🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
🚘 نسخة غير مصححة

وأما النقض بالقدرة : فمندفع ، فإن كل ما ذكرناه فى استحالة وجود إلهين من جهة تعلق إرادتيهما بمرادين متقابلين فمطرد فى تعلق قدرتيهما بمقدورين متقابلين.

المسلك الرابع :

أنا لو قدرنا وجود إلهين ، فإما أن يتفقا من كل وجه ، أو يفترقا من كل وجه ، أو يتفقا من وجه ويفترقا من وجه.

لا جائز أن يقال بالأول ، والثانى : لما تقدم فى المسلك الّذي قبله.

وإن كان الثالث : فلا بد وأن يكون بين ما به الاشتراك والافتراق ملازمة فى كل واحد منهما ، وإلا لجاز افتراقهما / وخرج كل واحد منهما عن حقيقته.

وعند ذلك : فإما أن يكون ما به الاشتراك مستلزما لما به الافتراق ، أو ما به الافتراق مستلزما لما به الاشتراك ، أو أن كل واحد منهما مستلزم للآخر.

لا جائز أن يقال بالأول : وإلا كان ما به الاشتراك مستلزما فى كل واحد منهما ما وقع به الافتراق بينهما ؛ ضرورة اتحاد (١) المستلزم ، ويلزم من ذلك امتناع وقوع الافتراق ؛ وهو خلاف الفرض.

ولا جائز أن يقال بالثانى : وإلا فالأمران اللذان بهما الاختلاف :

إما أن يستقل كل واحد منهما باستلزام المعنى المتحد ، أو أحدهما دون الآخر ، أو أنه لا استقلال لكل (٢) واحد منهما ، دون الآخر.

فإن كان الأول : فلا معنى لكون كل واحد (٣) [مستقلا بالاستلزام إلا أنه مستلزم له وحده دون غيره ، وفى استقلال كل واحد] (٣) منهما ؛ بطلان استقلال كل واحد منهما ؛ وهو محال.

وإن كان الثانى : فما به الافتراق فى الآخر لا ملازمة بينه ، وبين ما به الاتحاد فيه ، وهو ممتنع كما سبق.

__________________

(١) فى ب (فى اتحاد).

(٢) فى ب (بكل).

(٣) من أول (مستقلا بالاستلزام ... الى كل واحد) ساقط من أ.

١٠١

وإن كان الثالث : فما به الاتحاد فى كل واحد من الإلهين يتوقف تحققه فيه على اجتماع ما به الافتراق بين الإلهين فيه ، وإلا فلا تحقق له فيه ؛ لعدم استقلال أحد المختلفين بالاستلزام ، ويلزم من ذلك عدم الافتراق بينهما ؛ وهو خلاف الفرض.

وأما إن قيل بالقسم الثالث : وهو الاستلزام من الجانبين ؛ فهو محال لما سبق فى القسمين الأولين ؛ إذ هو مركب منهما.

واعلم أن هذا المسلك وإن دق النظر فيه ، وحسن تحريره ؛ فإنما يلزم أن لو كان ما به الاتفاق ، والافتراق فى الإلهين وجوديا ، وبتقدير أن يكون ما به الافتراق وجوديا ، وهما مفترقان به لذاتيهما ، وما به الاتفاق سلبى : وهو عدم الافتقار إلى العلة كما سبق فى المسلك الأول تقريره ؛ فهو غير لازم ، وإلا لما تصور وجود مختلفين أصلا ؛ ضرورة أنهما لا بد من اتفاقهما فى سلب غيرهما عنهما ؛ وهو محال مخالف للعقل والحس.

ثم وإن سلمنا أن ما به الاتفاق أمر وجودى ، غير أنه يلزم مما قيل من البرهان أن لا توجد الأنواع المختلفة بذواتها ، المتفقة بأمور ثبوتية عامة لها ؛ وذلك كالسواد ، والبياض ؛ اذ هما وجوديان ، وهما مختلفان لذاتيهما ، ومتفقان باللونية ، وكذلك الإنسان ، والفرس ، وسائر الأنواع ، وما لزم من القول به أمر محال ؛ فيكون لا محالة فاسدا فى نفسه من جهة الجملة ، وإن لم يكن فساده مفصلا.

المسلك الخامس :

لو قدرنا وجود إلهين لكل واحد [منهما] (١) من صفات الإلهية ما للآخر فهما مثلان (٢) ؛ لاشتراكهما فى أخص صفة نفس أحدهما.

وعند ذلك : فلو قدرنا جوهرا حدث : فإما أن يستند فى حدوثه إلى أحدهما / دون الآخر ، أو إليهما ، أو لا إليهما.

لا جائز أن يقال بالأول ؛ إذ ليس إضافته إلى ما أضيف إليه أولى من الآخر لتماثلهما.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) فى ب (متلازمان).

١٠٢

ولا جائز أن يقال بالثانى : لأنه لا يخلو : إما أن يكون كل واحد مستقلا بإيجاده ، أو لا استقلال لأحدهما دون الآخر.

فإن كان الأول : فهو محال ؛ لما سبق فى المسلك الّذي قبله.

وإن كان الثانى : فهو مقدور واحد بين قادرين ؛ وهو محال ؛ لأن إحداث كل واحد منهما له إنما هو بالقدرة ، والإرادة كما (١) يأتى لا بالذات (١).

وعند ذلك : فإما أن يقصد كل واحد منهما إيجاد الكل ، أو البعض ، أو بعض الإيجاد ، فإن قصد كل واحد منهما إيجاد الكل ؛ فهو محال ؛ لتعذر استقلاله به كما وقع به الفرض. فإن قصد إيجاد بعض المقدور ؛ فلا بعض له على ما وقع به الفرض ، وإن قصد بعض الإيجاد ؛ فهو متعذر ؛ لتعذر وقوع بعض الإيجاد بقصده.

وإن لم يستند إليهما ، ولا إلى أحدهما : فإما أن يحدث بنفسه ، أو بمحدث آخر.

لا جائز أن يقال بالأول ؛ لما سبق فى مسألة (٢) إثبات واجب الوجود.

ولا جائز أن يقال بالثانى : وإلا فذلك المحدث : إما إله آخر ، أو غير إله.

فإن كان إلها : فالكلام فيه كما تقدم فى القسم الأول.

وان لم يكن إلها : فسنبين أنه لا خالق غير الإله تعالى.

كيف وأن الكلام مفروض فيما لو لم يحدث غير ذلك الجوهر ، ويلزم من ذلك امتناع الحدوث ؛ وهو محال.

وهذه المحالات إنما لزمت من فرض وجود إلهين ؛ فهو محال.

ولقائل أن يقول :

لا نسلم أنه يلزم من اشتراك الإلهين فى صفات الإلهية تماثلهما ؛ لجواز أن يختلط بذاتيهما ، وهما مشتركان فيما فرض من اللوازم العامة لهما.

وعند ذلك فلا يمتنع إسناد الحدوث إلى أحدهما دون الآخر ؛ إذ لا تماثل حتى يقال لا أولوية.

ولا خفاء بأن بيان التماثل مما لا سبيل إليه.

__________________

(١) فى ب (لا بالذات كما يأتى).

(٢) راجع ما سبق فى النوع الأول ـ المسألة الأولى : فى إثبات واجب الوجود لذاته ل ٤١ / أوما بعدها.

١٠٣

ثم وإن سلمنا التماثل. غير أن الحدوث غير مستند إلى ذات الإله ، وطبعه ؛ بل إلى القدرة والاختيار.

وعند ذلك : فلا يمتنع قصد أحدهما لتخصيصه ، دون الآخر.

وإن تمسك المعتزلة بهذا المسلك ؛ فقد ناقضوا أصلهم فى القول بامتناع اختصاص أحد المتماثلين بحكم لا وجود له فى الآخر ؛ حيث زعموا : أن الإرادة القائمة لا فى محل ؛ مماثلة للإرادة القائمة فى محل مع اختلافهما فى حكم افتقار إحداهما إلى المحل دون الأخرى. /

وكذلك حكموا بتماثل العلم والجهل ، مع افتراقهما فى صفتيهما ، وبتماثل الأعراض التى لا بقاء لها مع اختلافها باختصاص كل واحد منها بزمن لا يوجد فيما قبله ولا بعده ، إلى غير ذلك.

وناقضوا أصلهم أيضا : فى امتناع مقدور واحد بين قادرين. حيث قالوا : بجواز تولد فعل واحد من اعتمادين صادرين عن قادرين ، ويلزم أن يكون فعلا لكل واحد منهما.

المسلك السادس :

أنا لو فرضنا وجود إلهين لكل واحد منهما من صفات الإلهية ما للآخر ، ولم ينفصل أحدهما عن الآخر بزمان ، ولا مكان ، ولا بصفة من الصفات ، ولا بعلم يميز أحدهما عن الآخر بصدور الفعل ؛ فإنه ما من فعل إلا ويجوز صدوره من كل واحد منهما. وكل موجودين لا يمكن التوصل إلى تمييز أحدهما عن الآخر ؛ فالعلم بهما يكون ممتنعا

وهذه الطريقة مما اعتمد عليها حذاق المعتزلة (١) ، وبعض أصحابنا ؛ وهى بعيدة عن التحصيل ؛ فإنه وإن قدر عدم امتياز أحدهما عن الآخر بالصفات الزائدة على ذاتيهما ؛ فلا يمتنع التمايز بالنظر إلى ذاتيهما ، ويكون الاختلاف بينهما لذاتيهما. وإن اشتركا فى الصفات العامة لهما.

__________________

(١) لتوضيح رأى المعتزلة فى الوحدانية بالتفصيل :

انظر شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار ص ٢٧٧ ـ ٢٩٨ والمحيط بالتكليف له ص ٢١٧ ـ ٢٢٨ والمغنى فى أبواب التوحيد والعدل له أيضا الجزء الرابع ص ٢٤١ ـ ٣٤٦ والجزء الخامس ص ٩ ـ ١٥٩.

١٠٤

ثم وإن سلم امتناع التوصل إلى التمييز بالدليل ؛ فلا يلزم امتناع العلم بالتمييز ؛ لجواز خلق العلم الضرورى بذلك. وإن سلمنا امتناع العلم بذلك مطلقا ؛ ولكن لا يلزم من امتناع العلم بتمييز أحدهما عن الآخر ، امتناع وجودهما فى نفس الأمر ؛ فإن انتفاء العلم بالشيء لا يدل على عدمه فى نفسه.

المسلك السابع :

لو (١) قدر (١) وجود إلهين لم يخل : إما أن يقدر كل واحد منهما على نصب دلالة تختص بالدلالة عليه ، أو لا يقدر على ذلك ، أو يقدر أحدهما دون الثانى.

لا جائز أن يقال بالأول : إذ الدال على الصانع إنما هو صنعه ، ولا يتصور وجود صنع يعلم اختصاصه بأحدهما.

ولا جائز أن يقال بالثانى : وإلا فهما عاجزان ، والعاجز لا يكون إلها كما تقدم.

فلم يبق إلا الثالث : وهو أن يكون أحدهما قادرا ، والآخر عاجزا. والعاجز ليس بإله ، والقادر هو الإله ، فلا تعدد فى الآلهة.

وهذا المسلك أيضا مما اعتمد عليه بعض أصحابنا والمعتزلة ، وهو ضعيف أيضا. فإنا إذا (٢) فرضنا وجود إلهين ، وقدرنا استحالة قدرة / كل واحد منهما على نصب دلالة عليه تخصه ـ بما سبق تقريره فى القسم الأول ـ فلا يكون كل واحد منهما عاجزا مع فرض استحالة المقدور عليه. ولهذا فإن الإله لا يوصف بكونه عاجزا عن الجمع بين الضدين ، وإيجاد المحالات.

وعلى هذا فلا يلزم مما ذكروه خروج كل واحد منهما عن الإلهية.

وإن شئت قلت : إما أن يكون نصب الدلالة الخاصة بكل واحد منهما ممكنة ، أو غير ممكنة.

فإن كانت ممكنة : فقد بطل ما ذكروه فى تقرير القسم الأول.

__________________

(١) فى ب (أنا لو قدرنا).

(٢) فى ب (لو).

١٠٥

وإن لم تكن ممكنة : فلا يكون الإله موصوفا بالعجز عن إيجاد ما ليس بممكن كما تقرر. وبه إبطال ما قيل فى القسم الثانى.

وربما انفردت المعتزلة بمسلك آخر بناء على أصلهم فى أن الله ـ تعالى ـ مريد بإرادة حادثة لا فى محل.

قالوا (١) : فلو (١) قدرنا وجود إلهين ، فالإرادة الحادثة لا اختصاص لها بأحدهما دون الآخر.

وعند ذلك : فيلزم أن يكون كل واحد منهما مريدا بتلك الإرادة ، ويلزم من ذلك أن تكون العلة الواحدة موجبة لحكمين فى محلين ؛ وهو محال ، ولهذا يمتنع أن يكون العلم الواحد موجبا لعالميتين فى محلين مختلفين. وبطلان هذا المسلك أظهر من حيث أنهم بنوه على كون الإله (٢) تعالى مريدا بإرادة حادثة لا فى محل ، وقد سبق بطلانه (٣).

ثم وإن سلم ذلك ؛ ولكن لم قالوا : بامتناع إيجاب العلة لحكمين فى محلين؟ وما ذكروه من الاستشهاد بالعلم فلو قال قائل : إنما امتنع عليه ذلك لاشتراط قيامه بمحل الحكم ، وامتناع قيامه بمحلين بخلاف الإرادة ؛ لم يجد (٤) إلى دفعه سبيلا.

حتى أنه لو قيل بجواز وجود علم لا فى محل كما قيل فى الإرادة ؛ لما كان ذلك عليه ممتنعا.

وإن سلمنا دلالة ما ذكروه على امتناع إيجاب العلة لحكمين فى محلين ، غير أنه ينتقض على أصولهم بالفناء المضاد للجوهر ؛ فإنه مخلوق لا فى محل على أصلهم. ومع ذلك يوجب كون كل جوهر فانيا مع عدم اختصاصه بواحد من الجواهر.

وعلى هذا فإذا (٥) كانت الطرق العقلية الدالة على الوحدانية مضطربة غير يقينية.

فالأقرب فى الدلالة. إنما هو الدلالة السمعية على ما ذهب إليه حذاق المعتزلة. وذلك قوله ـ تعالى ـ : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) (٦) ووجه الاحتجاج به. أنه

__________________

(١) فى ب (وهو أن قالوا لو).

(٢) فى ب (البارى).

(٣) انظر ل ٦٩ / ب وما بعدها.

(٤) فى ب (يجدوا).

(٥) فى ب (فإن).

(٦) سورة الأنبياء ٢١ / ٢٢.

١٠٦

أخبر بلزوم الفساد من تقدير وجود الآلهة ولا فساد ، ويلزم من انتفاء اللازم / انتفاء الملزوم.

فإن قيل : وإن سلمنا أن لله ـ تعالى ـ كلاما [على (١) ما (١)] أثبتموه فى الصفات ؛ ولكن لا نسلم أن خبره يجب أن يكون صدقا. ولا سيما على أصلكم ؛ حيث قلتم إن الكذب غير قبيح لعينه ، وذاته. وإذا لم يكن قبيحا لعينه ؛ فما المانع منه؟ وبتقدير عدم الصدق ؛ فلا ملازمة بين الآلهة والفساد.

سلمنا أن كلام الله النفسانى يجب أن يكون الخبر منه صادقا (٢) ؛ ولكن ما ذكرتموه دليلا ، ليس من الكلام النفسانى فى شيء.

فلئن قلتم : إلا أنه من الكلام الدال على الكلام النفسانى ، فغير مسلم ولا بد من إثباته.

سلمنا أنه من الكلام الدال على الكلام القديم النفسانى ؛ ولكن لا نسلم أنه يجب أن يكون الخبر منه صدقا ، وإن كان مدلوله صادقا (٣).

سلمنا أنه [صادق] (٤) ؛ لكنه أخبر عن لزوم الفساد عن وجود الآلهة بتقدير أن يكونوا (٥) أصناما كما كان معتقد الجاهلية أم لا؟ الأول : مسلم. والثانى : ممنوع.

ويدل عليه قوله ـ تعالى ـ فى صدر الآية (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ) (٦) : أى أصناما.

وعند ذلك : فلا يلزم من لزوم الفساد بتقدير أن تكون الآلهة أصناما ، لزوم الفساد من كل آلهة.

سلمنا لزوم الفساد من مطلق الآلهة ؛ ولكن بتقدير الاختلاف ، أو لا بتقدير الاختلاف. الأول : مسلم. والثانى : ممنوع.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) فى ب (صدقا).

(٣) فى ب (صدقا).

(٤) ساقط من أ.

(٥) فى أ (يكون).

(٦) سورة الأنبياء ٢١ / ٢٢.

١٠٧

ولهذا فإنا لو قدرنا تعدد الآلهة من غير اختلاف ، لم يكن الفساد لازما ، وغاية ما يلزم من انتفاء الفساد ، انتفاء الآلهة المختلفة. ولا يلزم منه انتفاء الآلهة مطلقا ، بتقدير أن تكون متفقة.

سلمنا لزوم الفساد مطلقا ؛ ولكن حالا ، أو مالا؟ الأول : ممنوع ، والثانى مسلم.

ولهذا فإنه لو قال القائل : لو جاء زيد لجاء عمرو ؛ فإنه لا يدل على تعقب مجىء عمرو لمجيء زيد ، فإن حرف لو ليس للتعقيب ، بخلاف الفاء.

وعلى هذا : فلم قلتم بانتفاء الفساد مآلا؟

سلمنا لزوم الفساد حالا ، ولكن من وجود آلهة هى فى السماء والأرض ، أو مطلقا؟ الأول : مسلم. والثانى : ممنوع. ويدل عليه قوله ـ تعالى ـ (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ) (١) : أى فى السماء والأرض. كما قاله أهل التفسير.

وعند ذلك : فلا يلزم من انتفاء الآلهة فى السماء والأرض ، انتفاء آلهة ليست فى السماء ، ولا فى الأرض.

سلمنا لزوم الفساد عند وجود آلهة غير الله ـ تعالى ـ مطلقا ؛ ولكن يحتمل أن يكون الفساد لازما عند وجود آلهة غير الله ـ تعالى ـ لوجودهم فقط. ويحتمل أن يكون ذلك لاجتماعهم مع الله ـ تعالى ـ فبالتقدير الأول : يلزم من نفى / الفساد نفى آلهة غير الله ـ تعالى ـ وبالتقدير الثانى : يلزم نفى الاجتماع. وكما أن نفى الاجتماع يتحقق بنفى آلهة غير الله ؛ فيتحقق بنفى الإله ، ووجود ما سواه من الآلهة ، وليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر ؛ فلا بد لكم من دليل اليقين.

سلمنا لزوم الفساد لخصوص وجود آلهة غير الله ـ تعالى ـ ولكن لم قلتم بعدم الفساد؟ وذلك لأن فساد الشيء قد يكون بفساد تركيبه ووضعه ، واختلال مقصوده.

وعند ذلك : فمن الجائز أن يكون تركيب السماء والأرض ووضعهما فاسدا بالنظر إلى تركيب آخر ، ووضع آخر فى علم الله ـ تعالى ـ وإن كنا نظن عدم الفساد فيهما.

سلمنا أنها غير فاسدة ؛ ولكن إنما يلزم من عدم الفساد ، انتفاء (٢) ما جعل ملزوما للفساد ؛ وذلك هو وجود آلهة. ولا يلزم من انتفاء آلهة. أن لا يكون ثم إله آخر مع الله ـ تعالى ـ.

__________________

(١) سورة الأنبياء ٢١ / ٢٢.

(٢) فى ب (وانتفاء).

١٠٨

كيف وأن مفهوم الآية يدل على وجود إله آخر مع الله ـ تعالى ـ حيث خصص الآلهة بالدلالة على انتفائها ، ولو كان الإله الثانى مساويا للآلهة فى الحكم ؛ لما كان التخصيص مفيدا.

سلمنا دلالة ما ذكرتموه على انتفاء الشركة فى الإلهية مطلقا. غير أنه معارض بما يدل على وجود آلهة.

وبيانه : أنا قد صادفنا فى العالم خيرا ، وشرا ، وكل واحد منهما يدل على مريد له ، ومريد الخير لا يكون مريدا للشر ، ومريد الشر لا يكون مريدا للخير ، واختلاف المرادات (١) يدل على اختلاف المريدين.

والجواب :

أما السؤال الأول : فمندفع ، لما سبق فى مسألة امتناع الكذب (٢) على الله ـ تعالى.

وقولهم : لم قلتم إن ما ذكرتموه من الكلام هو الدال على كلام الله ـ تعالى ـ النفسانى؟

قلنا : لأنه قد علم بالتواتر القاطع فى كل عصر إلى وقتنا هذا عن النبي ـ عليه‌السلام ـ المصدق بالمعجزة القاطعة ـ على ما سيأتى فى النبوات (٣) ـ إخباره عن القرآن الوارد على لسانه أنه كلام الله ، والأمة من المسلمين قاطبة مجمعة عليه ، وأن هذه الآية منه ، وكلام الله : إما كلامه القائم بنفسه ، أو الدال على كلامه القائم بنفسه ، وليست هذه الآية من الكلام النفسانى ؛ فكانت من الكلام الدال على ما فى النفس.

قولهم : لم قلتم إنه يجب أن يكون صادقا؟

قلنا : لما سلف أيضا.

قولهم : أخبر عن الفساد بتقدير أن تكون الآلهة (٤) أصناما أم لا؟

قلنا : الآية أخبرت عن لزوم الفساد بتقدير أن يكون فيهما آلهة مطلقا / فبتقدير كون الآلهة أصناما إضمار فى اللفظ ما ليس فيه ؛ وهو ممتنع من غير دليل.

__________________

(١) فى ب (الحوادث).

(٢) انظر ل ١٦٥ / ب.

(٣) انظر الجزء الثانى ـ القاعدة الخامسة ل ١٣٠ / أوما بعدها.

(٤) فى ب (آلهة).

١٠٩

نعم غايته أن الآية وردت بسبب اتخاذ الأصنام آلهة. غير أن الاعتماد على دلالة اللفظ الوارد لا (١) على خصوص السبب.

كيف وأنه يمتنع الحمل على الآلهة بتقدير أن يكونوا (٢) أصناما ، فإنه أخبر عن لزوم فساد السماء والأرض بهم ، وذلك غير لازم من وجود آلهة يكونون أصناما.

قولهم : الفساد لازم بتقدير الاختلاف ، أو لا بتقدير الاختلاف.

قلنا : الآية مخبرة عن لزوم الفساد بتقدير وجود آلهة فيهما مطلقا ؛ فيجب اعتقاد ملازمة الفساد بتقدير وجود الآلهة مطلقا. ثم الاختلاف : إما أن يتوقف عليه الفساد ، أو لا يتوقف. فإن توقف عليه الفساد ؛ فيجب اعتقاد ملازمة الاختلاف لوجود الآلهة مطلقا. حذرا من تعطيل دلالة اللفظ.

وإن لم يتوقف عليه الفساد ؛ فالسؤال مندفع من أصله.

قولهم : الفساد لازم حالا ، أو مآلا.

قلنا : الآية إنما وردت تقريعا لمن اعتقد إلها غير الله ـ تعالى ـ واحتجاجا على إبطال معتقده باتفاق الأمة ، وأهل التفسير ؛ فلو كان الفساد لازما مآلا ، لا حالا ؛ لم يكن التقريع والاحتجاج على إبطال ما اعتقدوه صحيحا ؛ إذ كان للمحتج عليه أن يقول : فالفساد لازم مآلا ، لا حالا.

قولهم : الفساد لازم من وجود آلهة فى السماء ، والأرض.

قلنا : الآية إنما وردت لبيان امتناع وجود آلهة غير الله ـ تعالى ـ تقريعا لمعتقد ذلك كما سبق.

وإنما يتم التقريع والدلالة أن لو حمل ذلك على الآلهة مطلقا غير أنه أضاف الآلهة إلى السماء والأرض نظرا إلى اعتقاد الجاهلية لذلك ، كما قال الله ـ تعالى ـ (أَيْنَ شُرَكائِيَ) (٣) وليس المراد بذلك تثبيت الشركاء ؛ بل ذكر ذلك نظرا إلى اعتقاد

__________________

(١) فى ب (على).

(٢) فى ب (يكون).

(٣) سورة النحل ١٦ / ٢٧.

١١٠

المخاطب. وكذلك قوله عليه‌السلام للجارية الخرساء : «أين الله؟» على ما سبق تحقيقه (١) فى مسألة إبطال الجهة ، ويدل على ذلك قوله تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ) (٢) ؛ فإنه يشعر بجواز أن يكون الله ـ تعالى ـ فى السماء ، والأرض.

ولهذا فإنه لو قال القائل : لو كان فى البلد عالم غير زيد لكان أصلح ؛ فإنه يشعر بكون زيد عالما ، وبجواز كونه فى البلد. ولو لم يكن زيد عالما ، ولا جائز الوجود فى البلد ، لم يكن الكلام صحيحا ، ولا من لغة العرب. ولا يخفى امتناع كون الرب / ـ تعالى ـ فى السماء والأرض ـ على ما سبق ـ غير أنه ذكر ذلك نظرا إلى اعتقاد المخاطبين لا غير

قولهم : يحتمل أن يكون الفساد لازما من اجتماع آلهة غير الله ـ تعالى ـ مع الله كما قرروه.

قلنا : الآية ظاهرة فى الإخبار عن لزوم الفساد ، من تقدير آلهة غير الله ؛ فإضافة الفساد إلى الجمعية مع الله ـ تعالى ـ تقدير زيادة على ما أضيف الفساد إليه ، من غير دليل ؛ فيمتنع.

قولهم : لم قلتم بعدم الفساد؟

قلنا : عنه أجوبة ثلاثة :

الأول : أن المراد من قوله ـ تعالى ـ (لَفَسَدَتا) : أى لخربتا على ما ذكره أهل التفسير ، وخراب (٣) السماء والأرض على ما هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الخراب ، وهو انحلال التركيب ، وانفصال أجزاء التأليف ، واختلال الأحوال.

ولا يخفى أن السماء ، والأرض ، وما هما عليه من التأليف والتركيب ، غير منحل ولا مضطرب ، وما هو عليه من الأحوال من سير الكواكب والأفلاك ، وشرق النيرات ، وغروبها ، وصعودها ، وهبوطها ، ولزوم الفصول لها فى أوقاتها ، وجميع ما يلازمها من الآثار العلوية والسفلية ، فعلى غاية الاعتدال ، وحسن (٤) النظام فى نظر كل عاقل متبحر ، حتى

__________________

(١) فى ب (تقريره فى). انظر ل ١٥٤ / ب.

(٢) سورة الأنبياء ٢١ / ٢٢.

(٣) فى ب (أو خراب).

(٤) فى ب (وأحسن).

١١١

أنه لو أراد مريد تقرير حالة للسماء والأرض فى أكمل مما هى عليه ؛ لقد كلف نفسه شططا. والاحتجاج إنما يكون بما هو مفهوم ، لا بما هو غير مفهوم.

الثانى : أن الآية على ما سبق ـ إنما وردت لتقريع من اعتقد آلهة غير الله ـ تعالى ـ فلو كان الفساد حاصلا ؛ لكان ذلك تقريرا ، لا تقريعا.

الثالث : أن حرف لو فى اللغة مشعر بامتناع الشيء ، لامتناع غيره. لا بوجود الشيء لوجود غيره ، وفى القول بتحقيق الفساد قلب الواجب.

قولهم : لا يلزم من ذلك انتفاء الشريك الواحد ، وإن لزم منه انتفاء الشركاء.

قلنا : الآية حجة فى انتفاء آلهة غير الله ـ تعالى ـ بلفظها وهى حجة فى نفى الشريك الواحد بالنظر إلى معناها ؛ لأن انتفاء الآلهة ، إنما كان لازما من انتفاء لازمه ، وهو الفساد اللازم من الاختلاف بينهم ، فالواحد منهم لو قدر منفردا عنهم مع الله ـ تعالى ، لكان من جملة المخالفين ؛ فيكون الفساد لازما له أيضا ، ويلزم انتفاؤه من انتفاء لازمه.

قولهم : الآية تدل على وجود إله غير الله ـ تعالى ـ نظرا إلى المفهوم.

قلنا : لا نسلم أن المفهوم حجة. وإن سلمنا أنه حجة ، فلا يقع فى معارضة معنى المنطوق.

/ وما ذكروه من المعارضة بالمعنى عنه جوابان :

الأول : أن الاستدلال على وجود الإله ، إنما هو مستند إلى حدوث الجائزات ، وافتقارها إلى المرجح من حيث هى جائزة ، ولا اختلاف بينها فيه ، والفاعل لها إنما يزيدها من جهة حدوثها ووجودها ، والوجود من حيث هو وجود ، ليس بشر حتى يمتنع صدوره عن مريد الخير ؛ بل الشر إما عدم ذات ، أو كمال ذات ، كما يقول الفلاسفة. أو عبارة عن مخالفة الأعراض ، كما يقوله المتكلم ، وليس ذلك من باب الإحداث ، والإيجاد فى شيء ؛ فلا يكون مراد الوجود ، والحدوث.

الثانى : أنا لو قدرنا أن ذلك مما يصح قصده ، وإرادته ؛ ولكن لا نسلم امتناع إسناده إلى مريد الخير ، وإنما يمتنع ذلك على فاسد أصول القائلين بالصّلاح ، والأصلح ، وتحسين العقل ، وتقبيحه للأشياء فى ذواتها ، وسيأتى (١) وجه إبطاله ، والله أعلم.

__________________

(١) انظر ل ١٧٥ / أوما بعدها.

١١٢

«النوع السادس»

«فى أفعال الله ـ تعالى»

ويشتمل على (ثلاثة (١) أصول (١)):

الأول : فى التعديل ، والتجوير.

والثانى : فى أنه لا خالق إلا الله تعالى.

[(٢) الثالث : فى أنه لا مخصص للجائزات إلا الله ـ تعالى (٢)]

__________________

(١) فى جميع النسخ التى اطلعت عليها : أصلين. غير أن الواقع يؤكد أنها ثلاثة أصول. انظر عن الأصل الثالث ما يأتى ل ٢٨١ / ب ـ ل ٢٩٢ / أ.

(٢) ساقط من أ ، ب ، ج.

١١٣
١١٤

الأصل الأول

«فى التعديل ، والتجوير»

ويشتمل على ثلاث (١) عشرة مسألة :

الأولى : فى التحسين ، والتقبيح.

الثانية : أنه لا حكم قبل ورود السمع (٢).

الثالثة : فى أنه لا يجب رعاية الغرض فى أفعال الله ـ تعالى ـ وأنه لا يجب عليه شيء أصلا.

الرابعة : فى الآلام ، وأحكامها.

الخامسة : فى تكليف ما لا يطاق.

السادسة : فى معنى النعمة ، وأنه هل لله على الكافر نعمة أم لا؟

السابعة : فى معنى الهداية ، والإضلال.

الثامنة : فى معنى الختم ، والطبع ، وغيره.

التاسعة : فى معنى اللطف ، وحكمه.

العاشرة : فى معنى التوفيق ، والخذلان ، والعصمة.

الحادية عشرة : فى الآجال.

الثانية عشرة : فى الأرزاق.

الثالثة عشرة : فى الأسعار.

__________________

(١) يلاحظ أن الأعداد ليست واردة على القاعدة وقد صححتها.

(٢) فى ب (الشرع).

١١٥
١١٦

«المسألة الأولى»

(فى التحسين ، والتقبيح)

ذهبت المعتزلة ، والكرامية ، والخوارج ، والبراهمة (١) ، والثنوية (٢) ، والتناسخية (٣) ، وغيرهم : إلى أن الأفعال منقسمة فى أنفسها : إلى حسنة ، وقبيحة ، غير أن منها ما يعرف بضرورة العقل : كحسن الإيمان ، وقبح الكفران ، والكذب الّذي لا غرض فيه.

ومنها ما يدرك بنظر العقل : كحسن الصدق الّذي فيه ضرر ، وقبح الكذب الّذي فيه نفع.

ومنها ما يدرك / بالسمع : كحسن العبادات ، وقبح ترك الواجبات الشرعية عند المعترف بها.

ثم اختلف المعتزلة (٤) :

فذهب الأوائل منهم : إلى أن الحسن ، والقبح غير مختص بصفة موجبة لتحسينه ، وتقبيحه.

وذهب الجبائى ، ومن تابعه : إلى أن الحسن ، والقبيح [(٥) مختصان بصفة موجبة لتحسينهما ، وتقبيحهما (٥)].

__________________

(١) البراهمة : فرقة تنسب إلى إبراهما الّذي ذكر فى الفيدا أحد كتبهم المقدسة. والبراهمية نظام دينى ، واجتماعى ، وسياسى. وهم يعتبرون براهما الإله الأعلى. ومن أصولهم : تقسيم الأمة الى طبقات أربع. وقد نفى البراهمة النبوات ، وقالوا باستحالتها فى العقول. (انظر الملل والنحل ٣ / ٩٥ ـ ١٠٠ نشأة الفكر الفلسفى ١ / ٢٨٦ ـ ٢٩١).

(٢) الثنوية : هم أصحاب الاثنين الأزليين يزعمون أن النور ، والظلمة أزليان قديمان. وقالوا بتساويهما فى القدم ، واختلافهما فى الجوهر ، والطبع ، والفعل ، والحيز ، والمكان ، والأجناس والأبدان ، والأرواح.

وهم فرق خمس : المانوية والمزدكية والديصانية والمرقيونية والكينونية.

وقد رد عليهم متكلموا الإسلام وأبطلوا مذاهبهم. كما رد عليهم الآمدي فى ل ٢٢٥ / أ ـ ٢٢٦ / ب. (انظر المغنى ٥ / ٩ ـ ٧٠ والملل والنحل ٢ / ٤٩ ـ ٦٠ ونشأة الفكر الفلسفى ١ / ٢٤٦ ـ ٢٥٣).

(٣) التناسخية : هم القائلون بتناسخ الأرواح فى الأجساد والانتقال من شخص إلى شخص ، وما يلقى الإنسان من الراحة ، والتعب ، والدعة ، والنصب ؛ فمرتب على ما أسلفه من قبل وهو فى بدن آخر ؛ جزاء على ذلك ـ وقد عرف المسلمون فكرة التناسخ عن الهنود ، وكتبوا الكتب الكثيرة فى نقضها فى وقت مبكر.

(انظر الملل والنحل ٢ / ٥٨ ونشأة الفكر الفلسفى ١ / ٢٨٨).

(٤) لتوضيح رأى المعتزلة فى هذه المسألة بالتفصيل : انظر المحيط بالتكليف للقاضى عبد الجبار ص ٢٣٤ ـ ٢٤٠ وشرح الأصول الخمسة له ص ٣٠١ ـ ٣٢٣ والمغنى فى أبواب التوحيد والعدل. له أيضا ١٤ / ٢٢ ـ ١١٠.

(٥) فى أ (مختص بصفة موجبة لتحسينه وتقبيحه).

١١٧

وذهب بعض المعتزلة : إلى الفرق فقال : القبح متميز بصفة موجبة لتقبيحه بخلاف الحسن.

وعلى هذا تفرع الخلاف بينهم فى أمرين :

الأول : أن الضرر المحض الّذي يصدر عن الصبيان ، والبهائم. هل يوصف بكونه قبيحا ، أم لا؟ وكذلك الكذب الصادر من الصبيان إذا عرى عن النفع. هل يوصف بكونه قبيحا ، أم لا؟ فمن مال إلى مذهب الأوائل منهم : حكم بنفى التقبيح. ومن مال إلى مذهب الجبائى ؛ حكم بالتقبيح.

الثانى : الاختلاف فى العبارات الحدية الدالة على معنى الحسن والقبيح ، فمن قال إن الحسن والقبيح غير مختص بصفة موجبة للتحسين ، والتقبيح.

قال فى حد الحسن : هو الفعل الّذي لا يستحق فاعله الذم عليه ، والمراد من الذم : الإخبار المنبئ عن نقص حال المخبر عنه مع القصد لذلك. ولو لا القصد لما كان ذما.

وهو باطل من وجهين :

الأول : أنه يلزم عليه أفعال البهائم ؛ فإنها لا تستحق الذم عليها ، ولا توصف أفعالها بكونها حسنة بموافقة من الخصوم ، وكل قائل بمجارى العادات.

الثانى : أنه يلزم عليه ترك القبح ؛ فإنه حسن عندهم ، وليس بفعل ؛ بل هو ترك فعل.

ومنهم من زاد فى الحد : مع علمه به. احترازا عن الإلزام بالبهائم ، وهو فاسد أيضا ؛ فإن تعلق العلم بالمعلوم لا يغير صفته ؛ بل يتعلق به على ما هو عليه ، وإلا كان (١) العلم به جهلا.

فإن كان الفعل حسنا فى نفسه ؛ فعدم تعلق العلم به لا يخرجه عن كونه حسنا. فإذا أخذ تعلق العلم به فى رسم الحسن كان منتقضا بما ليس بمعلوم (٢) ، وإن لم يكن حسنا فى نفسه ، فتعلق العلم به لا يجعله حسنا. وإذا كان كذلك : لم يكن أخذ تعلق العلم به مفيدا فى الرسم ، وبقى الإلزام بحاله.

__________________

(١) فى ب (لكان).

(٢) فى ب (بحسن).

١١٨

ومن هؤلاء من قال : الحسن هو ما للقادر عليه فعله. وهو أيضا باطل ؛ لأنه إما أن يراد بقولهم : للقادر عليه فعله. الإذن فى الفعل ، أو أنه غير ممنوع منه ، أو التمكن منه حقيقة ، أو معنى آخر.

فإن كان الأول : فإما أن يراد بالإذن. إذن الشارع / ، أو العقل. فإن أريد به إذن الشارع : فقد عاد تفسير الحسن إلى معنى شرعى.

ثم يلزم أن لا تكون الأفعال قبل ورود الشرع حسنة ؛ لعدم ورود الشرع بالإذن ، وهو خلاف مذهبهم.

وإن أريد به إذن العقل : فإما أن يراد به حكم العقل بأنه لا يستحق على فعله ذما ، ولا عقابا ، وإما معنى آخر.

فإن كان الأول : فهو راجع إلى الحد الأول ، وقد أبطلناه.

وإن كان الثانى : فلا بد من تصويره.

وإن أريد به القسم الثانى ، أو الثالث : فأفعال البهائم لازمة عليه.

وإن كان القسم الرابع : فهو غير معقول ، فلا بد من تصويره.

وربما زاد بعضهم فيه : مع العلم به ـ وقد عرف ما فى هذه الزيادة.

وأما القبيح :

فقد قيل فيه ـ بناء على هذا الأصل هو ما يستحق فاعله الذم على فعله ما لم يمنع من استحقاقه مانع. وإنما قيدوا الحدّ بقولهم : ما لم يمنع منه مانع ؛ لأنّ من أصلهم أنّ الصغائر قبيحة. غير أنها لا يستحق على فعلها الذمّ إذا صدرت ممن يجتنب الكبائر.

وهو أيضا فاسد من ثلاثة أوجه :

الأول : هو أن الكلام مبنى على أصل من لا يرى اختصاص الحسن ، والقبيح بصفة توجب تحسينه ، وتقبيحه ، ولا التقبيح ، والتحسين راجع إلى الشارع.

وعلى هذا : فالقول باختصاص أحد الفعلين باستحقاق الذمّ على فعله دون الآخر عقلا ، لا يكون معقولا.

١١٩

الثانى : أنه إذا كان الفعل قبيحا لاستحقاق الذم على فعله ، فإذا منع مانع من استحقاق الذم ، فقد منع المانع من كونه قبيحا.

الثالث : هو أن الاستحقاق يستدعى مستحقا عليه ، والمستحق عليه الذم :

إما الفاعل للقبيح ، أو غيره.

لا جائز أن يقال بالأول : فإنه لا يحسن بأن يقال بأنه يستحق الذم لنفسه على نفسه.

وإن كان غيره : فإما أن يكون هو الله ـ تعالى ـ أو غيره.

فإن كان هو الله ـ تعالى ـ : فهو باطل ؛ لأن الله ـ تعالى ـ لا يجب عليه شيء ، ولا يستحق على ما سنبينه (١).

وإن كان غير الله : فهو أيضا ممتنع. فإنّ من ترك الذم لغيره على فعل قبيح صدر عنه لا يقال إنه ترك مستحقا عليه.

وربما قيل بناء على هذا الأصل أيضا : أن القبيح هو الّذي يصح استحقاق الذم على فعله ، احترازا من الصغائر فى حق مجتنب الكبائر ، فإنها عندهم قبيحة كما سبق ، وهى غير مستحقة للذم ؛ بل يصح عليها استحقاق الذم ، وإن امتنع الاستحقاق لمانع.

وهذه العبارة وإن كانت / أشد من التى (٢) قبلها غير أنها فاسدة ، لما تقرر فى الوجه الأول من العبارة (٢) الأولى.

وأما من مال إلى مذهب الجبائى : فقد قال فى الحسن : هو ما للقادر عليه فعله ، مع وقوعه على وجه يقتضي تحسينه ، مع عروه (٣) عن وجوه القبح

والقبح : ما ليس للقادر عليه فعله ، مع وقوعه على وجه يقتضي تقبيحه. وفساد هذه الحدود بفساد كون الحسن ، والقبح وصفين ذاتيين للحسن ، والقبيح كما سيأتى عن قرب.

__________________

(١) فى ب (لما). انظر ل ١٨٦ / أوما بعدها.

(٢) بياض فى نسخة أمقداره سطر كامل.

(٣) فى ب (خلوه).

١٢٠