🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ١

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ١

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
ISBN: 977-18-0315-8
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

قالوا عن الإمام سيف الدين الآمدي :

قال عنه تلميذه : الإمام عز الدين بن عبد السلام : «لو ورد على الإسلام متزندق ، أو مشكّك ، لتعين الإمام سيف الدّين لمناظرته ؛ لاجتماع أهلية ذلك فيه».

[الوافى بالوفيات للصفدى ٢١ / ٣٤١]

وقال تلميذه أبو المظفر سبط ابن الجوزى : «لم يكن في زمانه من يحاذيه في علم الكلام ، والأصول ، وكان سريع الدمعة ، رقيق القلب».

[مرآة الزمان ٤ / ٧٣]

وقال عنه الإمام الذهبى : «كان من أذكياء العالم ... ولم يكن له نظير في الأصول ، والكلام ، والمنطق».

[العبر في خبر من غبر للذهبى ٥ / ١٢٤]

وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية : «لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرا في العلوم الكلامية ، والفلسفية منه ، وكان من أحسنهم إسلاما ، وأمثلهم اعتقادا»

[نقض المنطق لابن تيمية ص ١٥٦]

٥
٦

شكر وتقدير

الحمد لله حمد الشاكرين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين ورحمة الله للعالمين القائل : «من لم يشكر الناس لم يشكر الله».

وانطلاقا من هذا التوجيه النبوى الكريم. أتوجه بالشكر وعظيم الثناء للسادة الأساتذة العلماء الأفاضل أعضاء المجلس العلمى بمركز تحقيق التراث بدار الكتب ، ولرئيسه أستاذنا الفاضل الأستاذ الدكتور / حسين نصار.

وللزميل الفاضل الأستاذ الدكتور عبد الستار الحلوجى عضو المجلس العلمى لمركز تحقيق التراث بدار الكتب ، ومقرر لجنة إحياء التراث الإسلامى بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

وللعالم الفاضل الأستاذ الدكتور / صلاح فضل رئيس مجلس إدارة هيئة دار الكتب والوثائق القومية.

والأستاذ الدكتور / رفعت هلال (رئيس الادارة المركزية للمراكز العلمية)

والأستاذة / نجوى مصطفى كامل (مدير عام مركز تحقيق التراث)

والأستاذة / خديجة محمد كامل لقيامها بتصحيح التجارب الأولى للطباعة.

كما أتقدم بالشكر وعظيم الثناء للإخوة العاملين بمطبعة دار الكتب ولمديرهم العام الأخ الفاضل المهندس / فتحى عبد رب النبي مدير عام المطابع على حسن إخراج هذا الكتاب ؛ فقد قاموا بجهود مشكورة أثناء النسخ والمراجعة والطباعة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

أ. د. أحمد محمد المهدى

٧
٨

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة

أ. د. أحمد محمد المهدى

الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدى لو لا أن هدانا الله. سبحانه يؤتى الحكمة من يشاء ، ومن يؤت الحكمة ، فقد أوتى خيرا كثيرا. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله ، أمره سبحانه بقوله ـ تعالى ـ (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد ، وعلى آله ، وأصحابه ، ومن تمسّك بدعوته ، واهتدى بهداه إلى يوم الدّين.

وارض اللهم عن علمائنا العاملين ، الذين نصروا الحقّ ، ودافعوا عنه ، وأزالوا شبه الباطل عن ثقة ويقين ، ووهبوا حياتهم لنصرة الدين ، وخدمة علومه ؛ فكانوا أئمة أعلاما ، وهداة مرشدين.

وبعد :

فإن علم الكلام من أشرف العلوم الإسلامية التى نشأت وترعرعت في كنف الإسلام ؛ لأنه يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية ، والردّ على شبه المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن ثقة ويقين.

وهذا هو المطلب الأكبر ، والغاية العظمى لكل عالم مؤمن.

ومن المعلوم أنّ علم الكلام قد أدّى مهمة عظيمة في الدّفاع عن الدين ضدّ خصومه القدامى. وهو جدير أيضا ؛ بل هو الوسيلة المثلى في الردّ على أعداء الإسلام من المعاصرين ؛ لأن رجاله في وضع ثقافى يسمح لهم أكثر من غيرهم بالقيام بهذه المهمة العظيمة.

لذا فقد كان من المهام العلمية المرغوب فيها. القيام بتحقيق بعض هذه الكتب تحقيقا علميا ، يجليها للقارىء ، ويبرز ما بها من محاسن ، ويوضح ما بها من أفكار خصبة ؛ حتى تكون أبحاثنا المعاصرة مبنية على أساس سليم ؛ لأنّه لا يعقل أن نبدأ من

٩

فراغ ، وأسلافنا الأماجد قد تركوا لنا ، وفي حوزتنا هذا التراث العظيم الأصيل ، والخصب. والّذي يمثل أزهى عصور التفكير الإسلامى ؛ بل الإنسانى على الإطلاق.

كما لا يعقل أن نكتفى ببعض المؤلفات الكلامية التى بين أيدينا ، والتى هى في حقيقة أمرها مجرد مختصرات لكتب عظيمة اتسمت بالدقّة ، والوضوح ، والأصالة. وهذه المختصرات التى ألّفت في عصر اتّسم بالجمود ، والتّقليد ؛ قد قامت عليها فيما بعد شروح ، وحواشى. وهى بوضعها الراهن ، وصورتها الحالية شكلا ، وتبويبا تضيّع جهد الباحث ؛ بل إنّها تنفّره في أغلب الأحيان.

بينما تتّسم الكتب السّابقة عليها بالدقّة ، والأصالة ، والوضوح. وهى كفيلة بالإجابة على أغلب التّساؤلات ، وفيها الحلّ لمعظم المشكلات والردّ على كلّ الفرى ، والأكاذيب. التى يروّج لها أعداء الإسلام وخصومه والجهلة من أبنائه.

وأرى أنّ إخراج هذه الكتب من خزائنها ، ونشرها بطريقة علمية عصرية مشوّقة ؛ فرض كفاية على المتخصّصين ؛ فلا يعقل أن نضيّع جهودنا في الردّ على مشاكل فيما بيننا ، أو بيننا وبين خصوم ديننا ـ مع أنها قد بحثت وحسمت ، وأجيب عليها من أكثر من ثمانمائة عام ، ونترك المشاكل المعاصرة التى يثيرها أعداء ديننا.

كما أنّ أىّ موضوع يبحث سيكون ناقصا ، وغير مطابق للواقع ؛ بل سيؤدى إلى مفاهيم خاطئة ما لم يعتمد على أمّهات الكتب التى ألّفت في أزهى عصور التّفكير الإسلامى ، والتى ما زال معظمها مخطوطا ؛ فتاريخ الفكر الإسلامى ؛ لن يستقر استقراره الكامل حتى تنشر المخطوطات المهمة.

لكل ما سبق آمنت بأهميّة التّحقيق العلمىّ ، وضرورته ، واقتنعت به وعزمت بعون الله أن أكرّس له جهدى ووقتى ، وبدأت بتحقيق هذا الكتاب (أبكار الأفكار في أصول الدّين ـ للإمام سيف الدين الآمدي) بعد أن درست التحقيق العلمى ومارسته بمركز تحقيق التراث بدار الكتب المصريّة سنة ١٩٦٨ على يد أساتذته المتخصصين.

وكان تحقيق هذا الكتاب ـ الّذي يسعدنى أن يصدر عن مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية في عهده الجديد ـ كان الجزء الأول منه يمثل القسم الثانى من رسالتى لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة والفلسفة ، والتى حصلت عليها من كلية أصول الدين جامعة الأزهر سنة ١٩٧٤ بمرتبة الشرف الأولى والتوصية بطبع الرسالة وتبادلها مع جامعات العالم.

١٠

أما القسم الأول من الرسالة ـ والّذي يقع في مجلد من الحجم الكبير ـ فكان دراسة عن مؤلفه الإمام سيف الدين الآمدي ـ رحمه‌الله ـ وعصره ، وحياته وثقافته ، وإنتاجه ، ومنهجه ، وآرائه ، ومكانته العلمية ، وآراء العلماء فيه. ثم عن كتاب أبكار الأفكار ، وقيمته العلمية ، ونسخه ، وأماكن وجودها ، وأخيرا منهجى في تحقيقه.

وفي نفس العام سنة ١٩٧٤ قدّمت نسخة محقّقة من الكتاب إلى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، وأسعدنى موافقة لجنة إحياء التراث الإسلامى على نشره بعد اجتماعات كثيرة ودراسات وأبحاث عميقة.

وقد حال دون نشره في ذلك الوقت ـ إمكانات المجلس ـ وسفرى إلى مكة المكرمة معارا إلى كلية الشريعة بها سنة ١٩٧٦.

أما مؤلفه : فهو الإمام سيف الدين الآمدي الّذي أجمع أصحاب التراجم على أنّه كان شيخا للمتكلمين ، والمشتغلين بالعلوم العقلية في عصره.

وقد أوصله إلى هذه المكانة جدّ لا يعرف الكلل ، وانصراف إلى العلم والدراسة ، شغله عن كل شيء حتى عن نفسه أحيانا ، وذكاء دفع بعض معاصريه إلى أن يعده أذكى أذكياء أهل زمانه ؛ بل إن الجميع قد اتّفقوا على أنه كان أحد أذكياء العالم ؛ فقد كان فقيها ، أصوليا ، متكلما ، فيلسوفا ، طبيبا. ومؤلفاته في هذه الفنون المتعددة تصل إلى خمسة وعشرين مؤلفا معظمها ما زال مخطوطا ، ولم ينشر منها سوى أربعة كتب ، ولم يحقق منها سوى كتابين.

وقد قضى الآمدي معظم حياته المديدة مع كلّ هذه الفنون طالبا ، ومدرسا ومؤلفا. وامتدت رحلاته العلمية لمدة ستة وستين عاما. قضاها في رحلات علمية مستمرة زار خلالها عواصم الثقافة ، والعلم في عصره.

ومع هذه الشهرة العريضة التى كان الآمدي يتمتع بها في عصره والعصور التالية ؛ فقد ظل مجهولا إلى حدّ كبير في عصرنا كمتكلم إلّا من إشارات إلى بعض آرائه ترد أحيانا في الكتب الكلامية : كالمواقف ، والمقاصد وغيرها.

أما كتاب : أبكار الأفكار في أصول الدين : فهو بحق أهمّ كتب الآمدي الكلامية ؛ بل أهمّها على الإطلاق ؛ فقد اتفق أصحاب التراجم على وصف الآمدي بصاحب الأبكار.

١١

وقد اتضح لى بعد الدراسة والمقارنة أنه من أهمّ الكتب المؤلفة في علم الكلام. فهو حاو لمسائل الأصول محيط بها ، بدون إطالة مملة ، وبغير اختصار مخلّ. وهو بحقّ اسم على مسمّى ؛ فقد جمع فيه مؤلفه كما قال : «أبكار أفكار أرباب العقول».

وقد ألفه الآمدي بعد أن بلغ درجة علمية يدلّ بها قائلا «ولما كنّا مع ذلك قد حقّقنا أصوله ، ونقّحنا فصوله. وأحطنا بمعانيه ، وأوضحنا مبانيه وأظهرنا أغواره ، وكشفنا أسراره ، وفزنا فيه بقصب سبق الأوّلين ، وحزنا غايات أفكار المتقدّمين والمتأخّرين ، واستترعنا منه خلاصة الألباب ، وفصلنا القشر عن اللّباب».

وهذا الكتاب كما يفهم من عنوانه ، وكما اتّضح لى ؛ قد اشتمل على معظم الأفكار المهمّة في الفكر الإسلامى العقدى حتّى عصره ؛ بل على الفكر العقدى الإنسانىّ على الإطلاق ، وناقشها ، وردّ على ما يتنافى مع الدّين منها وأبطله بحججه الدامغة ، وبراهينه السّاطعة ؛ فهو بحقّ يغنى عن مطالعة الكثير من كتب المتقدّمين ؛ لأنّه قد اشتمل على معظم الأفكار المهمّة فيها.

وقد تأكّد لى أنّ كتاب المواقف لعضد الدّين الإيجى ـ الّذي أعاننى الله على نشره محققا سنة ١٩٧٦ م ـ مختصر لكتاب الأبكار.

وكتاب المواقف ـ كما هو معلوم ـ أهمّ الكتب المطبوعة في علم الكلام. وإذا كنت قد اخترت الطّريق الصّعب ـ طريق التحقيق العلمى ـ فلثقتى التّامة بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، ولتأكّدي بأنّ العرف لا يذهب لا عند الله ، ولا عند النّاس ، وحسبى أن أساهم في إحياء تراثنا الخالد. وفي إلقاء الضّوء على إمام كانت مؤلّفاته ، وما زالت تمثّل حلقة مهمّة من حلقات التّفكير الإسلامى. فى فترة من أعظم فتراته ، فترة الانتصار على أعداء الإسلام ، وإخراجهم من بلاد الإسلام ، واستعادة مقدّساتنا.

وقد اجتهدت قدر طاقتى على أن تكون دراستى عن الإمام الآمدي لائقة به ، كما بذلت غاية جهدى لإخراج كتابه على أحسن وجه ، وأفضله.

فإذا أصبت ، وحقّقت ما أهدف إليه ؛ فبفضل الله وحده ، وإن كانت الأخرى ، فحسبى أننى قد بذلت غاية جهدى.

١٢

ومن الواجب عليّ وقد أعاننى الله تبارك وتعالى ـ على إنجاز هذا العمل أن أسجد لله شكرا ، كما أتقدم بالشكر وعظيم الثناء لكل من أسدى إلى عونا ، أو قدم لى نصحا ، أو سهل لى صعبا.

وأخص بالذكر أساتذتى بكلية أصول الدين ـ يرحمهم‌الله ـ وأصدقائى بمعهد المخطوطات ومركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية ، وزملائى بلجنة إحياء التراث الإسلامى بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية وأخص بالذكر منهم الأستاذ الدكتور عبد الستار عبد الحق الحلوجى مقرر اللجنة.

كما أتقدم بالشكر وعظيم الثناء لأشقائى ، وزوجتى ، وأبنائى الذين بذلوا معى جهودا مخلصة في المقابلة والمراجعة.

ومن الله أستمد العون وعليه أتوكل ، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

أ. د / أحمد محمد المهدى

١٣
١٤

حياة الآمدي

نشأته ـ دراساته وشيوخه ـ رحلاته العلمية

أولا : نشأته :

١ ـ موطنه :

ولد الآمدي بمدينة (آمد) (١) ـ وإليها ينسب ـ سنة ٥٥١ ه‍ (١١٥٦ م) وكانت آمد عند مولده تحت إمرة جمال الدّولة أبى القاسم (٢) أحد رجال الدّولة الأرتقية ـ وهى من فروع السّلاجقة ـ التى ظلت تحكم آمد وما حولها ، حتى سنة ٦٢٩ ه‍ تاريخ استيلاء الملك الكامل عليها (٣).

وآمد بكسر الميم ـ وهى لفظة رومية ـ بلد قديم حصين ركين مبنى بالحجارة السّود على نشز ، ودجلة محيطة بأكثره ، مستديرة به كالهلال ، وهى تنشأ من عيون بقربه (٤). وهى أعظم مدن ديار بكر ، وأجلها قدرا ، وأشهرها ذكرا.

وهى الآن جزء من تركيا حيث يسميها الأتراك آميدة. وقره آمد. وهى تبعد عن القسطنطينية بمائتين وثلاثين فرسخا. ومعظم سكّانها من المسلمين. وإلى آمد ينسب كثير من أهل العلم ـ فى كثير من الفنون ـ قبل الآمدي وبعده (٥).

في هذه المدينة ولد صاحبنا ، وقضى فيها أعوامه الأولى يدرس مبادي القراءة والكتابة ، ويحفظ القرآن الكريم ، ويدرس التّجويد ، والقراءات ، وشيئا من علوم العربية

__________________

(١) (آمد) جد قبيلة من العرب يدعون بنى آمد ، كانت مواطنهم بين مواطن طى أجا وسلمى والعراق. وربما كان اسم مدينة آمد مأخوذا منه.

(دائرة المعارف للبستانى المجلد الأول ص ١٤٥ ط بيروت سنة ١٨٧٦).

(٢) تاريخ الفارقى ص ٢٢٦ المعروف بذيل تاريخ دمشق. لأبى يعلى القلانسى طبع في بيروت سنة ١٩٠٨ بمطبعة الآباء اليسوعيين.

(٣) مفرج الكروب في أخبار بنى أيوب ٥ / ١٢ ـ ١٣ لابن واصل تحقيق د. حسنين محمد ربيع. مراجعة د. سعيد عاشور مطبعة دار الكتب سنة ١٩٧٣.

(٤) معجم البلدان للعلامة ياقوت الحموى ج ١ ص ٥٦. ط دار صادر ببيروت سنة ١٩٥٥ م ، مراصد الاطلاع للبغدادى ج ١ ص ٦ تحقيق : على البجاوى ، وأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسى المعروف بالبشارى ط ٢ سنة ١٩٠٩ ص ١٤٠.

(٥) عينت منهم ستة وعشرين وتحدثت عنهم في ص ٤١ ، ٤٢ في دراستى عن الآمدي رسالة دكتوراه بكلية أصول الدين.

١٥

والفقه ـ كما هى عادة أهل عصره ـ وكانت دراسته الفقهية في آمد على مذهب الإمام أحمد ؛ حيث يذكر السبكى أنه حفظ بآمد كتابا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، كما يذكر ابن حجر أنه حفظ كتاب الهداية لأبى الخطاب في الفقه الحنبلى (١).

أما عن أسرته ومكانتها الاجتماعية ؛ فلم أعثر على شيء يدل عليها ؛ والراجح عندى أنّها كانت أسرة متواضعة لا تتميّز بتفوّق خاص في الحياة العلمية ، أو السياسية ؛ بدليل أنّه لم يعد إلى بلده إطلاقا كما أنه نسب إلى بلده ، ولم ينسب إلى أسرته.

وكان طموح الصبى أكبر من إمكانات آمد ؛ لذا فقد غادرها إلى بغداد في سنّ مبكرة نسبيا ؛ إذ رحل إلى بغداد وعمره أربع عشرة سنة ، كما ذكر الصفدى في الوافى بالوفيات (٢) ، أو خمس عشرة سنة كما ذكر تلميذه ابن واصل في كتابه مفرج الكروب (٣) ، حيث يقول وذكر لى (الآمدي) أنّه دخل بغداد في خلافة المستنجد (٤) بالله ، وعمره خمس عشرة سنة.

وأيّا كان عمر الصبى أربع عشرة سنة ، أو خمس عشرة سنة ؛ فقد غادر مدينته في سنّ مبكر نسبيا ممّا يدلّ على طموحه ، وذكائه ، وحبّه للعلم ، ولم يعد إليها إطلاقا ؛ بل استمر في رحلاته العلمية المتصلة من آمد إلى بغداد ، فدمشق ، فحلب ، ثم مصر (القاهرة والإسكندرية) ثم حماه ، ثم دمشق التى انتهت فيها هذه الحياة الخصبة الحافلة بجلائل الأعمال ، والتى دفن فيها بعد رحلات علمية متصلة استمرت أكثر من ست وستين سنة قضاها طالبا للعلم وأستاذا ومؤلفا لم يثنه عن هذه الغاية النبيلة حبّ لمنصب ، أو جاه ، أو مال.

__________________

(١) وفيات الأعيان لابن خلكان ٢ / ٤٥٥ تحقيق : الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة سنة ١٩٤٩ م.

طبقات الشافعية للسبكى ٥ / ١٢٩ ـ ١٣٠ طبع الحسينية بمصر.

ولسان الميزان لابن حجر ٣ / ١٣٤ ط حيدرآباد سنة ١٣٣٠ ه‍.

(٢) الوافى بالوفيات للصفدى ج ٢١ ص ٣٤٠. سلسلة النشرات الإسلامية باعتناء محمد الحجيرى بيروت سنة ١٩٨٨ م.

(٣) مفرج الكروب لابن واصل ٥ / ٣٦.

(٤) هو الخليفة العباسى المستنجد بالله : أبو المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله ولد سنة ٥١٨ ه‍ وبويع بالخلافة سنة ٥٥٥ ه‍ وتوفى في ربيع الآخر سنة ٥٦٦ ه‍ (تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ٤٤٢ وما بعدها تحقيق محمد محيى الدين المطبعة التجارية سنة ١٩٥٢ م).

١٦

٢ ـ مولده :

ولد الآمدي سنة ٥٥١ ه‍ كما ينص على ذلك كثير من تلاميذه ، وممّن ترجموا له (١) ، وتابعهم في ذكر هذه السنة كثير من أصحاب المراجع الحديثة (٢) التى حدّدت ميلاده بسنة ٥٥١ ه‍ ، وبعضهم يذكر أنه ولد بعد سنة ٥٥٠ ه‍ من غير تحديد : كالقفطى ، والذهبى ، وابن العماد الحنبلى (٣)

كما يميل البعض الآخر إلى التّحديد ؛ فيذكر أنه ولد بعد سنة ٥٥٠ ه‍ بقليل كالسبكى (٤).

والأرجح أنه ولد في سنة ٥٥١ ه‍ حيث تذكر تراجم تلاميذه ، والمقربين إليه ذلك ، كما أنه لا يوجد من أصحاب التراجم من حدّد غيره.

٣ ـ اسمه :

على بن أبى على بن محمد بن سالم. طبقا لما ورد بالمخطوطات التى اطلعت عليها : كدقائق الحقائق ، وغاية المرام ـ وقد نسخا في حياته ـ والأبكار الّذي نقل عن خطه ـ ولما ذكره أكثر من ترجموا له وخاصة من عاصروه ، أو تتلمذوا عليه (٥).

وقد اخطأ بعض أصحاب التراجم في اسمه : كالقفطى (٦) الّذي سماه : على بن على بن أبى على ، وابن الشحنة (٧) الّذي سماه على بن أحمد بن سالم.

والصحيح ما ذكرته للأسباب الموضحة.

__________________

(١) انظر وفيات الأعيان ٢ / ٤٥٥ والوافى بالوفيات للصفدى ٢١ / ٣٤٠ والمختصر في أخبار البشر ٣ / ١٥٥ لأبى الفداء ط ـ القسطنطينة سنة ١٨٨٩ م. حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطى ط بمصر سنة ١٣٢١ ه

(٢) كالأعلام للزركلى ٥ / ١٥٣ ط ٢ سنة ١٩٥٩ م.

ومعجم المؤلفين لكحالة ٧ / ١٥٥ مطبعة الترقى بدمشق سنة ١٩٥٧ م.

(٣) انظر أخبار العلماء للقفطى ص ١٦١. ط الخانجى بالقاهرة سنة ١٣٢٦ ه‍.

والعبر في خبر من غبر للذهبى ٥ / ١٢٤ تحقيق : د. المنجد ـ ط الكويت ١٩٦٦ م وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلى ط : القدسى بالقاهرة سنة ١٣٥٠ ه‍.

(٤) انظر طبقات الشافعية الكبرى للسبكى ٥ / ١٢٩.

(٥) كابن أبى أصيبعة (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) ط ١ القاهرة سنة ١٣١١ ه‍ (٢ / ١٧٤)

وابن واصل في مفرج الكروب ٥ / ٣٦ وابن خلكان في وفيات الأعيان ٢ / ٤٥٥.

(٦) انظر أخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى ص ١٦١.

(٧) تاريخ ابن الشحنة ١٢ / ١٣٢.

١٧

٤ ـ لقبه :

يلقّب بسيف الدّين ، وأحيانا بسيف الدّنيا والدّين (١) ، وبالسيف اختصارا (٢). كما يلقّب بالآمدي نسبة إلى موطنه الأصلي ، وبالحنبلى ، ثم الشافعى ، أو بالشافعى نسبة إلى مذهبه الفقهى. ويلقب أيضا بالتّغلبى ، أو بالثعلبى : نسبة إلى قبيلته. وقد اضطربت المراجع ، وانقسمت في نسبته إلى قبيلته.

فبعضها نسبه إلى قبيلة تغلب (٣) (بالتاء المثناة ثم الغين) فقال : (التّغلبى). وبعضها الآخر نسبه إلى قبيلة ثعلب (٤) (بالثاء المثلثة ثم العين) فقال : (الثّعلبى).

لذا فقد تردّدت المراجع الحديثة في أمر هذا اللقب بين هاتين اللفظتين ؛ فبعضهم نسبه إلى قبيلة ثعلب ، وبعضهم نسبه إلى قبيلة تغلب.

والرّاجح عندى نسبته إلى قبيلة تغلب لأسباب ذكرتها بالتفصيل في دراستى عن الآمدي (٥)

٥ ـ كنيته :

ويكنى (أبا الحسن) كما اتّضح لى من معظم المصادر التى اطلعت عليها (٦) غير أن سبط ابن الجوزى قال : وكنيته أبو القاسم (٧)

ثانيا : دراساته وشيوخه :

بدأ الآمدي دراسته في موطنه آمد على يد مشايخها ، غير أن المراجع لم تعين أساتذته في آمد ، وإن حدّدت بعض العلوم التى تلقاها فيها كما سبق.

__________________

(١) انظر دقائق الحقائق الّذي نسخ في حياته.

(٢) انظر العبر للذهبى ٥ / ١٢٤.

(٣) انظر طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة ٢ / ١٧٤ ، واللباب في تهذيب الأنساب ١ / ١٥ لابن الأثير ط ١ القاهرة سنة ١٣٥٧ ه‍.

(٤) انظر وفيات الأعيان ٢ / ٤٥٥ ، ومرآة الزمان في تاريخ الأعيان ٤ / ٧٣ لسبط ابن الجوزى ط حيدرآباد سنة ١٩٥١ م.

والبداية والنهاية لابن كثير ١٣ / ١٤٠ مطبعة السعادة بمصر سنة ١٩٣٢ م ووفيات الأعيان ٢ / ٤٥٥ ، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء ٢ / ١٧٤ ، ١٧٥.

(٥) انظر رسالة الدكتوراه ص ٤٥ ، ٤٦ بكلية أصول الدين.

(٦) منها طبقات الشافعية للسبكى ٥ / ١٢٩ ، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب ٥ / ١٤٤ لابن العماد الحنبلى ـ طبعة القدسى بالقاهرة سنة ١٣٥٠ ه‍ والبداية والنهاية لابن كثير ١٣ / ١٤٠ ، والعبر في خبر من غبر للذهبى ٥ / ١٧٤. ووفيات الأعيان لابن خلكان ٢ / ٤٥٥ ، وعيون الأنباء لابن أبى أصيبعة ٢ / ١٧٤ ، ١٧٥.

(٧) انظر : مرآة الزمان ٨ / ٤٥٧ لسبط ابن الجوزى.

١٨

وكان من العلوم الّتي اهتم الآمدي بدراستها في أول مقامه ببغداد علم القراءات ـ كما تذكر معظم المراجع التى ترجمت له ـ وهذا العلم بدأ الآمدي دراسته في بلده ، ثم أتقنه في بغداد (١).

ومنها الفقه ، والخلاف. وقد بدأ الآمدي دراسته الفقهية في آمد على مذهب الإمام أحمد ، ثم انتقل إلى بغداد ، وواصل دراسته له ، ثم تحول إلى المذهب الشافعى بعد اتصاله بشيخه ابن فضلان. يقول الصفدى «واشتغل على الإمام أبى الفتح نصر بن فتيان ابن المنى الحنبلى في الخلاف على مذهبه مدة ، ثم صحب الإمام العلامة أبا القاسم يحيى بن الحسن على بن الفضل هبة الله بن بركة البغدادى ابن فضلان الشافعى ، وأخذ عنه الخلاف وتميّز ، وحفظ طريقة الشريف ، والزوائد لأسعد الميهنى (٢)

كما يذكر السّبكى أنه «ولد بآمد ، وقرأ بها القرآن ، وحفظ كتابا في مذهب أحمد ابن حنبل ، ثم قدم بغداد ؛ فقرأ بها القراءات أيضا ، وتفقه على أبى الفتح بن المنى الحنبلى ، وسمع الحديث من ابن شاتيل ، ثم انتقل إلى المذهب الشافعى ، وصحب أبا القاسم بن فضلان ، وبرع عليه في الخلاف ، وأحكم طريقة الشريف ، وطريقة أسعد الميهنى ، وتفنن في علم النظر ، وأحكم الأصلين ، والفلسفة ، وسائر العقليات ، وأكثر من ذلك (٣)

ومن العلوم التى درسها ببغداد الحديث وعلومه على يد شيخه أبو الفتح بن شاتيل يقول ابن حجر «وسمع من أبى الفتح بن شاتيل ، وحدث عنه بغريب الحديث لأبى عبيد» (٤).

ومن هذه العلوم أصول الفقه الّذي تلقاه على يد شيخه ابن فضلان والّذي أصبح الآمدي أكبر شيوخه فيما بعد. ويقال إنه حفظ الوسيط ، والمستصفى (٥).

ومنها أصول الدين على يد شيخه ابن فضلان حيث كان مقدما في الأصلين (٦) ، وقد أصبح الآمدي إمام عصره في هذا الفن.

__________________

(١) انظر طبقات الشافعية للسبكى ٥ / ١٢٩.

(٢) الوافى بالوفيات للصفدى ج ٢١ ص ٣٤٠.

(٣) طبقات الشافعية للسبكى ٥ / ١٥٩.

(٤) لسان الميزان لابن حجر ٣ / ١٣٤ ط حيدرآباد سنة ١٣٣٠ ه‍.

(٥) المصدر السابق ٣ / ١٣٥.

(٦) البداية والنهاية لابن كثير ١٣ / ٢١.

١٩

ومنها الجدل : حيث يقال إنه حفظ أربعين جدلا (١).

اما الفلسفة : فتذكر المراجع أنه بدأ دراستها في بغداد ، وأتمها بالشّام ، وينفرد القفطى بأنه أخذ علوم الأوائل عن النصارى ، واليهود ؛ فيقول : «وأخذ علم الأوائل عن جماعة من نصارى الكرخ ، ويهودها ، وتظاهر بذلك ؛ فجفاه الفقهاء ، وتحاموه ، ووقعوا في عقيدته ، وخرج من العراق (٢)» ، ولا يوافقه على ذلك من أصحاب التراجم سوى صاحب مفتاح السعادة (٣) الّذي ينقل عنه كل شيء تقريبا وبدون تدبّر أحيانا.

أما علوم اللغة وآدابها ، فلم تذكر لنا المراجع شيئا عنها ، ولا عن شيوخه فيها ، والّذي أرجحه أن الآمدي كان ملما بها كما سيأتى.

وسأذكر فيما يلى أسماء أهم شيوخه ، وأبعدهم أثرا في حياته العلمية.

١ ـ ابن فضلان (٥١٧ ـ ٥٩٥ ه‍) (١١٢٣ ـ ١١٩٩ م)

يحيى بن على بن الفضل بن هبة الله بن بركة (أبو القاسم ، جمال الدين) المعروف بابن فضلان. كان شيخ الشافعية في بغداد.

٢ ـ ابن المنى (٥٠١ ـ ٥٨٣ ه‍)

أبو الفتح نصر بن فتيان بن مطر ـ الفقيه الحنبلى. المعروف بابن المنى.

٣ ـ ابن شاتيل (توفى ٥٨١ ه‍ عن تسعين سنة)

أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل الدباس البغدادى ـ مسند بغداد.

وممن تأثر بهم :

أسعد الميهنى : (أبو الفتح أسعد أبى نصر بن أبى الفضل الميهنى) الفقيه الشافعى الملقب (مجد الدين).

كان مولده سنة ٤٦١ ه‍ ووفاته سنة ٥٢٧ ه‍.

__________________

(١) الوافى بالوفيات للصفدى ٢١ / ٣٤٠.

(٢) اخبار العلماء للقفطى ص ١٩١.

(٣) مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زادة ٢ / ١٨٠ تحقيق كامل بكرى ط. دار الكتب الحديثة بالقاهرة.

٢٠