🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
🚘 نسخة غير مصححة

«الفرع الثالث»

فى الرد على الطبيعيين

واعلم أن ما يخالف فيه الطبيعيون لأهل الحق من المسائل كثيرة متعددة ، وسنستقصى الرد عليهم فى كل موضع على (١) حسبه (١) ، والرد عليهم هاهنا إنما هو خصيص بما نحن فيه ، من نفى مؤثر ، وموجد (٢) غير الله ـ تعالى.

وقد ذهبت الفلاسفة الطبيعيون : إلى أن بعض ما نشاهده من حركات الأجسام البسيطة ، والمركبة ، والآثار الصادرة عنها ؛ إنما هو لقوى موجودة فى تلك الأجسام ، لو قدر خلوها عنها ؛ لم يكن اختصاص ذلك الجسم بما صدر عنه أولى من غيره.

ثم صدور ما صدر عن تلك القوة : إما أن يكون متنوعا ، أو غير متنوع ؛ بل هى على نهج واحد ، والمتنوع به : إما أن يكون مع شعور به ، أو لا مع شعور به.

فإن كان الأول : فكحركة الحيوان.

وإن كان الثانى : فكحركة النبات فى نموه ، ونشو فروعه.

وإن كان على نهج واحد : فإما أن يكون أيضا مع شعور به ، أو لا مع شعور به.

فالأول : كالحركة الدورية للأفلاك. والثانى : كحركة الحجر فى هويه ، وتبريد الماء ببرده ، وتسخين النار بحرها ، ونحو ذلك.

وزعموا أيضا : أن ما نشاهده من أنواع المركبات فيما تحت مقعر فلك القمر من المعدنيات ، والنبات ، والحيوانات ، وخواصها ؛ إنما هو بحركات العناصر بعضها إلى بعض ، وامتزاجها.

وربما زاد الأقدمون منهم على ذلك وقالوا : إن أصل العالم أجزاء قديمة جسمانية صغار كرية فى خلا ممتد متشابه الأجزاء ، وأنها (٣) لم تزل تلك الأجزاء الجسمانية

__________________

(١) فى ب (بحسبه).

(٢) فى ب (موجد).

(٣) فى ب (أو أنها).

٢٦١

متحركة فيه ؛ لاستحالة قرارها فى جزء منه مع التشابه ، لعدم الأولوية ، حتى اتفق أن تصادمت ، وتمانعت ، وامتزجت على هذا الشكل الّذي العالم عليه.

وربما جوزوا وجود عوالم وراء هذا العالم ، على هذا الشكل ، وعلى غيره : إما متناهية ، أو غير متناهية. على ما سنفصله ، ونوضح الكلام فيه ، فيما بعد إن شاء الله ـ تعالى (١).

وطريق الرد عليهم أن يقال (٢) : / الأجسام عندكم كلها مشتركة فى معنى الجسمية. فاختصاص كل واحد منها بما اختص به من القوى المؤثرة : إما أن يكون لذاته ، أو لاختصاصه بقوة أخرى موجبة لها ، أو لمخصص من خارج.

فإن كان الأول : فهو محال ؛ وإلا لما كان اختصاص بعض (٣) الأجسام بما اختص به أولى من غيره ؛ ضرورة الاتحاد ، والحقيقة الجسمية ، ويلزم من ذلك أن لا يختص واحد من الأجسام بقوة ، أو أن تشترك جميع الأجسام فى جميع القوى ؛ وهو محال.

وإن كان الثانى : فالكلام فى الاختصاص بتلك القوة : كالكلام فى الأول ؛ وهو تسلسل ممتنع.

وإن كان الثالث : فما المانع أن يكون المخصص له بتلك الحركة وبذلك الأثر ، إنما هو المخصص الخارج. لا بواسطة قوة فى الجسم ، ويكون ذلك المخصص فاعلا مختارا ؛ وهو البارى ـ تعالى ـ على ما حققناه ـ وهو المخصص له بذلك الأثر ، وبتلك (٤) الحركة فى وقت دون وقت (٤).

وهذه المطالبة : لا سبيل إلى دفعها مع فرض وجود الفاعل المختار ، وإمكان تعلق قدرته بكل كائن (٥) ؛ وقد تحقق ذلك بما أسلفناه.

__________________

(١) انظر الجزء الثانى ص ١٤٦ وما بعدها.

(٢) قارن بالشامل لإمام الحرمين ص ٢٣٧ ـ ٢٤٢.

(٣) فى ب (بعض من).

(٤) فى ب (فى ذلك الوقت دون غيره).

(٥) فى ب (جائز).

٢٦٢

وعلى هذا : يكون الكلام فى أنواع المركبات ، وخواصها ، وامتزاجاتها أيضا.

ويخص القائلين بقدم الأجسام ، وتحركها فى خلاء ممتد غير متناه (١) ؛ ما سنحققه من إبطال قدم (٢) كل موجود سوى الله ـ تعالى ـ ، وامتناع وجود بعد لا نهاية له ؛ فيما (٣) بعد (٣).

__________________

(١) فى ب (متناه على).

(٢) ساقط من ب. انظر الجزء الثانى ص ٣٠٢ وما بعدها.

(٣) قى ب (فيها). انظر الجزء الثانى ص ٨٤ وما بعدها.

٢٦٣

«الفرع الرابع»

فى الرد على الصابئية فى قولهم بوجود موجد

غير الله تعالى (١)

والأشبه فى تسمية هذه الطائفة صابئة ؛ لميلهم ، وانحرافهم عن سنن الحق فى نبوة الأنبياء ، ولاتخاذهم آلهة غير الله ـ تعالى ـ أخذا من قول العرب صبا الرجل ؛ إذا مال ، وانحرف.

وهم أربع فرق :

الفرقة الأولى : أصحاب (٢) الروحانيات (٢) :

وقد يقال ذلك بالضم (٣) : أخذا من الروح ، وهو جوهر.

وقد يقال بالفتح (٤) : أخذا من الروح ، وهو حالة خاصة به.

وقد زعم هؤلاء : أن أصل وجود العالم واحد مقدس عن سمات الحدث. هو أجلّ وأعلا من أن يتوصل إلى جلاله بالعبودية له ، والخدمة من السفليات ، وذوات الأنفس المنغمسة فى عالم الرذائل ، والشهوات. وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات بينه ، وبين السفليات. وهى أمور : روحانية ، مقدسة عن المواد الجرمانية ، والقوى / الجسمانية ، والحركات المكانية ، والتغيرات الزمانية ، فى جوار رب العالمين. مجبولون على تقديسه ، وتمجيده ، وتعظيمه دائما سرمدا.

__________________

(١) ورد فى مجلة المشرق البيروتية المجلد الرابع الصادر فى سنة ١٩٠١ مقال للأب انستاس الكرملى عن الصابئية ، والمندائية استشهد فيه بما أورده الآمدي هنا من أول الفرع الرابع إلى قوله (إلى كثير من الأحكام المشروعة فى شرعنا هذا) ، وقد نقل من الأبكار أربع صفحات كاملة : وهى تقابل اللوحات من ل ٢٢١ / أ ـ ٢٢٣ / أ.

وقدم للنقل بقوله : (وقد وجدت أفضل متكلمى الأشعرية سيف الدين أبا الحسن بن على الآمدي قد أحسن تمييز هذه الفرق الأربع التى افترقت إليها الصابئة وفاق سائر كتبة العرب ، ومؤرخيهم فى وصفها ، وإمعان النظر فى تدقيق البحث عنها ؛ وذلك فى كتابه الجليل المترجم بكتاب (أبكار الأفكار) وهو غير مطبوع إلى يومنا هذا ، وعزيز الوجود ؛ ولهذا أورد كلامه هنا بتمامه.

أولا : إثباتا لدرر كلامه ومعرفة مقاله. وثانيا : إقرارا بفضله وعلو مكان كماله قال ـ ولله دره من قائل ـ ثم ينقل نصوصه التى لا تكاد تختلف عما ورد هنا إلا فى ألفاظ قليلة. وقد نقلها عن نسختين.

(٢) فى ب (وهم أصحاب الروحانية).

(٣) فى ب (بالرفع).

(٤) فى ب (بالنصب).

٢٦٤

قالوا : وهم آلهتنا ، وأربابنا ، ووسائلنا إلى حاجتنا ، وبهم يتقرب إلى الله ـ تعالى ـ وهى المديرة للكواكب الفلكية ، والمدبرة لها على التناسب المخصوص. حيث يتبعها : انفعالات فى العناصر السفلية ، وحركات بعضها إلى بعض ، وانفعال بعضها عن بعض ، عند الاختلاط ، والامتزاج المفضى إلى التركيب الموجب لتنوع المركبات : إلى أنواع المعادن ، والنبات ، والحيوانات ، وتصريف موجودات الأعيان من حال إلى حال ، ومن شأن إلى شأن ، إلى غير ذلك من الآثار العلوية ، والسفلية.

وزعموا : أن الكواكب الفلكية : هى هياكل هذه الروحانيات ، وأن نسبة الروحانيات إليها فى التدبير لها ، والتدوير. نسبة الأنفس الإنسانية ، إلى أبدانها ، وأن لكل روحانى : هيكلا يخصه ، ولكل هيكل : فلكا يكون فيه.

وزعموا : أن المعرف لهم بها : عادميون ، وهرمس (١) ، اللذان هما أصل علم الهيئة ، وصناعة النجامة. وهرمس : هو أول من قسم البروج ، ووضع أسماءها ، وأسماء الكواكب السيارة ، ورتبها فى بيوتها ، وبين الشرف والوبال ، والأوج والحضيض ، والمناظر : بالتثليث ، والتسديس ، والتربيع ، والمقابلة ، والمقارنة ، والرجوع ، والاستقامة ، والميل ، والتعديل. واستقل باستخراج (٢) أكثر أحكام الكواكب وأحوالها.

وقد قيل : إن عادميون : هو شيث. وهرمس : هو إدريس عليهما‌السلام (٣).

الفرقة الثانية : أصحاب الهياكل :

فإنهم قالوا : إذا كان لا بد للإنسان من متوسط ؛ فلا بد ، وأن يكون ذلك المتوسط مما يشاهد ويرى (٤) ، حتى يتقرب إليه. والروحانيات ليست كذلك ؛ فلا بد من متوسط بين الإنسان (٥) وبينها. وأقرب ما إليها هياكلها فهى الآلهة ، والأرباب المعبودة ، والله ـ تعالى ـ

__________________

(١) ويسميه الصابئة الحاليون (هرمز).

(٢) فى ب (باخراج).

(٣) ومذهب صابئة العراق فى يومنا هذا هو مذهب هذه الفرقة بعينه لا ينقص عنه ذرة ولا يخالفه بشيء ولو كان زهيدا.

(انظر مجلة المشرق البيروتية ص ٤٠١ المجلد الرابع لسنة ١٩٠١ م).

(٤) فى ب (ترى مشاهدة).

(٥) فى ب (للإنسان).

٢٦٥

رب الأرباب ، وإليه التوسل ، والتقرب ؛ فإن التقرب إليها تقرب إلى الروحانيات (١) ، التى هى كالأرواح بالنسبة إليها ، ولا جرم دعوا إلى عبادة الكواكب السبعة السيارة.

ثم أخذوا فى تعريفها ، وتعريف أحوالها بالنسبة إلى طبائعها ، وبيوتها ، ومنازلها ، ومطالعها ، ومغاربها ، واتصالاتها ، ونسبتها إلى الأماكن ، والأزمان ، والليالى ، والأيام ، والساعات ، وما دونها إلى غير ذلك.

ثم تقربوا إلى كل هيكل ، وسألوه / بما يناسبه من الدعوات فيما يناسبه من الأماكن والأزمان ، واللباس الخاص به ، والتختم بالخاتم المطبوع على صورته ، والهياكل عندهم أحياء ، ناطقة ، بحياة الروحانيات (١) ، التى هى أرواحها ، ومتصرفة فيها.

ومنهم من جعل هيكل الشمس : رب الهياكل والأرباب. وهذه الهياكل هى المدبرة لكل ما فى عالم الكون ، والفساد ؛ على ما سلف تعريفه فى تعريف مذهب الفريق الأول.

وربما احتجوا على وجود هذه المدبرات ، وأنها أحياء ناطقة : بأن حدوث الحوادث : إما أن يكون مستندا إلى حادث ، أو قديم.

لا جائز أن يكون مستندا إلى حادث : إذ الكلام فيه ؛ كالكلام فى الأول ، والتسلسل ، والدور محالان ؛ فلم يبق إلا أن يكون مستندا إلى ما هو فى نفسه قديم ، وذلك القديم : إما أن يكون موجبا بذاته ، أو بالاختيار.

فإن كان الأول : فإما أن يكون كل ما لا بد منه فى إيجاد الحادث متحققا معه ، أو أنه متوقف على تجدد أمر.

فإن كان الأول : فيلزم قدم المعلول ، لقدم علته وشرطه ؛ وهو محال.

وإن كان الثانى : فالكلام فى تجدد ذلك الأمر : كالكلام فى الأول ؛ وهو تسلسل ممتنع.

فلم يبق : إلا أن يكون فاعلا مختارا ، وليس فى عالم الكون والفساد : فاعل قديم مختار ؛ فلم يبق غير (٢) الأفلاك ، والكواكب ـ ولذلك حكموا بكونها أحياء (٣) ناطقة.

__________________

(١) فى ب (الروحانية).

(٢) فى ب (إلا).

(٣) فى ب (أحيانا).

٢٦٦

الفرقة الثالثة : أصحاب الأشخاص :

وهؤلاء زعموا : أنه إذا كان لا بد من متوسط مرئى ، فالكواكب ؛ وإن كانت مرئية : إلا أنها قد ترى فى وقت دون وقت طلوعها ، وأفولها ، وظهورها ليلا ، وخفائها نهارا ؛ فدعت الحاجة إلى وجود أشخاص مشاهدة ، نصب أعيننا ؛ تكون لنا وسيلة إلى الهياكل التى هى وسيلة إلى الروحانيات ، التى هى وسيلة إلى الله ـ تعالى.

فاتخذوا لذلك : أصناما مصورة على صور الهياكل السبعة. كل صنم من جسم مشارك فى طبيعته لطبيعة ذلك الكوكب. ودعوه ، وسألوه بما يناسب ذلك الكوكب فى الوقت ، والمكان واللباس ، والتختم بما يناسبه ، والتبخير المناسب له على حسب ما يفعله أرباب الهياكل ؛ لأنها هى المعبودة على الحقيقة.

وهذا : هو الأشبه بسبب اتخاذ الأصنام ، ويحتمل أن يكون اتخاذ الأصنام بالنسبة إلى غير هذه الفرقة وتعظيمها ؛ / لاتخاذها قبلة لعباداتهم ، أو لأنها على صورة بعض من كان يعتقد فيه النبوة والولاية ، تعظيما له ، أو لأن قدماء أرباب الهياكل ، والأصنام ، وعلمائهم ؛ ركبوا طلاسم ، ووضعوها فيها ، وأمروهم بتعظيمها ؛ لتبقى محفوظة منتفعا بها. وإلا فاعتقاد الإلهية فيما اتخذ ، وصور من الأخشاب ، والأحجار ، وكونه خالقا لمن صوره ، ومبدعا لما وجوده قبل وجوده من العالم العلوى ، والسفلى ؛ مما لا يستجيزه عقل (١) عاقل ؛ بل البداية (١) شاهدة برده ، وإبطاله ، وإن وقع ذلك معتقدا لبعض الرعاع (٢) ، ومن لا خلاق له ، من العوام منهم ؛ فلا التفات إليه ، ولا معول عليه.

الفرقة الرابعة : الحلولية :

وهؤلاء زعموا : أن الإله المعبود واحد فى ذاته ، وأنه أبدع أجرام الأفلاك ، وما فيها من الكواكب ، وجعل (٣) الكواكب مدبرات (٣) لما فى العالم السفلى.

فالكواكب : آباء ، أحياء ، ناطقة. والعناصر : أمهات. وما تؤديه الآباء : من الآثار إلى الأمهات ، فتقبلها بأرحامها ؛ فتحصل من ذلك المواليد ، وهى المركبات ، والإله ـ

__________________

(١) فى ب (العقل وعاقل بالبداية).

(٢) فى ب (الرقاع).

(٣) فى ب (مدبرا).

٢٦٧

تعالى ـ يظهر فى الكواكب السبعة ، ويتشخص بأشخاصها من غير تعدد فى ذاته ، وقد يظهر أيضا : فى صور الأشخاص الأرضية ، الخيّرة ، الفاضلة : وهى ما كان من المواليد : قد تركب من صفو العناصر دون كدرها ، واختص بالمزاج القابل لظهور الرب ـ تعالى ـ فيه : إما ذاته ، أو صفة من صفات ذاته ، على قدر استعداد مزاج ذلك الشخص.

وزعموا : أن الله يتعالى عن خلق الشرور ، والقبائح ، والأشياء الخسيسة الدنيئة : كالحشرات الأرضية ، ونحوها ؛ بل هى واقعة ضرورة اتصالات الكواكب سعادة ونحوسة ، واجتماعات العناصر صفوة ، وكدورة.

وزعموا أيضا : أنه على رأس كل ستة وثلاثين ألف سنة وأربعمائة وخمس وعشرين سنة يحدث زوجان من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكر ، وأنثى ، ولا يزال متعاقبا بالتوالد والتناسل ، إلى تمام ذلك الدور ، ثم ينقرض ويحدث على رأس الدور الآخر. وكذا إلى ما لا يتناهى.

وأن الثواب ، والعقاب على أفعال الخير ، والشر فى كل دور واقع ؛ لكن فى الدور الّذي بعده فى هذه الدار (١) ، لا فى غيرها.

والصابئية على اختلافهم فى المبادئ. متفقون على وجوب ثلاث صلوات لهم ، والاغتسال من الجنابة / ومسّ الميت ، وعلى تحريم أكل لحم الخنزير ، والكلب ، والجزور ، وما له مخلب من الطير ، والسكر.

وأمروا : بالنكاح بولى ، وشهود ، ونهوا عن الجمع بين امرأتين ، وعن الطلاق إلا بحكم حاكم ، إلى كثير من الأحكام المشروعة فى شرعنا هذا (٢).

وطريق الرد عليهم أن يقال :

جميع ما ذكروه : مبنى على وجود ما أدعوه من قدم الجواهر الروحانية ، وهياكلها ؛ وهو باطل ـ بما سيأتى فى حدوث العالم (٣) ـ وبتقدير قدمها ، فإسناد الكائنات فى عالم

__________________

(١) فى ب (الدنيا).

(٢) إلى هنا انتهى ما نقله الأب أنستاس الكرملى من كلام الآمدي.

ثم يقول انستاس فى آخر مقاله ـ بعد أن ينقل نصوص ابن خلدون عن الصابئة ـ وبين أسماء هذه الفرق ، وأسماء الفرق التى ذكرها سيف الدين بون بعيد بين ، غير أن الفرق التى ذكرها هذا العلامة الأخير هى أصح ؛ لأنها تنطبق على حقائق راهنة ، ومذاهب ذكرها أغلب المؤرخين والعلماء (مجلة المشرق البيروتية ٤ / ٤٠٣).

(٣) انظر الجزء الثانى ص ٣٠٢ وما بعدها.

٢٦٨

الكون والفساد إليها ، وإلى هياكلها : إنما يصح أن لو لم يكن البارى ـ تعالى ـ فاعلا مختارا ، وإلا فعلى تقدير كونه فاعلا مختارا ؛ فلا يلزم شيء مما ذكروه ـ وقد بينا ذلك فيما سلف.

وعلى هذا : فقد اندفع ما ذكروه من دليل إسناد الكائنات إلى غير الله ـ تعالى.

وأما إبطال مذهب الحلولية منهم : فقد حققناه (فيما) (٣) قبل بما فيه مقنع ، وكفاية.

__________________

(٣) ساقط من أ. انظر ل ١٥٥ / أوما بعدها.

٢٦٩

«الفرع الخامس»

فى الرد على المنجمين ، وأرباب الأحكام

زعم الأحكاميون : أن كل ما فى عالم الكون والفساد ، من التأثيرات ، والتغييرات ، والأمور الحادثة من خير وشر ، ونفع وضر ؛ فمستند إلى الاتصالات الكوكبية ، والحركات الفلكية. كل أثر إلى كوكب ، وأن التأثيرات مختلفة باختلاف المؤثرات السماوية (١). لكن المحققون منهم : معترفون بأن شيئا من ذلك غير مبرهن ، وإنما هو مأخوذ من الوحى وأقوال الأنبياء : كهرمس ، وعادميون ، وغيرهما من الأنبياء. أو التجربة ، ودوران الآثار الخاصة ، مع الاتصالات الخاصة وجودا ، وعدما.

وربما : كان ذلك عند الهنود والعرب ، مستفادا من خواص الكواكب. ولهم أقوال ، وأحكام مختلفة لا مستند لها ، ولا برهان عليها.

ونحن ننبه : على بطلان مآخذهم جملة ، ونبين وجه الضعف فى بعض أحكامهم تفصيلا. بحيث يتنبه الفطن منه على ضعف ما عداه ، وفساد ما سواه.

أما من جهة الجملة :

فهو أن استناد التأثيرات إلى ما قيل من الاتصالات : إما أن يكون مستفادا من التجربة ، أو (من) (٢) الوحى ، أو من خواص الكواكب على ما ذهبوا إليه.

فإن قيل بالاستقراء : فهو باطل ، وذلك لأن اتصال الكواكب السيارة ممتزج بالكواكب الثابتة ، والشكل الفلكى إذا رؤى فى وقت ، فإنه قد لا يعود فى عمر الرائى أكثر من مرة ، أو مرتين ، وربما لا يتكرر فى عمره البتة ؛ بل فى أعمار. وربما لا يعود دون تمام / الدور عندهم فى بعض الأحكام ؛ وذلك مما لا تتحقق معه التجربة.

وإن سلمنا العلم بتكرره : فقد لا يؤمن الانفكاك فى (٣) وقت آخر.

__________________

(١) ساقط من ب.

(٢) ساقط من أ.

(٣) فى ب (فى كل).

٢٧٠

وإن سلمنا عدم الانفكاك : فقد لا يؤمن حلول كوكب آخر مع ذلك الكوكب فى ذلك البرج ، وليس إضافة التأثير إلى أحدهما أولى من غيره.

(وإن) (١) سلمنا عدم غيره : فيمتنع (٢) إسناد التأثير إليه ؛ لأنه : إما أن يكون مؤثرا بذاته وطبعه ، وإما بالاختيار.

والأول (٣) : ممتنع (٣) ؛ لما سبق فى الرد على الطبيعيين (٤).

والثانى أيضا : ممتنع ؛ لأن الفاعل بالاختيار عندهم لا يكون إلا مع مماسة ، واتصال بما يفعله ، ولا مماسة واتصال بين العلويات ، والسفليات.

وإن سلم صحة إسناد الأثر إليه : فلا يلزم من عوده لزوم الأثر ؛ لاحتمال وجود معارض.

وإن سلم عدم المعارض : فالاحتمال عدم القابل السفلى.

وإن سلم وجود القابل : ولكن يمتنع إسناد الأثر إليه ؛ لما بيناه من كون الرب ـ تعالى ـ قادرا على كل (٥) الممكنات. وأنه يمتنع وجود خالق غير الله ـ تعالى.

وأما إن كان الاعتماد فى ذلك على خواص الكواكب : فقد بينا إبطاله فيما تقدم فى الرد على الطبيعيين (٦).

كيف : وأن اختلاف خواص الكواكب والبروج ، مما يوجب اختلاف طبائعها ؛ لاستحالة اختلاف الخواص مع التماثل فى الطبيعة ؛ وذلك يوجب كون الفلك مركبا من طبائع مختلفة. ولا يمتنع عليه مع ذلك الخرق ، والانحلال ؛ وهو مبطل لأصل علم الهيئة.

وإن كان المستند فى ذلك إنما هو الوحى وأقوال الأنبياء : فهو غير مسلم. ولا سبيل إلى إثباته. وبتقدير نقله آحادا ؛ قد لا يكون نصا قاطعا فى الدلالة بحيث يمتنع تأويله.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) فى ب (ولكن يمتنع).

(٣) فى ب (الأول ممنوع).

(٤) انظر ل ٢٢٠ / ب وما بعدها.

(٥) فى ب (جميع).

(٦) انظر ل ٢٢١ / أ.

٢٧١

وبتقدير ظهوره ؛ فهو معارض بما نقل فى الشريعة الظاهرة عن الرسول المعصوم ، وعلى لسانه : من الآيات الدالة على أنه لا خالق إلا الله ـ تعالى ـ كما أسلفنا ، وبما أوضحناه من الدليل العقلى ، والمستند القطعى. هذا من جهة الجملة.

وأما من جهة التفصيل :

فبأمور فى أحكامهم منها : أن أولى ما يعتمد عليه عند الحكم على المولود : إنما هو الطالع الرصدى ؛ وهو غير يقينى ؛ لأن الآخذ للطالع إذا أحس بانفصال الولد ؛ فلا بد عند أخذه للطالع بكوكب من الكواكب ، ومعرفته بدرجة الطالع. من أن يرصد عضادة الأصطرلاب بحيث يقع / ضوء ذلك الكوكب فى الثقب الأعلى من العضادة ، نافذا فى الثقب الأسفل منها فى ذلك الوقت. ومن وقت انفصال الولد إلى أن يقع على درجة ذلك الكوكب من البرج ، الّذي هو فيه يرتفع عن درجة الطالع وقت الانفصال : إما بدرجة ، أو أقل ، أو أكثر. وعند ذلك : فلا يحصل الوثوق بالحكم. هذا مع سلامة الآلات (١) التى بها أخذ الارتفاع ، وصحتها عن (٢) الأصطرلاب ، وذلك غير معلوم. وإذا كان كذلك فيما هو أولى بالاعتماد عليه : فما دونه من الطالع النمودارى : وهو ما يستخرجه المنجم من طالع المولود بعد ولادته عند ما (٣) إذا ذكر له وقت الولادة بالتقريب.

ولهذا : كان ما يخلف من أحكامهم أكثر من المصيب.

ومنها : أنا قد نصادف مولودين توأمين ، ولدا (٤) فى وقت واحد : وأحدهما فى غاية السعادة ، والآخر فى غاية الشقاوة : والطالع لهما واحد ، ولا يمكن أن يكون ذلك : بسبب ما بينهما من التفاوت فى وقت الولادة ؛ فإنه لو قدر التفاوت بزيادة درجة أو نقصانها ؛ فالحكم يكون (٥) على ما وصفناه. وإن كان التفاوت بمقدار الدرجة الواحدة : غير مؤثر فى تغيير أحكامهم باتفاق منهم.

ومنها : أنا قد نجد جما غفيرا ، وخلقا كثيرا ، لا يحويهم عدد يهلكون فى ساعة واحدة بقتل ، أو غرق طوفانى ، أو حريق ، أو هدم فى زلزلة. مع القطع باختلاف طوالعهم،

__________________

(١) فى ب (الآلة).

(٢) فى ب (عند).

(٣) فى ب (بحده بطريق الأولى عند ما).

(٤) فى ب (قد ولدا).

(٥) فى ب (قد يكون).

٢٧٢

وتفاوتها فى السعود ، والنحوس. ومن كان طالعه بالسعد فى ذلك الوقت : فكيف يغير حكمه الخاص بالحكم العام؟ وذلك مما لا مخلص لهم منه.

ومنها : أنهم أجمعوا : على أن المريخ يثير الحرارة ، واليبوسة ، وأجمعوا : على أنه من أنجم المطر ، والأنواء ، وهو جمع بين متناقضين.

ومنها : أنهم اتفقوا : على أن من كان طالعه الحوت ، أو القوس ، وكان المشترى صاحب البيتين فى درجة شرفه ، وانحطت عنه النحوس ؛ فإنه على رأى (١) المنجمين (١) يكون أسعد السعداء ، وأتقى الناس ، وأورعهم ، وأكثرهم ردا على المنجمين ، وإنكار ما عدا الشريعة.

والسعد الأكبر : وهو المشترى : لا يوجب لصاحبه رذيلة ، ولا صفة مذمومة. ولو كان التنجيم حقا ، والقول بالحكم فيه صدقا ؛ لكان صاحب ذلك الطالع كاذبا ، والكذب رذيلة ، وصفة ذم ؛ وذلك مما لا يقتضيه الطالع المفروض.

ومنها : اتفاقهم : على أن زحل أكبر / النحوس ، وهو مفيد عندهم للملك والرئاسة العظمى ، وأجل العلوم عندهم : وهى الفلسفة. وكون (٢) النحس مفيدا للسعد الأعظم ؛ غير معقول.

ومنها : إجماعهم : على أن الشمس محرقة لما يقارنها من الكواكب السيارة. ومدلول إحراقها لما تقارنه ؛ غير معقول. وذلك أن حمل الإحراق بالحرارة والخاصية : كإحراق النار لما يجاورها مما هو قابل للإحراق ؛ متعذر ؛ إذ الشمس عندهم ليست حارة.

وإن عنوا به : أنها بنورها تبهر نور الكوكب وتقهره ؛ فهو غير صحيح ؛ إذ الكواكب عندهم غير منيرة بنفسها ؛ بل مستنيرة من (٣) نور (٣) الشمس.

ولا يخفى : أن استنارتها بمقارنة الشمس لها. يكون أكثر منه عند عدم المقارنة. وإن عنوا بالإحراق عند المقارنة : بهر أبصار الناظرين فى العالم السفلى عن رؤية الكوكب ؛ فذلك مما لا يوجب تغير (٤) حكم (٤) العلويات.

__________________

(١) فى ب (رأيهم).

(٢) فى ب (فكون).

(٣) فى ب (بنور).

(٤) فى ب (تغيير الحكم).

٢٧٣

ثم يلزم : أن يكون ما لم ير عند طلوع الشمس نهارا ، لبهر نورها لأبصار الناظرين ، عن رؤية ما كان يرى من الكواكب ، بتقدير عدم طلوعها ؛ احتراقا لتلك الكواكب ؛ وليس كذلك.

وأيضا : فإن الشمس وكل كوكب من الكواكب السيارة مختص بمجراه فى فلكه لا يوجد معه (١) فيه (١) غيره ، وليست مقارنة الكوكب ، للكوكب عندهم اتصاله به اتصال مماسة ؛ بل معنى مقارنته له ، تحاذيهما على درجة من برج. بحيث يمكن أن يفرض بينهما خط مستقيم متصل. فإذا كانت مقارنة الشمس لبعض الكواكب : إنما هو بالمحاذاة (٢) ؛ فأى كوكب كان ناظرا إليها بتسديس ، أو تثليث ، أو تربيع ، أو مقابلة ؛ فهو محاذ لها. بحيث يمكن فرض خط مستقيم متصل فيما بينهما. فإذا (٣) كانت الشمس محرقة للكوكب بالمقارنة : أى بالمحاذاة ؛ فيجب أن تكون محرقة له بكل محاذاة تفرض ؛ وليس كذلك عندهم.

ومنها : قولهم فى الخسوف ، والكسوف :

أما خسوف القمر :

فإنهم زعموا : أن جرم الشمس أكبر من كرة الأرض بأضعاف كثيرة ، حتى أن الأوائل قدروا زيادتها على الأرض بمائة وأربعة وستين مرة.

وزعموا : أنه إذا انحطت الشمس فى الغرب امتد للأرض ظل على شكل مخروط صنوبرى ، ضرورة أن الشمس أكبر من الأرض ، ولا يزال مخروط ظل الأرض يمتد ، ويستدق إلى أن ينمحق. ولا يتعدى فلك / عطارد ، فإذا اتفق خطور القمر فى ذلك الظل من غير تيامن ، وتياسر ، بحيث يحجب عنه نور الشمس ؛ فهو خسوفه. وعلى حسب تولجه فى مخروط الظل تكون زيادة الخسوف ، ونقصه. ثم لا يزال القمر فى السير ، والظل فى الميل ، إلى حالة الانجلاء ، والعود إلى مقابلة الشيء من غير حاجز.

وزعموا : أن الكواكب الثابتة فى فلك البروج أيضا تكتسب نورها من الشمس : كاكتساب القمر.

__________________

(١) فى ب (مع).

(٢) فى ب (بالمحالات).

(٣) فى ب (فإن).

٢٧٤

فإذا قيل لهم : فلم لا تنكسف بحيلولة مخروط ظل الأرض بينها وبين الشمس؟

قالوا : لأن الظل ينمحق دون الوصول إليها.

فإذا قيل : ولم (١) قلتم بانمحاق مخروط الظل دونها؟

قالوا : لأنها لا تنكسف ؛ وهو دور ممتنع. ولا يتحقق لهم فيه جواب ؛ بل ولو قيل لهم : إن الكواكب الثابتة فى فلك البروج ، وكذلك زحل ، والمشترى ، والمريخ ؛ نيرة بأنفسها ؛ فلذلك لم تنكسف بمخروط الظل فى وصوله إليها ؛ لم يكن لهم جواب.

وأما كسوف الشمس :

فزعموا : أنه ستر القمر للشمس عن أبصارنا عند ما إذا اتفق جريان القمر فى الاجتماع على سمت جريان الشمس ، والّذي تراه مظلما حال اللون ، إنما هو القمر. وإلا فالشمس على نورها ، ومقدار الكسوف على حسب اختلاف مقابلة القمر للشمس وستره لها. ولهذا لا (٢) يعهد كسوف الشمس (٢) فى غير أيام الاجتماع ، والمقاربة.

ولو قيل لهم : كما أن القمر قد يقارن الشمس المقارنة السمتية ؛ فكذلك الزهرة ، وعطارد. فما بالهما لا يحجبان الشمس عن أبصارنا فى وقت المقارنة والاجتماع ، كما فى القمر ؛ لم يجدوا إلى الفرق سبيلا.

وأيضا : فإنهم حكموا بانتخاس الشمس عند كسوفها ، مع بقائها على حالها ، فإن كان الانتخاس إنما هو بانقطاع نورها عن عالمنا هذا ، وبالحاجز بينها وبين أبصارنا ؛ فيجب أن تكون منتخسة مهما غربت ؛ لتحقق هذا المعنى فيها ؛ وليس كذلك عندهم.

وهذا أيضا : لا جواب لهم عنه ، ويجب الاكتفاء بما نبهنا عليه من فساد أحكامهم ، وبطلان رسومهم ، وإلا فخبطهم كثير ، وهذيانهم طويل ، لا يليق الاستقصاء فيه بمثل هذا الكتاب.

__________________

(١) فى ب (فلم).

(٢) فى ب (لا كسوف للشمس).

٢٧٥

«الفرع السادس» فى الرد على الثنوية ، والمجوس

أما الثنوية (١) : فهم فرق خمس :

الفرقة الأولى : المانويّة (٢).

أصحاب مانى بن (فاتك) (٣) الحكيم الّذي ظهر فى زمن سابور / بن أردشير ، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور ، بعد مبعث عيسى عليه‌السلام.

ومعتقدهم : أن أصل العالم النور ، والظلمة ، وأنهما جسمان قديمان لم يزالا ، ولا يزولا ، حساسان (سميعان (٤) ، بصيران (٤)) وهما متضادان : فى الصورة ، والفعل ، متحاذيان فى الحيز ، تحاذى الشمس ، والظل ؛ وهما غير متناهيين. إلا من جهة التحاذى. وأن النور ، فوق الظلمة ، والعالم مركب (٥) ممتزج (٥) منهما ؛ لكن امتزاجهما هل وقع اتفاقيا ، أو بسبب؟ ؛ فذلك مما اختلفوا فيه ، ولهم فيه خبط كثير لا يليق ذكره هاهنا.

وزعموا : أن النور خير محض ، والظلمة شر محض ، وأن ما كان فى العالم من الخير ؛ فمن النور ، وما كان من شر ؛ فمن الظلمة. وهم معتقدون فى الشرائع ، والأنبياء. وأن أول مبعوث بالحكمة ، والنبوة ، آدم عليه‌السلام ، ثم شيث ، ونوح ، وإبراهيم ، وزرادشت ، والمسيح ، وبولس. ومحمد عليه‌السلام.

__________________

(١) انظر ما سبق فى هامش ل ١٧٤ / ب.

(٢) المانويّة : نسبة إلى مؤسسها مانى بن فاتك. وفاتك نشأ فى أذربيجان ، ثم انتقل إلى بابل ، ثم إلى دستميسان حيث عاش مع طائفة المغتسلة. وقد ولد مانى حوالى سنة ٢١٥ م. وقد أخبرت أمه بأنها كانت ترى أثناء حمله المنامات الحسنة ، وقد درس مانى فى بابل الأديان الفارسية القديمة ، والمسيحية ، والغنوصية. ولما بلغ الرابعة والعشرين ، زعم أن ملك النور أخبره بأنه (الفارقليط الّذي بشر به عيسى) وقد ذهب مانى إلى الهند والصين داعيا إلى دينه الجديد ، ثم عاد ثانية إلى خراسان ونشر مذهبه ؛ ولكن الزرادشتيين قاوموه ، وأثروا على شابور فأعدمه سنة ٢٧٢ م. أما عن آرائهم فانظر. (المغنى ٥ / ١٠ ـ ١٥ والملل والنحل ٢ / ٤٩ ـ ٥٤ ونشأة الفكر الفلسفى فى الإسلام ١ / ٢٤٨ ـ ٢٥١).

(٣) فى أ ، ب ، ج (ماين) وقد ورد فى جميع الكتب التى اطلعت عليها (فاتك).

(٤) ساقط من أ.

(٥) فى ب (ممتزج مركب).

٢٧٦

وكانوا يوجبون : فى اليوم والليلة ، أربع صلوات ، ويحرمون الزنا ، والقتل ، والسرقة ، والكذب ، والسحر ، والبخل ، وعبادة الأوثان إلى غير ذلك.

الفرقة الثانية : المزدكيّة (١).

أصحاب مزدك الّذي ظهر فى زمن أنو شروان ، وقتله أنو شروان. ومعتقدهم فى قدم النور ، والظلمة : كاعتقاد المانوية ، إلا أنهم يقولون : إن (٢) النور عالم حساس (٢) ، وأنه يفعل ما (٣) يفعل بالقصد. والاختيار ، بخلاف الظلام ؛ فإنه جاهل أعمى ، وأن ما يفعله بحكم الاتفاق ، والخبط ، وأن الامتزاج بينهما بالاتفاق ؛ وكذلك تخلص أحدهما من الآخر.

ومن مذهبهم : تحريم المخالفة (٤) ، والمباغضة ، والمقاتلة ، وإباحة الأموال ، والنساء ، والحكم باشتراك الناس فيها : كاشتراكهم فى الماء ، والكلأ.

الفرقة الثالثة : الدّيصانيّة (٥).

أصحاب ديصان : فمذهبهم فى النور ، والظلمة ، كمذهب المزدكية ، إلا أنهم يخالفونهم فى أن ما يحدث من الشّر كائن عن الظلام بطبعه ، لا بحكم الاتفاق.

الفرقة الرابعة : المرقونيّة (٦).

وقد وافقوا من تقدم ذكره : فى إثبات النور ، والظلام ، وخالفوهم فى إثبات أصل ثالث : وهو المعدل الجامع بين النور ، والظلمة ، وسبب المزاج بينهما ؛ ضرورة أنهما متضادان ، وامتزاج المتضادين لا يكون إلا بموجب للامتزاج.

__________________

(١) المزدكيّة : نسبة إلى مزدك. فارسى من نيسابور ، ولد سنة ٤٨٧ م وقتل فى سنة ٥٢٣ م. قال بالاثنين ، وأباح اشتراك الناس فى الأموال والنساء. وهذا ما دعى إلى إقبال الناس عليه. وقد دخل الإسلام فارس ، والمزدكية منتشرة فى بعض نواحيها. أما عن آرائهم فانظر (المغنى ٥ / ١٦ والملل والنحل ٢ / ٥٤ ـ ٥٥ ونشأة الفكر الفلسفى ١ / ٢٥١ ـ ٢٥٢).

(٢) فى ب (أن العلم إحساس).

(٣) فى ب (لما).

(٤) فى ب (المختلفة).

(٥) الدّيصانيّة : هم أصحاب ديصان الّذي ظهر قبل مانى ، ومهد له. أثبتوا أصلين نورا ، وظلاما : فالنور يفعل الخير قصدا ، واختيارا. والظلام يفعل الشر طبعا ، واضطرارا. وقد أدخل هرمنيوس بن ديصان رئيس الفرقة بعد أبيه مزيجا من الغنوصية ، والأفلاطونية ، والرواقية فى المذهب. وقد تأثر به بعض الإسلاميين. (الملل والنحل ٢ / ٥٥ ، ٥٦ والمغنى ٥ / ١٦ ، ١٧ ونشأة الفكر الفلسفى ١ / ٢٤٦ ـ ٢٤٨).

(٦) المرقيونيّة : أصحاب مرقيون ؛ أثبتوا أصلين قديمين متضادين ، أحدهما النور ، والثانى الظلمة ، أثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع ، وهو سبب المزاج. وكان مرقيون هذا ممن لقى بعض تلامذة المسيح ، وأخذ عنه.

(الملل والنحل ٢ / ٥٧ ، ٥٨ والمغنى ٥ / ١٧ ، ١٨).

٢٧٧

قالوا : وذلك الأصل دون النور فى المرتبة ، وفوق رتبة الظلمة.

ومنهم من قال : إن الامتزاج / إنما حصل بين المعدل ، والظلام ؛ لقربه منه ، وهؤلاء يرون إباحة كل ما فيه نفع لبدن الإنسان وروحه ، ويحرمون ذبح الحيوان.

الفرقة الخامسة : الكينونية (١).

وهؤلاء يزعمون : أن أصول العالم ثلاثة : النار ، والماء ، والأرض. وأن حدوث سائر الموجودات لا يكون إلا عنها ، وأن النار بطبعها خيرة ، والماء ضدها ، والأرض متوسطة.

فما كان من خير محض : فمن النار. وما كان من شر محض ؛ فمن الماء. وما كان متوسطا : فمن الأرض. وهؤلاء هم المعتقدون فى النار ، وعن مذهبهم : نشأ اتخاذ بيوت النيران فى البلدان ، وعبادتها تعظيما لها ؛ لكونها علوية نورانية ، لا وجود للعالم ولا بقاء له إلا بها. وهؤلاء حرموا النكاح ، والذبائح ، واعتكفوا على عبادة النيران ، ويسمون الصيامية أيضا.

وأما المجوس :

فقد اتفقوا أيضا على أن أصل العالم : النور ، والظلمة ، كمذهب الثنوية ، وقد اختلفوا وتفرقوا أربع (٢) فرق (٢).

الفرقة الأولى : الكيومرثيّة (٣).

أصحاب المقدم الأول كيومرث : وهو آدم عليه‌السلام ؛ لأنه أول من مرث الأرض. وهؤلاء أثبتوا أصلين : النور : وعبروا عنه بيزدان. والظلام : وعبروا عنه بأهرمن.

__________________

(١) الكينونية : ويقال لهم الصّياميّة ، والتّناسخيّة أيضا : وهم زعموا أن الأصول ثلاثة : النار ، والأرض ، والماء. وهم يتعصبون للنار. والصيامية منهم : أمسكوا عن طيبات الرزق ، وتجردوا لعبادة الله ـ أما التناسخية منهم : فقد قالوا بتناسخ الأرواح فى الأجساد.

(الملل والنحل ٢ / ٥٨ ، ٥٩ والمغنى ٥ / ١٨)

(٢) فى ب (فرقا أربعا).

(٣) الكيومرثيّة : أصحاب المقدم الأول كيومرث. ويبدو أن أول من نسب إليه ـ فى الأساطير الفارسية ـ القول بأصلى الوجود هو (كيومرث) وهو فى الأساطير آدم أول الخليقة ـ وقيل : إنه أول من بشر بالأصلين يزدان ، وأهرمن. وذهب إلى أن يزدان أزلى قديم ، وأهرمن محدث مخلوق. أما عن آرائهم فانظر (المغنى ٥ / ٧١ ـ ٧٩ والملل والنحل ٢ / ٣٨ ، ٣٩ ونشأة الفكر الفلسفى ١ / ٢٤٠ ، ٢٤١).

٢٧٨

وقالوا : يزدان قديم ، وأهرمن مخلوق من فكرة ردية حدثت ليزدان : وهو أنه لو كان لى منازع فى ملكى كيف يكون؟ ويزدان : أصل الخير. وأهرمن : أصل الشر.

الفرقة الثانية : الزّروانيّة (١).

زعموا : أن النور قديم ، وأنه أصل الموجودات ، وأنه أبدع أشخاصا من نور كلها روحانية ؛ لكن الشخص الأعظم منه واسمه زروان شك فى شيء من الأشياء فحدث منه أهرمن ، وهو الشيطان.

الفرقة الثالثة : المسخيّة (٢).

وهم الذين قالوا : إن النور كان وحده فى القدم ، ثم انمسخ بعضه ؛ فصار ظلمة.

الفرقة الرابعة : الزّرادشتيّة (٣).

أصحاب زرادشت : وهؤلاء زعموا : أن زرادشت كان نبيا ، وأنه كان يعتقد أن مبدأ العالم هو الله ـ تعالى ـ وأنه قديم أزلى ، وأنه خلق النور ، والظلمة متضادين ، ومزجهما لحكمة رآها. ومن امتزاجهما يكون العالم ، ولا يزالان فى التقاوم والتغالب : إلى أن يغلب الخير والشر ، والنور الظلمة ، ويتخلص الخير إلى عالمه ، وينحط الشر عنه ، وهو المعاد.

وربما زعموا : أن الله ـ تعالى ـ خلق النور أصلا ، ووقع الظلام تبعا له لا / بالقصد الأول : كاتباع الظل ، لوجود الشخص.

__________________

(١) الزّروانيّة : كانت تسود أيضا الأساطير الفارسية ، ويقال إنها عاصرت النبي سليمان بن داود ، وأنها قاومته مقاومة عنيفة. والزروانية عقيدة تشبه الكيومرثية. غير أنها صورت نشأة الموجودات فى صورة أخرى. فقررت أن النور أبدع أشخاصا ، وأن أعظمها زروان الّذي فكر فى نفسه ؛ فحدث منه أهرمن ، أو الشر. أما عن آرائهم (فانظر الملل والنحل ٢ / ٣٩ ـ ٤١ ونشأة الفكر الفلسفى ١ / ٤١ ، ٤٢).

(٢) المسخيّة : وهى إحدى فرق الزروانية غير أنها قالت إن النور كان وحده ، ثم انمسخ بعضه ؛ فصار ظلمة (انظر الملل ٢ / ٤١).

(٣) الزرادشتية : نسبة إلى زرادشت الّذي عاش فى منتصف القرن السابع قبل ميلاد المسيح ، وتوفى على الأرجح سنة ٥٨٣ ق. م وأبوه : كان من آذربيجان ويسمى يورشب. وأمه من الرى واسمها : دغدوية.

وقد انتقل زرادشت إلى فلسطين ، واستمع إلى بعض أنبياء بنى إسرائيل من تلاميذ النبي أرميا ، ثم عاد إلى أذربيجان. والزرادشتية هى التى أثرت فى حضارة فارس ، وكانت الدين الرسمى لها عند فتح المسلمين لها ؛ بل إنه عاصر الإسلام وما زال حتى يومنا هذا تحت اسم الدين البارسى. والبهائية يعترفون به ، ويزعمون أنه : وردت فى الزند افسته ـ كتاب الزرادشتية ـ بشارات بالبهاء والباب. أما عن آرائهم فانظر (الملل والنحل ٢ / ٤١ ـ ٤٩ ونشأة الفكر الفلسفى ١ / ٢٤٢ ـ ٢٤٦).

٢٧٩

ومن مذهب هؤلاء : الإيمان بالله ، والكفر بالشيطان ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، واجتناب الخبائث.

ولكل فريق من فرق الثنوية ، والمجوس : تفاريع فى مذاهبهم ، واختلاف كثير ، وهذيان طويل ، خارج عن خصوص مقصدنا فى الرد عليهم هاهنا. آثرنا الإعراض عن ذكره ؛ إذ هو أليق بالتواريخ ، والتنبيه على فساده لتناهيه فى الخلل ، وسهولة معرفته عند الاطلاع على أقوالهم لمن لديه أدنى معرفة وتحصيل.

والطريق فى الرد على الثنوية (١) أن يقال :

قولكم : إن النور ، والظلمة جسمان ؛ ليس كذلك ؛ بل هما عارضان للأجسام بدليل أمور خمسة :

الأول : أن الجسم قد يوصف بالنور ، والظلمة فيقال : جسم منير ، وجسم مظلم ، والصفة غير الموصوف.

الثانى : أن الأجسام غير متضادة ، والنور ، والظلمة ؛ متضادان.

الثالث : أن الأجسام مستوية فى الحد ، والحقيقة ، ولا كذلك النور ، والظلمة.

الرابع : أن النور ، والظلمة يتعاقبان على الجسم الواحد : وبعد كل واحد منهما الآخر ، مع بقاء الجسم بحاله.

الخامس : هو أنه لا معنى للنور غير (٢) الشعاع. والشعاع : ليس بجسم على ما تقدم فى الإدراكات. والظلمة : فلا (٣) معنى لها إلا أنها عدم النور فيما من شأنه أن يكون مستنيرا ؛ على ما تقدم فى مسألة الرؤية.

وإن سلمنا أنهما جسمان : ولكن لا نسلم قدمهما ؛ وذلك لأن كل جسم مركب ، فيكون مفتقرا إلى أجزائه ، والمفتقر إلى غيره ؛ لا يكون واجبا لذاته ؛ بل ممكنا كما سلف بيانه ، وسنبين (أيضا) (٤) حدوث كل موجود ممكن فيما بعد (٥).

__________________

(١) قارن بالمغنى للقاضى عبد الجبار ٥ / ٢٢ ـ ٧٠.

(٢) فى ب (إلا).

(٣) فى ب (لا).

(٤) ساقط من أ.

(٥) انظر الجزء الثانى ص ٣٠٢ وما بعدها.

٢٨٠