليف

__________________

(١) فى ب (أظهر فى).

(٢) فى ب (ما ينبى).

(٣) من أول (وهو الثابت ...) ساقط من ب.

١٦٤

[بالإيمان] (١) لمن علم الله أنه لا يؤمن : كأبي جهل ، وغيره ؛ وهو غير ممكن منه ؛ لعلم الله ـ تعالى ـ أن (٢) ذلك غير واقع منه (٢) ؛ ووقوع خلاف المعلوم ؛ محال. وإلا كان علم البارى ـ تعالى ـ جهلا ؛ وهو ممتنع. على ما سبق فى الصفات.

وبهذا يبطل الوجوب بالاعتبار الثانى أيضا.

وأما الاعتبار الثالث : فهو أيضا ممتنع ؛ لاستحالة كون الرب ـ تعالى ـ مأمورا ، ومنهيا بالاتفاق.

والرابع أيضا ممتنع : لأنّ الرب يتعالى ، ويتقدس عن الإضرار ، والانتفاع ، والذم على فعل (٣) شيء ، أو تركه (٣).

والخامس ؛ فغير مراد بالاتفاق.

وإن أريد غير هذه المحامل ؛ فلا بد من تصويره لنتكلم عليه.

فإن قيل : لا نسلم الحصر فى الأقسام المذكورة. وذلك أنا نعنى بكون الفعل واجبا : أنه حسن ، وأن تركه قبيح ؛ وهو خارج عما ذكرتموه.

وإن سلمنا الحصر فيما ذكرتموه من الأقسام ؛ ولكن لا نسلم امتناع تفسيره بما يلزم المحال من فرض عدمه ، لا لذاته ؛ بل لغيره. فمعنى وجوب رعاية الصلاح فى فعله أنه يلزم من فرض عدمه العبث فى حق الله ـ تعالى ـ والعبث قبيح ، والبارى ـ تعالى ـ عالم بقبح القبيح ، وعالم باستغنائه عنه ؛ فيكون فعله عليه ممتنعا ؛ ولو فعله كان (٤) جاهلا ، أو مفتقرا إليه ؛ وهو على الله ـ تعالى ـ محال.

ومعنى / كون الثواب على إيلام البهائم واجب أنه يلزم من عدمه الظلم فى حق الله ـ تعالى ـ ؛ والظلم على (٥) الله (٥) محال. على ما سيأتى تفصيل القول فيه (٦).

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) فى ب (أنه غير واقع).

(٣) فى ب (فعله أو تركه له).

(٤) فى ب (لكان).

(٥) فى ب (عليه تعالى).

(٦) من أول (تفصيل القول ...) ساقط من ب انظر ل ١٩٢ / ب.

١٦٥

وأما قضية (١) أبى جهل : فلا احتجاج بها ؛ إذ الإيمان منه ممكن ، وهو ممكن منه ؛ لكونه مقدورا له. وهذا هو القدر الّذي يوجبه من التمكين ؛ وهو واقع (٢).

والجواب :

أما السؤال الأول : فمبنى على التحسين ، والتقبيح ؛ وقد أبطلناه.

وأما الثانى : فمندفع.

أما قولهم : أنه يلزم منه العبث ؛ فقد أجبنا عليه.

وقولهم : يلزم منه الظلم ، فإنما يتصور أن لو كان قابلا لاتصافه بالظلم ، وليس كذلك ؛ فإن الظلم : إنما يتصور فى حق من تصرفه فى ملك غيره من غير حق ، أو بمخالفة من المتصرف فيما هو داخل تحت أمره وحكمه ؛ وذلك كله مما لا يمكن تحقيقه فى حق الله ـ تعالى ـ مع أن ذلك أيضا مبنى على أصولهم فى التحسين ، والتقبيح ؛ وقد أبطلناه.

ثم يلزم على ما ذكروه من التكليف بالإيمان لمن علم الله ـ تعالى ـ أنه لا يؤمن.

قولهم : الإيمان ممكن فى نفسه.

قلنا : الإيمان غير كاف فى التمكين إلا مع الإقدار عليه.

قولهم : أنه مقدور له.

قلنا : لا نسلم أنه قادر عليه قبل الفعل ؛ إذ القدرة عندنا لا تسبق الفعل ؛ على ما سيأتى تعريفه.

ثم وإن سلمنا كونه مقدورا ؛ لكنه لا فرق فى عدم التمكين بين ما كان مستحيلا باعتبار ذاته ، وبين ما كان ممتنعا باعتبار غيره ؛ لاستوائهما فى امتناع الوقوع.

__________________

(١) فى ب (قصة).

(٢) فى ب (واجب).

١٦٦

«المسألة الرابعة»

فى الآلام وأحكامها

مذهب أهل الحق (١) : أن الآلام مقدورة لله ـ تعالى ـ ، وإذا فعلها فهى حسنة ، وسواء كانت مبتدأ بها ، أو بطريق المجازاة ، وسواء تعقبها عوض أو لا. وأن العوض عليه غير واجب على ما سبق ؛ بل إن كان فلا يكون منه إلا بطريق التفضل ، والإنعام ؛ وهو (٢) جائز عقلا فى الدنيا ، والأخرى. وأما الواقع فمستند إلى السمع ؛ فما ورد به كان ، وإلا فلا.

وأما الآلام الصادرة من المخلوقين بعضهم فى حق بعض : فإن كان من صدر عنه الإيلام مكلفا : فمنه ما هو جائز ، ومنه ما هو حرام على حسب ورود الشرع بذلك.

وإن كان من صدر عنه الإيلام غير مكلف ؛ فلا تبعة عليه فى الدنيا والأخرى عقلا ، إلا ما ورد الشرع به بطريق التأديب ، والزجر ، والمتبع فى التعويض على / ذلك من الله ـ تعالى ـ فى الدنيا ، أو الأخرى إنما هو السمع.

وأما المعتزلة (٣) فإنهم قالوا : الإيلام إما أن يكون من الله ـ تعالى أو من المخلوقين.

فإن كان من الله ـ تعالى ـ فقالوا : إنما يحسن بأن يكون مستحقا على جريمة سابقة ، أو لجلب نفع ، أو دفع ضرر ، أو بأن يعوض عنه فى الدار الآخرة بما يزيد على مقدار الألم.

ثم اختلفوا فى الأعواض الواجبة على الله ـ تعالى ـ :

__________________

(١) لتوضيح مذهب أهل الحق فى هذه المسألة :

انظر اللمع للأشعرى ص ١١٦ ، ١١٧ والإبانة له أيضا ص ٥٣.

والإرشاد للجويني ص ٢٧٣ ـ ٢٨٦ والاقتصاد فى الاعتقاد للغزالى ص ٨٣ ونهاية الأقدام للشهرستانى ص ٤١٠ ـ ٤١١.

ومن كتب الآمدي : غاية المرام ص ٢٢٤ ـ ٢٤٥.

ومن كتب المتأخرين : شرح المواقف ٢ / ٣٩٩ ، ٤٠٠ وشرح المقاصد ٢ / ١٢١ ، ١٢٢.

(٢) فى ب (وهو غير).

(٣) عن رأى المعتزلة فى الآلام وأحكامها ، وأحكام العوض وما يتصل به ، والمستحق للعوض والمستحق عليه ، انظر الأصول الخمسة ص ٤٨٣ ـ ٥٠٩.

والمغنى فى أبواب التوحيد والعدل ١٣ / ٢٧ ـ ٧٤ والمحيط بالتكليف ص ٢٢٨ ـ ٢٣٩.

١٦٧

فذهب العلاف ، والجبائى (١) ، وكثير من متقدمى المعتزلة : إلى دوامها ، كدوام الثواب ، ووجوب تأخيرها إلى الدار الآخرة زائدة على قدر ما يستحق من العوض معجلا ، وإلى إحباطها بالكفر والفسق ، كإحباط الثواب ، وإلا (٢) كان (٢) الكافر والفاسق ، مستحقا فى كل وقت فى الآخرة نعيم العوض ، وعقاب الكفر ، والجميع ممتنع.

وذهب أبو هاشم (٣) : إلى خلافهم فى الكل.

ومما اختلف فيه المعتزلة أيضا (٤) : أنه (٤) هل يتصور التفضل من الله تعالى بمثل العوض ابتداء ، أم لا؟ فمن لم يجوز ذلك ، جوّز الآلام لمجرد التعويض : كالجبائى ، وأبى الهذيل ، وقدماء المعتزلة. ومن جوز ذلك لم يجوز الآلام إلا بشرط التعويض واعتبار الغير بتلك الآلام ، وكونها ألطافا فى زجر غاو عن غوايته.

وذهب عباد الضيمرى (٥) : إلى جواز الآلام لمحض الاعتبار من غير تعويض.

وذهب أبو هاشم (٦) : إلى أن الآلام لا تحسن لمجرد التعويض مع القدرة على التفضل بمثل (٧) العوض. إلا إذا علم الله ـ تعالى ـ أنه لا ينفعه إلا بجهة التعويض.

واتفقوا على امتناع الإيلام دون هذه الأمور ؛ لأنه يكون ظلما ، والظلم قبيح لذاته. غير أنهم اختلفوا فى القبيح : هل هو مقدور لله ـ تعالى ـ أم لا؟

فذهب النظام ، والجاحظ ، وغيرهما من قدماء المعتزلة : إلى استحالة كونه مقدورا لله ـ تعالى ـ.

وذهب الجبائى ، وأبو الهذيل ، وكثير من المعتزلة : إلى كونه قادرا عليه ، غير أنه لما كان عالما بقبحه ، وعالما باستغنائه عنه استحال صدوره عنه ؛ لعدم الداعى إليه ، ولو صدر عنه لدلّ على جهله بقبحه ، أو على كونه محتاجا إليه ؛ وذلك على الله ـ تعالى ـ محال.

__________________

(١) انظر الأصول الخمسة ٤٩٤.

(٢) فى ب (وإلا لما كان).

(٣) انظر الأصول الخمسة ص ٤٩٤.

(٤) ساقط من ب.

(٥) انظر الأصول الخمسة ص ٤٨٩ ، ٤٩٠.

(٦) انظر الأصول الخمسة ص ٤٩٢.

(٧) فى ب (بغير).

١٦٨

وأما إن كان الإيلام من المخلوقين بعضهم فى (حق) (١) بعض : فيجب على الله ـ تعالى ـ إنصاف المظلوم من الظالم.

وعند ذلك : فإما أن يكون للظالم عوض عند الله ـ تعالى ـ / أو لا عوض له. فإن كان الأول : فيجب أن يصرف إلى المظلوم ما يستحقه الظالم من الأعواض بقدر إيلامه له.

وإن كان الثانى : فيجب عليه صرفه عن الإيلام ابتداء بوجه من الوجوه ، أو أن يعوضه من عنده.

ثم اختلفوا فى وقت وقوع أعواض البهائم :

فمنهم من قال بذلك فى الدنيا. ومنهم من قال به (٢) فى الأخرى (٢) فى غير الجنة. ومنهم من قال بوقوعه فى الجنة.

وهل يجب عليه تكميل عقولها لتعلم أن عوضها دائم غير منقطع؟ فمختلف فيه أيضا بينهم ؛ لكنهم اتفقوا على أن الأعواض المستحقة على الخلق (٣) غير دائمة.

وأما المجوس (٤) : فمعتقدهم أن الآلام قبيحة لذاتها ، ولا تحسن بوجه من الوجوه ، غير أنها صادرة عن الظلمة ، دون النور.

وأما التناسخية (٥) : فلم يجوزوا صدور الآلام من الله ـ تعالى ـ ابتداء بوجه من الوجوه إلا بطريق المجازاة على ما سبق من اقتراف الجرائم ، ويتحقق ذلك فى البهائم ؛ بأن تكون أرواحهم قبل انتقالها إلى أبدان البهائم فى أبدان أشرف من أبدان البهائم ، وقد اقترفت الجرائم ؛ فنقلت إلى أبدان البهائم ؛ لتعذب على جرائمها.

ثم التزموا على هذا الأصل : أنّ البهائم مكلفة عالمة بما يجرى عليها من الآلام ، وأنها مجازاة على فعلها ، ولو لا ذلك ، لما تصوّر انزجارها بالآلام عن العود إلى الجريمة بتقدير انتقالها إلى بدن أشرف من أبدان البهائم.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) فى ب (فى الآخرة).

(٣) فى ب (المكلف).

(٤) انظر الملل والنحل للشهرستانى ٢ / ٣٨ وما بعدها.

(٥) انظر الملل والنحل ٢ / ١١٣ وما بعدها.

١٦٩

ومنهم من زاد على هذا ، وزعم أنه ما من جنس من أجناس البهائم ، إلا وفيهم نبى مبعوث إليهم من جنسهم.

ومنهم من زاد على هذا ، وزعم أن (١) جملة (١) الجمادات أحياء مكلفة ، وأنها مجازاة على ما تقترفه من الخير ، والشر.

ثم اختلفوا فى التكليف :

فمنهم من قال بأن الله ـ تعالى ـ كلف الأرواح ابتداء.

ومنهم من قال : لم يكلفها ، غير أنه خيرها ؛ فاختارت التكليف.

ولهم اختلافات كثيرة فى أمر التناسخ وأحكامه ، سنأتى (٢) على إيضاحها عند التصدى للرد (٢) عليهم.

وأما البكرية (٣) : فإنهم لما اعتقدوا قبح الإيلام (٤) لذاته (٤) ، ولم يروا حسنه (٥) بما حسنه المعتزلة ، والتناسخية ، واعتقدوا ورود الأمر بذبح الحيوان من الله ـ تعالى ـ ؛ زعموا أن البهائم لا تتألم ، وكذلك الأطفال الذين لا يعقلون. وعند هذا : فلا بد من تحقيق مذهب أهل الحق أولا. والإشارة إلى إبطال مذاهب الخصوم ثانيا :

أما تحقيق مذهب أهل الحق :

/ فهو أن الآلام ممكنة الوجود ، وكل ممكن الوجود ؛ فوجوده لا يكون إلا بإيجاد الله ـ تعالى ـ على ما سنبينه بعد ، وما يكون فعلا لله ـ تعالى ـ فلا يكون قبيحا فى ذاته ؛ لما سبق فى إبطال التحسين ، والتقبيح (الذاتيين) (٦).

__________________

(١) فى ب (على أن جميع).

(٢) فى ب (سيأتى عند التصدى على الرد).

(٣) البكريّة : هم أتباع بكر بن زياد الباهلى ، المشهور بأنه : بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد. كان يوافق المعتزلة فى أمور ، ويوافق أهل السنة فى أمور أخرى ، ومما انفرد به وعاند فيه العقلاء زعمه أن الأطفال فى المهد لا يألمون وإن قطّعوا أو حرّقوا. وأجاز أن يكونوا فى وقت الضّرب ، والقطع ، والإحراق متلذذين مع ظهور البكاء والصياح منهم.

(ميزان الاعتدال ١ / ٣٤٥ ، والفرق بين الفرق ص ٢١٢ ، ٢١٣ ، ومقالات الإسلاميين ١ / ٣٤٢).

(٤) فى ب (الآلام لذاتها).

(٥) فى ب (حسنها).

(٦) فى أ (الذاتى). انظر ل ١٧٥ / أوما بعدها.

١٧٠

وعلى هذا : فالقبيح عند أهل الحق لا يكون مقدورا لله ـ تعالى ـ لا (١) بمعنى (١) أنه موجود غير مقدور له ؛ بل (٢) بمعنى (٢) أنه لا وجود له ؛ فيكون مقدورا.

وأما الرد على المعتزلة :

أما قولهم بتحسين الآلام عقابا على ما سبق من الجرائم : فقد اعتمدوا فى ذلك على قضاء العقل بحسن انتصاف من أو لم اعتداء من المعتدى عليه بالإيلام ، وحسن ضرب العبد تأديبا على إساءته ؛ زجرا له ، وردعا عن مثلها.

ونحن لا ننكر استحسان مثل ذلك فى حقنا ؛ للتشفى ؛ والانتقام ، ودفع ألم [الغيظ] (٣) عن نفس المجنى عليه. ولا يلزم مثله فى حق الله ـ تعالى ـ لاستحالة ذلك عليه.

وعند ذلك ؛ فلا يلزم أن (٤) يكون إيلامه للجانى (٤) حسنا مع استغنائه عنه.

فإن قيل : الرب ـ تعالى ـ وإن كان غنيا عن ذلك إلا أنه يجب القول بتحسين الإيلام عقوبة على الجناية لوجهين :

الأول : ما استقر فى العقول من ذمّ الجانى على جنايته ، وإن قدر استغناء المجنى عليه عنه.

الثانى : أنه لو لم يحسن ذلك ؛ لكان ذلك إغراء للجانى بالجنايات ، وارتكاب المحرمات.

قلنا : أما الوجه الأول : فدعوى محل النزاع.

وأما الثانى : فمنتقض عليهم بوجوب قبول التوبة.

وأما قولهم بتحسين الإيلام لغرض التعويض (٥). فإنما يصح أن لو لم يكن الرب ـ تعالى ـ قادرا على التفضل ابتداء بمثل ذلك العوض من غير سابقة إيلام ، وأما إذا كان قادرا عليه ؛ فلا.

__________________

(١) فى ب (بمعنى).

(٢) فى ب (بل على معنى).

(٣) فى أ (العيض).

(٤) فى ب (إيلام الجانى).

(٥) فى ب (العوض).

١٧١

ولهذا فإن من كان قادرا على الإحسان إلى ضعيف دون سابقة إيلامه ، لا يحسن منه الإيلام لأجل الإحسان ، والله ـ تعالى ـ قادر على التفضل بمثل ذلك العوض من غير إيلام ؛ فلا يحسن منه الإيلام.

فإن قيل : لا نسلم أن الله ـ تعالى ـ قادر على التفضل بمثل العوض ؛ وذلك لأن العوض مستحق غير مشوب بالمنة ، والتفضل بضده.

قلنا : أما من اعترف منهم بأن التفضل بمثل العوض مقدور لله ـ تعالى ـ فالإلزام لازم له (١). ومن منع من ذلك ، فمنعه باطل مردود عليه ؛ وذلك لأنا بينا فيما تقدم أنه لا يستحق على الله شيء ، ولا يجب ؛ فالعوض لا يكون مستحقا ؛ فيكون تفضلا من الله تعالى / أيضا. غير أنه اختص باسم العوض لكونه مسبوقا بالإيلام ، وإذا كان تفضلا ؛ فهو مثل التفضل (٢) السابق للإيلام. والقادر على أحد المثلين يكون قادرا على المثل الآخر.

وعلى هذا نقول : إن التفضل بمثل الثواب مقدور لله ـ تعالى ـ أيضا ، وإن كان ممنوعا عند بعض المعتزلة.

وما قيل : من لزوم شائبة المنة ، فمع إبطاله بما أسلفناه لازم أيضا فى العوض بتقدير كونه غير مستحق.

ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكروه على تحسين الألم للتعويض (٣) ؛ لكنه يلزم عليه القضاء بتحسين إيلام الواحد منا لغيره ابتداء إذا كان ملتزما للعوض ؛ وهو خلاف الإجماع منا ، ومن المعتزلة ، ومن كافة الأمة.

فإن قيل : البارى ـ تعالى ـ عالم بعواقب الأمور ، وباقتداره على التعويض ، بخلاف الواحد منا ؛ فلا يلزم من التحسين فى حق الله ـ تعالى ـ التحسين فى حق الواحد منا ، مع انطواء العاقبة عنه ، وجواز تحقق الألم من غير عوض بخلاف الرب ـ تعالى ـ فهو (٤) باطل بإيلام (٤) الولى ، والقيم على الطفل بقطع السلع ، والفصد ، والحجامة ، والتأديب بالضّرب المؤلم ؛ ارتقابا لما يتوقع من النفع ، وإن كان مظنونا غير متيقن.

__________________

(١) فى ب (عليه).

(٢) فى ب (للفضل).

(٣) فى ب (للعوض).

(٤) فى ب (قلنا هذا باطل بجواز إيلام).

١٧٢

وعلى هذا يمتنع تحسين الإيلام لتحصيل نفع ، أو دفع ضرر. وكل ما قيل فى العوض ؛ فهو متجه هاهنا ، والقول بتحسين الألم للعوض (١) ، واعتباره (١) معا فباطل أيضا ؛ إذ العوض إنما يكون مؤثرا فى التحسين أن لو لم يكن مقدورا على التفضل بمثله ، أو أزيد ؛ وليس كذلك على ما سبق.

والاعتبار أيضا غير مؤثر ؛ لما فيه من إلزام الضرر لأحد المكلفين ، لنفع الآخر ، وليس هو أولى من العكس ؛ فيكون ظلما ، والظلم ـ عندهم ـ قبيح لذاته.

وبمثل هذا يبطل قول الضيمرى : بالتحسين لمجرد الاعتبار.

والقول بأن الألم إنما حسن بالعوض ، مع القدرة على التفضل بمثله إذا علم الله أنه لا ينفعه إلا بجهة التعويض ؛ فهو أيضا باطل ؛ فإنه إذا كان قادرا على التفضل بمثل ذلك العوض ابتداء من غير سابقة ألم ، ولا هو محتاج إلى التأليم ، ولا هو متضرر بالتفضل ؛ فالتأليم يكون عبثا لا فائدة فيه ؛ فيكون قبيحا. وعلمه بأنه لا ينفعه إلا بجهة العوض لا يخرج الألم عن كونه قبيحا.

وقولهم : إن الإيلام دون هذه الأمور يكون ظلما من الله ـ تعالى ـ والظلم قبيح لذاته (٢) ؛ فقد (٢) سبق الكلام على الطرفين.

وقول من قال : إن القبيح لذاته / مقدور عليه لله ـ تعالى ـ ؛ فباطل ؛ لاستحالة القبيح لذاته كما سبق.

ثم وإن قدر وجود القبيح لذاته ؛ فلا نسلم تصور وجوده من الرب ـ تعالى ـ

فلئن قالوا : يتصور من الله ـ تعالى ـ إيلام الكافر عقوبة على كفره. ولا فرق فى الألم المقدور فى حق الكافر ، وبين الألم فى حق من لم تسبق منه جناية غير وجود الجناية فى إحدى الصورتين ، وعدمها فى الأخرى. وذلك غير داخل فى حقيقة الألم المقدور ؛ فكان (٣) الألم فى حق غير الجانى مقدورا لله ـ تعالى ـ وذلك الإيلام قبيح ؛ فكان القبيح مقدورا.

__________________

(١) فى ب (والعوض والاعتبار).

(٢) فى ب (فى ذاته وقد).

(٣) فى ب (فإن).

١٧٣

قلنا : إذا اختلف (١) الألمان (١) بما أوجب قبح أحدهما ، وحسن الآخر ، فما المانع [أن] (٢) يكون وجود ذلك الفارق الموجب للقبح مانعا ، من الاقتدار ، أو أن عدمه يكون شرطا فى الاقتدار ، وعدم الاطلاع على جهة المانعية ، أو الشرط ؛ لا يوجب انتفاء المانعية ، أو الشرطية ؛ لما سبق فى تعريف الأدلة.

ثم وإن سلمنا كونه مقدورا لله ـ تعالى ـ فلم (٣) قالوا بامتناع وجوده عنه؟

قولهم : إن ذلك يدل على جهله بقبحه ، أو احتياجه إليه ؛ غير مسلم.

وما المانع من إيجاده له مع العلم بقبحه ، واستغنائه عنه؟ وليس العلم بذلك (٤) ضروريا. والنظرى ؛ فلا بد من الدليل عليه.

وأمّا الرد على الثنوية فى اعتقادهم قبح الآلام لذواتها : فما سبق فى مسألة (٥) التحسين والتقبيح ، وفى (٦) اعتقادهم وجود مدبرين ، ومبدأ للخير ومبدأ للشر كما (٧) سيأتى (٧) فيما بعد.

وأما الرد على التناسخية فى أن الآلام قبيحة : فما سبق.

وأما فى اعتقادهم حسنها بالأعواض : فما ذكرناه على المعتزلة. وفى التناسخ ما سيأتى أيضا فى موضعه.

وأما إنكار البكرية لحلول الآلام بالبهائم ، والأطفال : فمكابرة للعقل ، والحس. وما نشاهده منهم من الاضطراب ، والنفرة عند الضرب والجراحات ، والاحتراق بالنار ، وبكاء الصبيان عند وجود الأشياء المؤلمة ، وإنكار ذلك لا يتقاصر فى البعد عن إنكار حياتهم ، وحركاتهم ، وحسهم ، وإدراكهم ، ووضوح ذلك فى تناهى الفساد ، يغنى عن إبطاله.

__________________

(١) فى ب (أوجب الاسمان).

(٢) ساقط من أ.

(٣) فى ب (ولكن لم).

(٤) فى ب (به).

(٥) ساقط من ب. انظر ل ١٧٥ / أوما بعدها.

(٦) فى ب (وأما فى).

(٧) فى ب (فسيأتى). انظر ل ٢٢٥ / أوما بعدها.

١٧٤

«المسألة الخامسة»

«فى تكليف ما لا يطاق»

نقل عن الشيخ أبى الحسن الأشعرى ـ رحمه‌الله ـ فى بعض الأقوال أنه قال : لا يجوز / التكليف بالمحال : كالجمع بين الضدين ، والأمر بما هو ممنوع منه : كأمر الزمن بالقيام ، ونحوه. والّذي إليه ميله فى أكثر أقواله ، الجواز ؛ وهو لازم على مذهبه ؛ ضرورة اعتقاده : أن الاستطاعة لا تكون ، إلا مع الفعل ، مع تقدم التكليف بالفعل على الفعل ، وأن القدرة الحادثة غير مؤثرة فى إيجاد الفعل ؛ فيكون العبد مكلفا بفعل غيره (١) وإلى هذا مال أكثر أصحابه (٢).

وقد نقل عن بعض البغداديين من المعتزلة (٣) ما يوافق هذا القول : فإنهم قالوا بجواز تكليف العبد بفعل ، فى وقت علم الله أنه يكون ممنوعا منه ، وهو تكليف بما لا يطاق.

وإلى هذا أيضا : ذهب بكر بن أخت عبد الواحد (٤) حيث قال : إن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان والإخلاص ، مع كونه مأمورا بالإيمان. ومن أصحابنا : من مال إلى القول الأول : وهو امتناع التكليف بالمحال. وهو مذهب البصريين ، وأكثر البغداديين. ثم اختلف القائلون من أصحابنا ؛ فى جواز التكليف بما لا يطاق عقلا فى وقوعه : فمنهم من أثبته ، ومنهم من لم يثبته.

وأجمعت الأمة على جواز التكليف بما علم الله ـ تعالى ـ أنه لا يكون عقلا ، وعلى وقوعه شرعا : كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن : كأبي جهل ، وغيره. خلافا لبعض الثنوية.

__________________

(١) لتوضيح رأى الأشعرى فى هذه المسألة :

انظر الإبانة عن أصول الديانة. له ص ٥٠ ـ ٥٣ واللمع فى الرد على أهل الزيغ والبدع ، له أيضا ص ٩٣ ـ ١١٤.

(٢) فى ب (أصحابنا).

(٣) لتوضيح رأى المعتزلة فى هذه المسألة :

انظر شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار ص ٥٠٩ ـ ٥١٨ والجزء الحادى عشر من كتاب المغنى له أيضا ؛ حيث خصصه لهذا الموضوع (التكليف). والمحيط بالتكليف. له أيضا ص ١١ ـ ٣٢ ، ٢٢٨ ـ ٢٦٢.

(٤) بكر ابن أخت عبد الواحد : هو بكر بن زياد الباهلى شيخ البكرية ، انظر هامش ل ١٩٢ / ب.

١٧٥

وعند ذلك : فلا بد من التنبيه على مأخذ (١) كل فريق فيما ذهب إليه ، وإبانة الحق من الباطل منه.

وقد احتج الأصحاب (٢) على جواز التكليف بما لا يطاق بأن قالوا : العبد مكلف بالفعل ، قبل وجود الفعل ، وكل تكليف بالفعل قبل وجود الفعل ؛ فهو تكليف بما لا يطاق.

أما المقدمة الأولى : فبالإجماع.

وأما المقدمة الثانية : فبيانها ، هو أن المكلف بالفعل قبل وجود الفعل لا قدرة له على الفعل ، وكل من لا قدرة له على الفعل ؛ فتكليفه بالفعل ، تكليف بما لا يطاق.

أما المقدمة الأولى : فبيانها بما يأتى.

وأما الثانية : فمعلومة بالضرورة.

وإذا ثبت جواز التكليف بالقيام حالة كون الشخص قاعدا مثلا مع استحالته ، جاز تكليف العاجز عن القيام ، بالقيام : كالزمن ، والتكليف بالمستحيل لذاته : كالجمع بين الضدين ، ونحوه ؛ ضرورة اشتراك الكل فى امتناع وقوع الفعل من المكلف حالة التكليف.

/ فإن قيل : لا نسلم أن التكليف بالفعل قبل وجود الفعل ؛ تكليف بما لا يطاق.

قولكم (٣) : أنه لا قدرة على الفعل قبل وجود الفعل. لا نسلم ذلك. وما تذكرونه فى بيانه ؛ فسيأتى الكلام عليه أيضا. ثم هو على خلاف قوله ـ تعالى ـ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (٤) أثبت الاستطاعة على الحج قبل وجود (٥) الحج (٥).

__________________

(١) فى ب (مذهب).

(٢) لتوضيح رأى الأصحاب فى هذه المسألة وردهم على خصومهم بالإضافة إلى ما تقدم انظر الإرشاد لإمام الحرمين ص ٢٢٦ ـ ٢٢٨ والاقتصاد فى الاعتقاد للغزالى ص ٨١ ـ ٨٣ ونهاية الأقدام للشهرستانى ص ٤٠٧ ـ ٤١٠.

ومن كتب المتأخرين المتأثرين بالآمدي : انظر شرح طوالع الأنوار ص ١٩٧ ، ١٩٨ وشرح المواقف ٢ / ٤٠٠. ٤٠١ وشرح المقاصد ٢ / ١١٣ ـ ١١٥.

(٣) فى ب (قولهم).

(٤) سورة آل عمران ٣ / ٩٧.

(٥) فى ب (وجوده).

١٧٦

وكذلك قوله ـ تعالى ـ : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) (١). أثبت الطاقة على الصوم ، قبل الشروع فيه.

سلمنا أنه لا قدرة (له) (٢) على الفعل قبل وجود الفعل ؛ ولكن لا يلزم من جواز التكليف بالفعل قبل الفعل ـ مع كونه مقدورا حالة الفعل ـ جواز التكليف بما لا يطاق ، وهو بالمستحيل لذاته ، والمعجوز عنه. وبيان الفرق من ستة أوجه :

الأول : هو أن تكليف القاعد بالقيام لا يعد قبيحا. وتكليف الزمن بالقيام ، والتكليف بالجمع بين الضدين قبيح فى العقل.

الثانى : هو أن القيام ممكن للقاعد ، ومتصور الوجود. بخلاف قيام الزمن ، والجمع بين الضدين.

الثالث : هو أن الزمن : به آفة مانعة من القيام ، وهى الزمانة ، بخلاف غير الزمن.

الرابع : هو أن المأمور بالقيام : إذا لم يكن ممنوعا منه ، بزمانة ، أو غيرها ، وإن لم يكن قادرا على القيام ؛ فهو قادر على ضده ، وهو ما هو متلبس به ، ولا كذلك المعجوز عنه ، والمستحيل لذاته.

الخامس : هو أن الاقتدار على قيام القاعد ملازم لإرادته للقيام فى العادة ، بخلاف المعجوز عنه ، والمستحيل فعله.

السادس : هو (٣) أن التكليف : طلب (٣) ما فيه كلفة ، والطلب يستدعى مطلوبا ، وذلك المطلوب كما يشترط فيه أن يكون معدوما فى الأعيان حالة طلبه ، ضرورة امتناع طلب الحاصل فيشترط فيه أن يكون مقصودا فى الذهن ؛ فإن طلب ما لا تصور له فى الذهن محال.

وهذا الشرط متحقق فى طلب القيام من القاعد ، وهو غير متحقق فى طلب الجمع بين الضدين ؛ لاستحالة تصوره فى الذهن ولو تصور ذهنا ؛ لما امتنع وقوعه عينا ، وكذلك

__________________

(١) سورة البقرة ٢ / ١٨٤.

(٢) ساقط من أ.

(٣) فى ب (هو أن التكليف هو طلب) ، وفى أ (أن التكليف طلب).

١٧٧

طلب القيام من الزمن مع زمانته. ومع هذه الفروق ؛ فلا يلزم من تجويز التكليف فى الأصل المتفق عليه ، جوازه فى محل النزاع.

والجواب :

قولهم : لا نسلم انتفاء القدرة على الفعل قبل الفعل.

قلنا : سيأتى / بيانه (١) ، وإبطال كل ما يتشككون به (١) عليه.

وما ذكروه من الاستدلال بالآيتين ؛ فحاصله يرجع إلى التمسك بالظواهر المحتملة التأويل فى مسائل القطع ؛ فلا تقبل.

وبيان قبولها للتأويل :

أما الآية الأولى : فالاستطاعة وإن احتمل حملها على القدرة وكانت ظاهرة فيه (٢) ، غير أنه (٢) محمول على ما نقله الأئمة عن النبي عليه‌السلام من تفسيره الاستطاعة بالزاد ، والراحلة.

ولهذا لا (٣) يجب الحج (٣) على من لا قدرة له على الحركة : كالزمن إذا كان واجدا للزاد ، والراحلة ، ومن يقوم بإركابه ، وإنزاله.

وأما الآية الأخرى : فيحتمل أن يكون المراد من الطاقة الصحة : وهى ما يتأتى معها خلق القدرة المقارنة للفعل عادة وبتقدير إرادته ، ولا مانع منه.

وإن سلمنا امتناع حمله على هذا المحمل ؛ لكنه يحتمل أن يكون الضمير فى قوله ـ تعالى ـ : (يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) راجعا إلى الفداء. ويكون تقدير الكلام. وعلى الذين يطيقون الفداء فدية ، ويكون معنى طاقة الفداء ملك ما يفتدى به ؛ والفداء وإن لم يكن مذكورا فى الآية غير أنه يجوز عود الضمير إلى ما ليس بمذكور ؛ إذا كان فى الكلام ما يدل عليه كما فى قوله ـ تعالى ـ : (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) (٤) الضمير فى عليها عائد على الأرض ،

__________________

(١) فى ب (ابطاله وكل ما سيكون).

(٢) فى ب (غير أنها).

(٣) فى ب (يجب الحج). وفى أ (لا يجب).

(٤) سورة الرحمن ٥٥ / ٢٦.

١٧٨

وإن لم تكن مذكورة. وقوله ـ تعالى ـ : (حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) (١) فإن الضمير فى قوله (توارت) عائد الى الشمس مع عدم ذكرها. وقوله ـ تعالى ـ : (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) (٢). والضمير (٣) فى قوله (٣) (به) (٤) عائد إلى الوادى الّذي (كانت) (٤) تطؤه الخيل وإن لم يكن مذكورا.

وأما الفرق الأول : فحاصله (٥) راجع إلى التقبيح والتحسين العقلى ، وقد سبق إبطاله (٥).

وأما الفرق الثانى : فلا نسلم أن القيام فى حق القاعد ممكن فى حالة قعوده. وقبل خلق القدرة عليه ، والتكليف متحقق قبل خلق القدرة عليه ؛ فيكون تكليفا بما ليس بممكن كما فى العاجز ، والتكليف بالمحال. وتحقق الإمكان بتقدير خلق القدرة المقارنة للفعل لا يخرج الفعل قبل خلق القدرة عن كون التكليف به تكليفا بما لا يطاق ، وإلا لما كان تكليف العاجز عن القيام بالقيام ؛ تكليفا بما لا يطاق ؛ لإمكان إزالة المانع ، وخلق القدرة له عليه.

/ وعلى هذا فقد خرج الجواب عن الفرق الثالث أيضا.

وأما الفرق الرابع : فمندفع أيضا ؛ فإن القدرة على ضد الفعل المكلف به لا يوجب القدرة على نفس ذلك الفعل. وإذا لم يكن الفعل المكلف به حالة التكليف به مقدورا ؛ فهو تكليف بما لا يطاق.

ولهذا كان التكليف بالحركة إلى جهة السماء صاعدا فى حق الآدمى تكليفا بما لا يطاق بالإجماع ؛ حيث لم يكن ذلك مقدورا له ، وإن كان قادرا عندهم على الضد : وهو التحرك إلى جهة أخرى على وجه الأرض.

وأما الفرق الخامس : فباطل أيضا ؛ فإن ملازمة الاقتدار لإرادة الفعل ، فى حق غير العاجز ، لا يخرج الفعل عن كونه معجوزا عنه ، قبل خلق القدرة عليه ، كما سبق.

__________________

(١) سورة ص ٣٨ / ٣٢.

(٢) سورة العاديات ١٠٠ / ٤.

(٣) فى ب (فالضمير فى).

(٤) ساقط من أ.

(٥) فى ب (يرجع إلى التحسين والتقبيح العقليين وقد أبطلناه).

١٧٩

وأما الفرق السادس : فقد أجاب عنه بعض أئمتنا : أن التكليف ينقسم إلى : تكليف طلب واستدعاء للفعل ، وإلى تكليف تعجيز وإعلام بحلول العقاب.

وعلى هذا فما ورد التكليف به وهو ممكن ؛ فهو تكليف اقتضاء وطلب ، وذلك (١) هو (١) الّذي يستدعى تصور (٢) المطلوب فى نفس الطالب. ويشترط فهمه للمطلوب منه.

وما ورد التكليف به وهو محال لذاته : كالجمع بين الضدين ، وتكليف الزمن بالقيام ؛ فالمراد به التكليف بالاعتبار الثانى. وليس بطلب ؛ فلا يستدعى تصور المطلوب فى نفس الطالب.

وهو بعيد : فإنه إما أن يعترف بأن التكليف بالفعل قبل خلق القدرة عليه ممكن ، أو ليس بممكن ، وإن (٣) قال إنه ممكن مع انتفاء القدرة عليه ؛ ففاسد لما سبق. وإن اعترف بعدم الإمكان ؛ فيلزم منه امتناع ورود التكليف بمعنى الطلب ، والاقتضاء مطلقا ؛ وهو خلاف إجماع الأمة.

والجواب (٤) فى ذلك أن يقال :

قد (٥) بينا أن طلب القيام من القاعد ، مع عدم القدرة عليه ؛ كطلبه من العاجز.

وعند ذلك : فإما أن يكون القيام المطلوب من العاجز متصورا فى نفس الطالب ، وإما أن لا يكون متصورا.

فإن كان متصورا ؛ فقد بطل الفرق.

وإن لم يكن متصورا ؛ فهو أيضا غير متصور مع عدم القدرة.

ويلزم من ذلك : إما الاستواء فى جواز التكليف ، أو فى عدمه. والاستواء فى عدم جواز التكليف محال ، ضرورة الاتفاق على (٦) جواز تكليف القاعد / الّذي ليس عاجزا بالقيام.

فلم يبق إلا الاستواء فى جواز التكليف.

__________________

(١) فى ب (وهو).

(٢) فى ب (حصول).

(٣) فى ب (فإن).

(٤) فى ب (والحق).

(٥) فى ب (إنا قد).

(٦) فى ب (فى).

١٨٠