🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
🚘 نسخة غير مصححة

ثم اختلفوا فى هذا الحادث.

فمنهم من قال : هو قوله : (لكِنْ).

ومنهم من قال : هو الإرادة. فخلق الإرادة (١) ، أو القول (١) فى ذاته يستند إلى القدرة القديمة لا أنه حادث بإحداث.

وأما خلق باقى المخلوقات فمستند إلى الإرادة (٢) ، أو القول (٢) على اختلاف مذاهبهم. فالمخلوق القائم بذاته يعبرون عنه بالحادث. والخارج عن ذاته يعبرون عنه بالمحدث.

ومنهم من زاد على ذلك حادثين آخرين : وهما السمع ، والبصر.

وأجمعت الكرامية : على أن ما قام بذاته من الصفات الحادثة ، لا يتجدد له منها اسم ، ولا يعود إليه منها حكم ، حتى أنه لا يقال : إنه قائل بقول ، ولا مريد بإرادة ؛ بل قائل بالقائلية ، ومريد بالمريدية. ولم يجوزوا عليه إطلاق اسم متجدد لم يكن فيما لا يزال ؛ بل قالوا أسماؤه كلها أزلية حتى الرازق ، والخالق ، وإن لم يكن فى الأزل رزق ، ولا خلق.

وأما ما كان من الصفات المتجددة التى لا وجود لها. فما كان منها حالا ؛ فقد اتفق المتكلمون على امتناع اتصاف الرب ـ تعالى ـ بها ؛ غير أبى الحسين البصرى ، فإنه قال :

تتجدد عالميات الله ـ تعالى ـ بتجدد المعلومات. وما كان من النسب ، والإضافات ، والمتعلقات ؛ فمتفق بين أرباب العقول على جواز اتصاف الرب ـ تعالى ـ بها حتى يقال إنه موجود مع العالم ، بعد أن لم يكن ، وأنه خالق للعالم بعد أن لم يكن. وما كان من الأعدام ، والسلوب ، فإن كان سلب أمر يستحيل / تقدير وجوده لله ـ تعالى ـ ؛ فلا يكون متجددا بالإجماع ؛ لكونه ليس بجسم ، ولا جوهر ، ولا عرض ، إلى غير ذلك.

وإن كان سلب أمر لا يستحيل تقدير اتصاف الرب ـ تعالى ـ به : كالنسب ، والإضافات ؛ فغير ممتنع أن يتصف به الرب ـ تعالى ـ بعد أن لم يكن بالاتفاق ؛ فإنه إذا كان الحادث موجودا صح أن يقال : الرب ـ تعالى ـ موجود مع وجوده ، وتنعدم هذه المعية

__________________

(١) فى ب (القول أو الإرادة).

(٢) فى ب (والقول).

٢١

عند فرض عدم ذلك الحادث ، فيتجدد له صفة سلب بعد أن لم تكن (١) ، واذا أتينا على تلخيص محل النزاع ؛ فنعود إلي المقصود.

وقد (٢) احتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث بذات الرب ـ تعالى ـ بحجج ضعيفة :

الحجة الأولى :

قالوا : لو كان البارى ـ تعالى ـ قابلا لحلول الحوادث بذاته ؛ لما خلا عنها ، أو عن أضدادها ، وضد الحادث حادث. وما لا يخلو عن الحوادث ؛ فيجب أن يكون حادثا ، والرب ـ تعالى ـ ليس بحادث ، وهذه الحجة مبنية على خمس مقدمات :

المقدمة الأولى : أن كل صفة حادثة لا بد لها من ضد.

والثانية : أن ضد الصفة الحادثة لا بد ، وأن يكون حادثا.

والثالثة : أن ما قبل حادثا ؛ فلا يخلو عنه ، وعن ضده.

والرابعة : أن ما لا يخلو عن الحوادث ؛ حادث.

والخامسة : أن الحدوث على الرب ـ تعالى ـ محال.

أما أن الرب ـ تعالى ـ ليس بحادث ؛ فقد سبق تقريره (٣).

وأما أن ما لا يخلو عن الحوادث ؛ فهو حادث ؛ فسيأتى تقريره فى حدوث الجواهر (٤). وإنما الإشكال فى المقدمات الثلاث الأول ؛ وذلك أن لقائل أن يقول :

قولكم : إن كل صفة حادثة لا بد لها من ضد : فإما أن يراد بالضد معنى وجودى يستحيل اجتماعه مع تلك الصفة لذاتيهما ، وإما أن يراد به ما هو أعم من ذلك ؛ وهو ما لا يتصور اجتماعه مع وجود الصفة لذاتيهما وإن كان عدما ، حتى يقال : بأن عدم الصفة يكون ضدا لوجودها.

__________________

(١) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ١٨ ـ ٢٢) ثم علق عليه وناقشه حتى ص ٢٧.

(٢) ثم نقل ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٢٧ ـ ٣١).

من أول قول الآمدي «وقد احتج أهل الحق ... فلا مناقضة».

(٣) انظر ل ١١٥ / أو ما بعدها.

(٤) انظر الجزء الثانى ـ القاعدة الرابعة ـ الباب الأول ٦٩ / ب وما بعدها.

٢٢

فإن كان الأول : فلا نسلم أنه لا بد وأن يكون للصفة ضد بذلك الاعتبار ، والاستدلال على موقع المنع عسير جدا.

وإن كان الثانى : فلا نسلم أنه يلزم أن يكون ضد الحادث حادثا وإلا كان عدم العالم السابق على وجوده حادثا. ولو كان عدمه حادثا ، كان وجوده سابقا على عدمه ؛ وهو محال.

ثم وإن سلمنا أنه لا بد وأن يكون ضد الحادث معنى وجوديا ؛ ولكن لا نسلم امتناع خلو المحل عن الصفة وضدها بهذا الاعتبار. وحيث قررنا فى مسألة الكلام والإدراكات / أن القابل لصفة لا يخلو عنها ، أو عن ضدها. إنما كان بالمعنى الأعمّ ، لا بالمعنى الأخص ، فلا مناقضة (١).

الحجة (٢) الثانية :

أنه لو قامت الحوادث بذاته ؛ لكان لها سبب. والسبب إما الذات ، أو خارج عنها.

فإن كان هو الذات : وجب دوامها بدوام الذات ، وخرجت عن أن تكون حادثة.

وإن كان خارجا عن الذات : فإما أن يكون معلولا للإله ـ تعالى ـ أو لا يكون معلولا له.

فإن كان الأول : لزم الدور.

وإن كان الثانى : فذلك الخارج يكون واجب الوجود لذاته ، ومفيدا للإله تعالى ـ صفاته ؛ فكان أولى أن يكون هو الإله.

وهذه المحالات إنما لزمت من قيام الحوادث بذات الرب ـ تعالى ـ فكان محالا.

ولقائل أن يقول :

وإن افتقرت الصفات الحادثة إلى سبب ؛ فالسبب إنما هو القدرة القديمة ، والمشيئة الأزلية القائمة بذات الرب تعالى ـ كما هو مذهب الكرامية على ما أوضحناه. فليس

__________________

(١) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية من كلام الآمدي فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٢٧ ـ ٣١) ثم علق عليه بقوله «هذا كلام حسن جيد ... فإن هذه الطريقة مما كان يحتج بها السلف والأئمة فى إثبات صفات الكمال : كالكلام والسمع ، والبصر».

(٢) من أول الحجة الثانية نقله ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٤٠ ـ ٤٣).

٢٣

السبب هو الذات ، ولا خارج عنها. ولا يلزم من دوام القدرة ، دوام المقدور ، وإلا كان العالم قديما ، وهو محال.

فإن قيل : إذا كان المرجح للصفة الحادثة ، هو القدرة القديمة والاختيار ؛ فلا بد وأن يكون الرب ـ تعالى ـ قاصدا لمحل حدوثها ، ومحل حدوثها ليس إلا ذاته ؛ فيجب أن يكون قاصدا لذاته (١) ، والقصد إلى الشيء يستدعى كونه فى الجهة ؛ وهو باطل (٢) ، ثم ولجاز قيام كل حادث ، (٣) وهو محال (٣).

وأيضا فإن الصفة الحادثة عند الكرامية إنما هى قوله كن ، والإرادة التى هى مستند وجود المحدثات.

وعند ذلك : فلا حاجة إلى الحادث الّذي هو القول ، أو الإرادة ؛ لإمكان إسناد جميع المحدثات إلى القدرة القديمة.

قلنا : أما الأول : فمندفع ، فإن القصد إلى إيجاد الصفة ، وإن استدعى القصد إلى محل حدوثها ، فإنما يلزم من ذلك أن يكون المحل فى الجهة أن لو كان القصد بمعنى :

الاشارة إلى الجهة. وليس كذلك ؛ بل بمعنى : إرادة إحداث الصفة فيه ، وذلك غير موجب للجهة. ثم وإن كان القصد إلى إيجاد الصفة فى المحل يوجب كون المحل فى جهة ؛ فيلزم من ذلك امتناع القصد من الله ـ تعالى ـ إلى إيجاد الأعراض ؛ لأن القصد إلى إيجادها يكون قصدا لمحالها ، ويلزم من ذلك أن تكون محالها فى الجهات ، والقصد إلى ما هو فى جهة ممن ليس فى الجهة محال. وذلك / يفضى إلى أن يكون الرب ـ تعالى ـ فى الجهة عند قصد خلق الأعراض ؛ وهو محال.

والقول بأنه إذا جاز خلق بعض الحوادث فى ذاته ، جاز خلق كل حادث ، فدعوى مجردة ، وقياس من غير جامع ؛ وهو باطل على ما أسلفناه فى تحقيق (٤) الدليل.

وأما الثانى : فحاصله يرجع إلى لزوم رعاية الغرض (٥) ، والحكمة (٥) فى أفعال الله تعالى ؛ وهو غير موافق لأصولنا.

__________________

(١) فى ب (إلى ذاته).

(٢) فى ب (محال).

(٣) فى ب (وهو أيضا محال).

(٤) فى ب (قاعدة). انظر ل ٣٩ / أ.

(٥) فى ب (الحكمة والغرض).

٢٤

وإن كان ذلك بطريق الإلزام للخصم ؛ فلعله لا يقول به. وإن كان قائلا به ؛ فليس القول بتخطئته فى القول بحلول الحوادث بذات الرب ـ تعالى ـ ضرورة تصويبه فى رعاية الحكمة أولى من العكس (١).

الحجة (٢) الثالثة :

أنه يقال : لو كان قابلا لحلول الحوادث بذاته ؛ لكان قابلا لها فى الأزل. وإلا كانت القابلية عارضة لذاته ، واستدعت قابلية أخرى ؛ وهو تسلسل ممتنع. وكون الشيء قابلا للشىء فرع إمكان وجود المقبول ؛ إذ القابلية نسبة بين القابل والمقبول ؛ فيستدعى تحقق كل واحد منهما ، ويلزم من ذلك إمكان حدوث الحوادث فى الأزل ، وحدوث الحوادث فى الأزل ؛ ممتنع ؛ للتناقض بين كون الشيء أزليا ، وبين كونه حادثا.

ولقائل أن يقول :

لا نسلم أنه لو كان قابلا لحلول الحوادث بذاته ؛ لكان قابلا لها فى الأزل ؛ فإنه لا يلزم من القبول للحادث فيما لا يزال ـ مع إمكانه ـ القبول له أزلا مع كونه غير ممكن أزلا.

والقول بأنه يلزم منه التسلسل ؛ يلزم عليه الإيجاد بالقدرة للمقدور ، وكون الرب خالقا للحوادث ؛ فإنه نسبة متجددة بعد أن لم تكن ، فما هو الجواب به هاهنا يكون الجواب ثم.

وإن سلمنا أنه يلزم من القبول فيما لا يزال ، القبول أزلا ؛ فلا نسلم أن ذلك يوجب إمكان وجود المقبول أزلا. ولهذا على أصلنا البارى ـ تعالى ـ موصوف فى الأزل بكونه قادرا على خلق العالم ؛ ولا يلزم منه إمكان وجود العالم أزلا (٣).

__________________

(١) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٤٠ ـ ٤٣) ثم علق على هذه الحجة بقوله : «هذه الحجة مادتها من الفلاسفة الدهرية : كابن سينا وأمثاله. الخ» ص ٤٣ وما بعدها.

(٢) نقل ابن تيمية ما ذكره الآمدي «الحجة الثالثة» : (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٦٢ ـ ٦٣).

(٣) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٦٢ ، ٦٣)

ثم علق عليه وناقشه فى ص ٦٣ وما بعدها.

٢٥

الحجة (١) الرابعة :

أنه لو قامت الحوادث بذاته ؛ لكان متغيرا. والتغير على الله ـ تعالى ـ محال. ولهذا قال (الخليل (٢)) عليه‌السلام : (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) (٣) أى المتغيرين.

ولقائل أن يقول :

إن أردتم بالتغير حلول الحوادث بذاته ؛ فقد اتحد اللازم والملزوم ، وصار حاصل الشرطية : لو قامت الحوادث بذاته / ؛ لقامت الحوادث بذاته ؛ وهو غير مفيد ، ويكون القول بأن التغير على الله ـ تعالى ـ بهذا الاعتبار محال دعوى محل النزاع ؛ فلا تقبل.

وإن أردتم بالتغير معنى آخر وراء قيام الحوادث بذات الله ـ تعالى ـ ؛ فهو غير مسلم ، ولا سبيل إلى إقامة الدلالة عليه.

وأما المعتزلة (٤) : فمنهم من قال :

المفهوم من قيام الصفة بالموصوف ، حصولها فى الحيّز تبعا لحصول محلها فيه ، والبارى ـ تعالى ـ ليس بمتحيّز ؛ فلا تقوم بذاته الصفة.

ومنهم من قال : الجوهر إنما صح قيام الصفات به ، لكونه متحيزا ؛ ولهذا فإن الأعراض لما لم تكن متحيزة ؛ لم يصح قيام المعانى بها ، والبارى ـ تعالى ـ ليس بمتحيز ؛ فلا يكون محلا للصفات وهاتان شبهتان تدلان على انتفاء الصفة عن الله ـ تعالى ـ مطلقا كانت قديمة ، أو حادثة ؛ وهما ضعيفتان جدا.

أما الشبهة الأولى : فلقائل أن يقول : لا نسلم أنه لا معنى لقيام الصفة بالموصوف إلا ما ذكروه ؛ بل معنى قيام الصفة بالموصوف تقوم الصفة بالموصوف فى الوجود.

وعلى هذا فلا يلزم أن يكون المعلول قائما بالعلة ؛ لكونه متقوما بها فى الوجود ؛ إذ ليس المعلول صفة ، ولا العلة موصوفة به.

__________________

(١) من أول الحجة الرابعة نقله ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٧١ ، ٧٢) إلى قول الآمدي «ولا سبيل إلى إقامة الدلالة عليه» ثم علق عليه وناقشه فى ص ٧٢ وما بعدها.

(٢) ساقط من أ.

(٣) سورة الأنعام ٦ / ٧٦.

(٤) انظر المغنى للقاضى عبد الجبار ٤ / ٢٥٢ وشرح الأصول الخمسة ص ٢١٣ وما بعدها.

وقد نقل ابن تيمية كلام الآمدي من أول قوله «وأما المعتزلة فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٧٨).

٢٦

وأما الشبهة الثانية : فلقائل أن يقول : لا نسلم أن قيام الصفات بالجوهر ؛ لكونه متحيزا ؛ بل أمكن أن يكون ذلك بمعنى مشترك بينه وبين البارى (١) ـ تعالى ـ وإن كان ذلك لكونه متحيزا ؛ فلا يلزم من انتفاء الدليل فى حق الله ـ تعالى ـ انتفاء المدلول ؛ كما تقدم تحقيقه.

كيف : وقد أمكن أن يكون ذلك لمعنى اختص به (٢) البارى (٢) ـ تعالى ـ ولا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين فى صورتين (٣).

والمعتمد (٤) فى المسألة حجتان : تقريرية ، وإلزامية :

أما التقريرية : فهو أن يقال :

لو جاز قيام الصفات الحادثة بذات الرب ـ تعالى ـ فإما أن توجب نقصا فى ذاته ، أو فى صفة من صفاته ، أو لا توجب شيئا من ذلك.

فإن كان الأول : فهو محال باتفاق العقلاء ، وأهل الملل.

وإن كان الثانى : فإما أن تكون فى نفسها صفة كمال ، أو لا صفة كمال. لا جائز أن يقال بالأول : وإلا كان الرب ـ تعالى ـ ناقصا قبل اتصافه بها ؛ وهو محال أيضا بالاتفاق.

ولا جائز أن يقال بالثانى لوجهين :

الأول : اتفاق الأمة ، وأهل الملل قبل الكرامية على امتناع اتصاف / الرب ـ تعالى ـ بغير صفات الكمال ، ونعوت الجلال.

الثانى : هو أن وجود كل شيء أشرف من عدمه ؛ فوجود الصفة فى نفسها ، أشرف من عدمها ، فإذا كان اتصاف الرب ـ تعالى ـ بها لا يوجب نقصا فى ذاته ، ولا فى صفة

__________________

(١) فى ب (الله).

(٢) فى ب (بالبارى).

(٣) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية عن الآمدي فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٧٨ ، ٧٩) ثم علق عليه وناقشه فقال : «قلت : أما الحجة الأولى ، فيقال : قيام الصفة بالموصوف معروف يتصور بالبديهية ... الخ من ص ٧٩ إلى ص ٨٢.

(٤) من أول قول الآمدي : «والمعتمد فى المسألة : نقله ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٨٢ ـ ٨٤) إلى قول الآمدي : «وهو محال كما سبق». ثم علق عليه وناقشه فى ص ٨٤ وما بعدها.

٢٧

من صفاته على ما وقع به الفرض ، فاتصافه إذن إنما هو فى نفسه كمال لا عدم كمال. ولو كان كذلك ؛ لكان ناقصا قبل اتصافه بها ؛ وهو محال كما سبق (١).

الحجة الثانية (٢) : من جهة المناقضة للخصم ، والإلزام ، وذلك من ثمانية أوجه :

الأول : أن من مذهب الكرامية : أنهم لا يجوزون إطلاق اسم متجدد على الله ـ تعالى ـ فيما لا يزال كما بيناه من قبل ، فلو قامت بذاته صفات حادثة ؛ لاتصف بها ، وتعدى إليه حكمها : كالعلم ، فإنه إذا قام بمحل وجب اتصافه بكونه عالما ، وكذا فى سائر الصفات القائمة بمحالها. وسواء كان المحل قديما ، أو حادثا. وسواء كانت الصفة قديمة ، أو حادثة ؛ إذ لا فرق بين القديم ، والحادث من حيث أنه محل قامت به صفة ؛ إلا فيما يرجع إلى أمر خارج ؛ فلا أثر له.

وإذا ثبت ذلك ، فيلزم أن يقال : إنه قائل بقول ، ومريد بإرادة ، ويلزم من ذلك تجدد اسم لم يكن له قبل قيام الصفة الحادثة به ؛ وهو مناقض لمذهبهم (٣).

الثانى (٤) : هو أن الكرامية موافقون على أن القول ، والإرادة. لا يقومان إلا بحى : كالسمع ، والبصر. وقد وافقوا على أن الحى إذا خلا عن السمع والبصر ، لا يخلو عن ضدهما.

وعند ذلك : فإما أن يقولوا بأن الله ـ تعالى ـ يخلو عن القول الحادث ، أو الإرادة الحادثة. وعن ضدهما ؛ فلا يجدون إلى الفرق بينهما ، وبين السمع والبصر ، سبيلا.

وإن قالوا بأنه لا يخلو الرب ـ تعالى ـ عن القول ، أو الإرادة ، أو عن ضدهما. فلا يخلو ذلك الضد : إما أن يكون قديما ، أو حادثا.

فإن كان الأول : فيلزم من ذلك عدم الموجود القديم ، ضرورة حدوث ضده ؛ وهو محال بالاتفاق ، وبالدليل على ما يأتى.

__________________

(١) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٨٢ ـ ٨٤).

(٢) من أول الحجة الثانية نقله ابن تيمية عن الآمدي فى كتابه ٤ / ٩٦ ، ٩٧ ثم علق عليه وناقشه فى ص ٩٧ وما بعدها.

(٣) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية فى ص ٩٦ ، ٩٧.

(٤) نقل ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٩٨ ـ ٩٩) من أول «الثانى : أن الكرامية موافقون ... إلى قوله فهو حادث ضرورة» ثم علق عليه وناقشه فى ص ٩٩ وما بعدها.

٢٨

وإن كان الثانى : فالكلام فى ذلك الضد ، كالكلام فى الأول ؛ ويلزم من ذلك تعاقب الحوادث على الرب ـ تعالى ـ على وجه لا يتصور خلوه عن واحد منها. والحوادث المتعاقبة لا بد وأن تكون متناهية ، على ما سبق فى إثبات واجب الوجود. وما لا يخلو عن الحوادث ، فهو حادث ضرورة (١).

الثالث (٢) : أن من مذهبهم / أن القول الحادث ، والإرادة الحادثة عرض كاللون والطعم ، والرائحة ، وأنه يجوز فى الشاهد تعرى الجواهر عن الأقوال ، والإرادات ، والطعوم ، والروائح والألوان ، مع جواز اتصافها به. وقد أحالوا قيام الألوان ، والطعوم ، والروائح بذات الله ـ تعالى ـ وجوزوا ذلك فى القول ، والإرادة.

ولو قيل لهم : لم لا قضيتم بجواز قيام الطعوم ، والألوان ، والروائح بذات الله ـ تعالى ـ من غير أن يلزم استحالة التعرى عنها كما فى القول الحادث ، والإرادة الحادثة ؛ لم يجدوا إلى الفرق سبيلا (٣).

الرابع (٤) : هو أن من مذهبهم أن الرب ـ تعالى ـ متحيز ، وأنه مقابل للعرش ، وأكبر منه ، وليس مماثلا لجوهر فرد من العرش.

وقد قالوا بأن العرض الواحد لا يقوم بجوهرين : كالصفة الحادثة فى ذات الله ـ تعالى ـ وهى القول ، أو الإرادة. كما هو مذهبهم ؛ فوجب قيامها مع اتحادها بجزءين ؛ فصاعدا ؛ وهو مناقض لمذهبهم.

الخامس (٥) : هو أن من مذهبهم أن مستند المحدثات إنما هو القول الحادث ، أو الإرادة الحادثة. ومستند القول ، والإرادة إنما هو القدرة القديمة ، والمشيئة الأزلية. ولا فرق بين الحادث ، والمحدث من جهة تجدده ، وهو إنما كان مفتقرا إلى المرجح من جهة تجدده وقد استويا فى التجدد.

__________________

(١) إلى هنا انتهى ما نقله ابن تيمية عن الآمدي فى كتابه ٤ / ٩٨ ، ٩٩.

(٢) من هنا نقل ابن تيمية عن الآمدي من أول قوله : الثالث أن من مذهبهم. إلى قوله : «لم يجدو إلى الفرق سبيلا» ٤ / ١٠٢ ، ١٠٣.

(٣) انتهى ما نقله ابن تيمية فى كتابه ٤ / ١٠٢ ، ١٠٣ ثم علق عليه وناقشه فى ص ١٠٣ ، ١٠٤.

(٤) من أول الرابع : هو أن من مذهبهم نقله ابن تيمية فى ٤ / ١٠٤ ، ١٠٥ إلى قوله : «وهو مناقض لمذهبهم» ثم علق عليه وناقشه فى ص ١٠٥ ، ١٠٦.

(٥) نقل ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ١٠٦ ، ١٠٧).

الوجه الخامس وعلق عليه وناقشه فى ص ١٠٧ ـ ١٠٩.

٢٩

فلو قيل لهم : لم لا اكتفى بالقدرة القديمة ، والمشيئة الأزلية فى حدوث المحدثات من غير توسط القول ، أو الإرادة كما اكتفى بها فى القول ، والإرادة ؛ لم يجدوا إلى الفرق سبيلا.

السادس (١) : ويخص القائلين بحدوث القول. وذلك أنهم وافقوا على أن القول مركب من حروف منتظمة ، والحروف متضادة. فإنا كما نعلم استحالة الجمع بين السواد والبياض ؛ نعلم استحالة الجمع بين الحروف ، وأنه يتعذر الجمع بين الكاف والنون من قوله (كن). وقد وافقوا على استحالة تعرى البارى ـ تعالى ـ عن الأقوال الحادثة فى ذاته ، بعد قيامها به.

وعند ذلك : فإما أن يقال باجتماع حروف القول فى ذاته ـ تعالى ـ أو لا يقال باجتماعها.

فإن قيل باجتماعها. فإما أن يقال بتجزؤ ذات الله ـ تعالى ـ وقيام كل حرف بجزء منه. وإما أن يقال بقيامها [بذاته] (٢) مع اتحاد الذات.

فإن كان الأول : فهو محال لوجهين :

الأول : أنه يلزم منه / التركيب فى ذات الله ـ تعالى ـ وقد أبطلناه (٣) فى إبطال القول بالتجسيم (٣).

الثانى : أنه ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون البعض ، أولى من العكس.

وإن كان الثانى : فيلزم منه اجتماع المتضادات فى شيء واحد ، وهو محال.

وإن لم يقل باجتماع حروف القول فى ذاته ؛ فيلزم منه مناقضة أصلهم فى أن ما اتصف به الرب ـ تعالى ـ يستحيل عروه عنه ، بعد اتصافه به. والحرف السابق الّذي عدم عند وجود [الحرف] (٤) اللاحق قد كان صفة للرب ـ تعالى ـ وقد زال بعد وجوده له.

__________________

(١) نقل ابن تيمية فى كتابه الوجه السادس للآمدى ٤ / ١٠٩ ، ١١٠ وعلق عليه وناقشه فى ص ١١٠ وما بعدها.

(٢) فى أ (بذاتها).

(٣) من أول (فى إبطال ...) ساقط من ب. انظر ل ١٤٣ / ب وما بعدها.

(٤) ساقط من أ.

٣٠

السابع (١) : أنهم جوزوا اجتماع الإرادة الحادثة مع الإرادة القديمة ، ومنعوا ذلك فى العلم ، والقدرة ، ولو سئلوا عن الفرق ؛ لكان متعذرا.

الثامن : أنهم أطلقوا اسم المحدث على ما كان متجددا فى الشاهد ، ومنعوا من ذلك فى الغائب ، والفرق مع الاستواء فى التجدد ؛ غير مقبول.

وللكرامية ثلاث شبه :

الشبهة الأولى :

أنهم قالوا : وقع الاتفاق بين الأمة على أن الرب ـ تعالى ـ متكلم ، مريد ، سميع ، بصير ؛ ولا بد وأن يكون متكلما بكلام ، مريدا بإرادة ، سميعا بسمع ، بصيرا ببصر ؛ على ما تقدم فى الصفات. وقد قام الدليل على حدوث الكلام ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ؛ بما تقدم فى الصفات أيضا.

وعند ذلك : فإما أن تكون هذه المعانى قائمة بذاته ، أو بغيره ، أو لا بذاته ، ولا بغيره.

لا جائز [أن (٢) يقال (٢)] بالثانى ، والثالث ؛ لما تقدم فى الصفات أيضا. فلم يبق إلا الأول ؛ وهو المطلوب.

الشبهة الثانية :

وتخص القائلين بقيام المعانى القديمة بذات الرب ـ تعالى ـ وهو أنهم قالوا : قيام المعانى القديمة بذات الله (٣) ـ تعالى ـ صحيح بالاتفاق منا ، ومن القائلين بها ، ولا فارق بينها وبين المعانى الحادثة ، غير القدم والحدوث. والقدم معنى سلبى ؛ وهو سلب الأولية ؛ فلا يصلح لدخوله فى المقتضى لقيام المعنى بالذات ؛ فلم يبق إلا أن يكون هو القدر المشترك بين القديمة والحادثة ، وعليه بناء المطلوب.

__________________

(١) نقل ابن تيمية فى كتابه (درء تعارض العقل والنقل ٤ / ٢٦٦) من أول السابع إلى قول الآمدي : لكان متعذرا» ثم علق عليه وناقشه فى ص ٢٦٦ ، ٢٦٧.

(٢) ساقط من أ.

(٣) فى ب (الرب).

٣١

الشبهة الثالثة :

لو امتنع قيام المعانى الحادثة بذات الرب ـ تعالى ـ فإما أن تمتنع. لما به الاتفاق بينها ، وبين المعانى القديمة ، أو لما به الاختلاف (١). وما به الاختلاف (٢) ليس غير الحدوث ؛ وهو كون العدم سابقا على وجود الصفة.

لا جائز أن يقال بالأول : وإلا لامتنع قيام المعانى القديمة بذاته.

ولا جائز أن يقال بالثانى : / لأن الامتناع إنما يكون عند تقدير وجود الحادث ، وما به الامتناع ، يجب أن يكون حاصلا عند فرض الامتناع ؛ فيجب أن يكون حاصلا ، عند تقدير الوجود الممتنع. والعدم السابق لا تحقق له عند فرض الوجود الممتنع ؛ فلا يصح تعليل الامتناع به.

والجواب عن الشبهة الأولى : ما تقدم (٣) فى الصفات من امتناع حدوث المعانى القائمة بذات الله ـ تعالى ـ.

وعن الشبهة الثانية : بمنع الحصر ؛ والبحث لا يدل عليه يقينا على ما تقدم. وإن سلمنا الحصر ؛ ولكن لا نسلم أن القدم عدم ؛ بل هو عبارة عن سلب العدم السابق ؛ وسلب العدم ثبوت.

وإن سلمنا أن القدم عدم ؛ فالحدوث (٤) وجود ؛ إذ لا معنى للحدوث غير سلب القدم ، وسلب القدم يجب أن يكون ثبوتيا.

وعند ذلك : فلا مانع من كونه مانعا ، أو ما لازمه من القيام بذات الله ـ تعالى.

وعن الشبهة الثالثة : بمنع التساوى بين القديم ، والحادث. فى غير الاسم. وإن سلمنا الاشتراك فى المعنى من وجه ؛ فلا (٥) نسلم (٥) أنه لم يختص الحادث بمعنى غير الحدوث.

وإن سلمنا ذلك ؛ ولكن لا نسلم أن الحدوث سابق حالة تقدير الامتناع.

__________________

(١) فى ب (الافتراق).

(٢) فى ب (الافتراق).

(٣) فى ب (لما تقدم).

(٤) فى ب (والحدوث).

(٥) فى ب (ولكن لا نسلم).

٣٢

قولهم : إن الحدوث عبارة عن سبق العدم ؛ لا نسلم ؛ بل هو عبارة عن كون الوجود مسبوقا بالعدم. وفرق بين الأمرين. وكونه مسبوقا بالعدم ، أمر ملازم للحدوث ، ومع الحدوث. والله أعلم.

٣٣

«المسألة الخامسة»

فى أن الله ـ تعالى ـ ليس فى جهة ، ولا مكان

والّذي صار إليه أهل الحق من الملل كلها : أن البارى ـ تعالى ـ ليس فى جهة ، ومكان (١).

واتفقت المشبهة : على أنه ـ تعالى ـ فى جهة. وخصصوها بجهة فوق دون غيرها من الجهات. ثم اختلفوا :

فذهب أبو عبد الله محمد بن كرام (٢) : الى أن كونه فى الجهة : ككون الأجسام. حتى أنه قال : إنه مماس للصفحة العليا من العرش. وجوز عليه الحركة ، والانتقال ، وتبدل الجهات عليه. وإلى ذلك ذهبت اليهود (٣) ـ لعنهم الله ـ حتى [أنهم (٤)] قالوا : إن العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الجديد ، وأنه يفضل على العرش من كل جانب (٥)

__________________

(١) انظر التمهيد للباقلانى ص ١٤٩ وأصول الدين للبغدادى ص ٧٦ ـ ٧٨ ولمع الأدلة لإمام الحرمين ص ٩٤ وما بعدها والإرشاد له أيضا ص ٣٩ وما بعدها والاقتصاد فى الاعتقاد للغزالى ص ٢٢ ونهاية الأقدام للشهرستانى ص ١٠٤ ـ ١١٤ والمحصل للرازى ص ١١٣ وما بعدها وأساس التقديس له أيضا ص ٤٥ ـ ٧٧ ومعالم أصول الدين له أيضا ص ٣١ ـ ٣٣ والأربعين فى أصول الدين له أيضا ص ١٠٦ ـ ١١٨ وغاية المرام للآمدى ص ١٩٣ وما بعدها.

ومن كتب المتأخرين المتأثرين بالآمدي : شرح الطوالع ص ١٥٧ والمواقف للإيجي ص ٢٧٠ ـ ٢٧٣ وشرح المقاصد للتفتازانى ٢ / ٤٨.

أما عن الرأى المضاد فانظر : نقض المنطق لابن تيمية ١١٨ وما بعدها والعقيدة الواسطية له أيضا ص ٩ وما بعدها وشرح الطحاوية ص ١٥٧ ، ١٦٣ لابن أبى العز الحنفى. تحقيق أحمد شاكر طبع بمصر سنة ١٣٧٣ ه‍.

(٢) لتوضيح رأيه انظر الملل والنحل ١ / ١٠٨ وما بعدها. ومن الدراسات الحديثة انظر نشأة الفكر الفلسفى للنشار ١ / ٤٠٥ وما بعدها.

وما سيأتى فى الجزء الثانى ـ القاعدة السابعة ل ٢٥٦ / ب وما بعدها.

(٣) اليهود : وهم أمة موسى عليه‌السلام ، وقد اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة من أشهرها :

العنانية ، والعيسوية ، واليوذعانية ، والسامرة ، ومسائلهم تدور على جواز النسخ ومنعه ، والتشبيه ونفيه ، والقول بالقدر والجبر ، وتجويز الرجعة واستحالتها.

أما عن فرقهم وآرائهم بالتفصيل. فانظر (الملل والنحل ٢ / ١٥ ـ ٢٤ ونشأة الفكر الفلسفى ١ / ٤٩ ـ ٨٨.

(٤) ساقط من أ.

(٥) فى ب (جهة).

٣٤

أربعة أصابع. وقد وافقهم على جواز مماسة الرب ـ تعالى ـ للأجسام بعض المشبهة (١) كمضر ، وكهمس ، وأحمد الهجيمى. حيث قالوا : إن المخلصين من المسلمين يعانقون الرب ـ تعالى ـ فى الدنيا ، والآخرة.

ومنهم من قال : إنه محاذ للعرش من غير مماسة. ثم اختلف (٢) هؤلاء (٢) :

فمنهم من قال : إن ما بينه ، وبين العرش من المسافة متناهية.

ومنهم من قال : إنها / غير متناهية.

ومنهم من قال : إن كون الرب ـ تعالى ـ فى جهة (٣) لا ككون الأجسام.

والمعتمد فى ذلك أن يقال :

لو كان البارى ـ تعالى ـ فى جهة وحيز ، لم يخل : إما أن يكون فى الجهة والحيز : ككون الأجسام : وهو أن يكون بحيث يشار إليه بالحس (٤) : أنه هاهنا أو هاهنا ، وإما أن لا يكون فى الجهة والحيز (٤) : ككون الأجسام.

فإن كان الأول : فإما أن يكون فى كل جهة ، أو فى جهة واحدة.

فإن كان فى كل جهة : فيلزم منه أن تكون ذوات التحيزات ، وذوات الجهات مداخلة لذاته ـ تعالى ـ ومتحدة بها ، أو لا يكون لشيء من الجواهر والأجسام المتحيزة حيز ، ولا جهة ؛ ضرورة كون الرب ـ تعالى ـ شاغلا لكل جهة ، وحيز ؛ وهو محال.

وإن كان فى جهة واحدة ، وحيز واحد ؛ فهو ممتنع لوجهين :

الأول : أن ذلك الحيز وتلك الجهة : إما أن يكون وجوديا ، أو لا يكون وجوديا.

فإن كان وجوديا : فإما أن يكون قديما ، أو حادثا.

فإن كان قديما : فهو محال ؛ لما سيأتى فى بيان حدوث كل موجود سوى الله ـ تعالى ـ

__________________

(١) لتوضيح رأى المشبهة فى هذه المسألة بالتفصيل :

انظر الملل والنحل للشهرستانى ١ / ١٠٥ وما بعدها.

ومن الدراسات الحديثة : انظر نشأة الفكر الفلسفى فى الإسلام ـ للنشار ص ٣٨٥ ـ ٤٢٩.

وما سيأتى فى الجزء الثانى ـ القاعدة السابعة : آراء المشبهة ل ٢٥٦ / ب وما بعدها.

(٢) فى ب (اختلفوا).

(٣) فى ب (الجهة).

(٤) فى ب (بأنه هنا ، أو هناك ، أو لا يكون فى الحيز والجهة).

٣٥

وإن كان حادثا : فالبارى ـ تعالى ـ قبل حدوث هذا الحادث لا يكون فى جهة ، ولا حيز ؛ وهو خلاف مذهب الخصم.

وإن لم يكن وجوديا : فليس كون الرب ـ تعالى ـ فى الجهة (١) والحيز (١) ككون الأجسام ؛ وهو خلاف الفرض.

الثانى : أنه لا يخلو : إما أن يكون ذلك الحيز المعين ؛ هو حيز العالم ، أو غيره.

فإن كان الأول : فهو محال ، لما سبق فى القسم الأول.

وإن كان الثانى : فإما أن يكون مماسا للعالم ، أو غير مماس له.

فإن كان مماسا له : فهو ممتنع لوجهين :

الأول : أنه إما أن يكون مساويا له (٢) ، أو أكبر منه ، أو أصغر (٢). فإن كان مساويا له : فيلزم أن يكون مركبا ؛ ضرورة أن المماس منه لبعض العالم غير المماس منه للبعض الآخر ، ولأن العالم مركب ، فما ماسه وساواه ؛ فيكون مركبا. وإذا كان الرب ـ تعالى ـ متحيزا مركبا ، فيكون جسما ؛ وهو محال ؛ لما سبق (٣).

الثانى : هو أن ما ماس من الرب ـ تعالى ـ العالم غير ما لم يكن منه مماسا له. وفى ذلك أيضا ما يوجب التركيب فى ذات الله ـ تعالى ـ ؛ وهو محال.

وعلى هذا يلزم بطلان القسم الثانى أيضا. وإن كان أصغر من العالم.

فإما أن يكون مع ذلك قابلا للقسمة ، أو لا يكون قابلا لها.

فإن كان قابلا للقسمة ؛ فهو محال ؛ لما تقدم.

وإن كان غير قابل للقسمة : فهو فى الصغر والحقارة ، نازل منزلة الجوهر الفرد. / والرب ـ تعالى ـ منزه عن ذلك بالإجماع منا ، ومن الخصوم.

وإن لم يكن مماسا للعالم :

فإما أن يكون بينه وبين العالم امتداد متناه ، أو غير متناه.

__________________

(١) فى ب (الحيز والجهة).

(٢) فى ب (أو أصغر ، أو أكبر).

(٣) انظر ل ١٤٣ / ب وما بعدها.

٣٦

فإن كان الأول : فهو أيضا محال لما سبق ـ فيما إذا كان مماسا له.

وإن كان الثانى : فهو محال ؛ لأن ما بين الحيزين من الامتداد منحصر بين حاصرين. وما لا يتناهى لا يكون منحصرا بين حاصرين.

ثم لو كان من العالم على بعد لا نهاية له ، فمن مذهب الكرامية القائلين بهذا المذهب : أن الله ـ تعالى ـ يجوز أن يكون مرئيا. ومن شرط الرؤية عندهم : أن لا يكون المرئى فى غاية البعد المفرط. فإذا كان على بعد لا نهاية له ؛ فهو فى غاية البعد المفرط ؛ فيمتنع أن يكون مرئيا على أصلهم.

هذا كله إن كان الرب ـ تعالى ـ فى الجهة والحيز (١) ، ككون الأجسام.

وإن كان فى الجهة لا ككون الأجسام : فالنزاع آئل الى اللفظ دون المعنى ، والأمر فى الإطلاق اللفظى متوقف على ورود الشرع. وسيأتى ما فيه عن قرب. وقد استدل الأصحاب على امتناع كون الرب ـ تعالى ـ فى الجهة والحيز ، بمسالك لا بد من ذكرها ، والتنبيه (٢) على ما فيها.

المسلك الأول :

وهو مسلك القاضى أبى بكر ، وهو أن قال (٣) : لو كان البارى (٤) ـ تعالى ـ متحيزا ؛ لكان مشاركا للجوهر فى أخص أوصافه ، والمشتركات فى أخص الأوصاف يلزم تماثلها ، ويلزم من ذلك أن يكون الرب ـ تعالى ـ جوهرا ؛ وهو باطل كما (٥) سبق.

وبيان أن الاختصاص بالحيز من أخص أوصاف الجوهر. أن تميز الجوهر عن جميع الأعراض ليس إلا بذلك ؛ فكان أخص وصف له.

وبيان أن الاشتراك فى أخص الأوصاف ، يوجب التماثل. أنه لو لم يكن كذلك ؛ لجاز اختصاص أحد السوادين ، بصفة لا ثبوت لها فى الثانى ، ولجاز اشتراك المختلفات

__________________

(١) فى ب (والتحيز).

(٢) فى ب (سردها).

(٣) فى ب (يقال).

(٤) فى ب (الرب).

(٥) انظر ل ١٤٢ / أوما بعدها.

٣٧

فى أخص صفة الواحد منها. ويلزم من ذلك جواز كون السواد حلاوة ، علما ، قدرة ، إلى غير ذلك ؛ وهو محال كما يأتى [تحقيقه (١)] فى التماثل ، والاختلاف (٢).

ولقائل أن يقول :

وإن سلم مشاركة البارى ـ تعالى ـ للجوهر فى الاختصاص بالحيز ؛ فلا نسلم أن اختصاص الجوهر بالحيز ، من أخص أوصاف الجوهر ، وإنما (٣) يكون من أخص أوصاف الجوهر (٣) أن لو لم يكن ذلك من صفات الرب ـ تعالى ـ وإنما (٤) يمتنع أن يكون من صفات الرب ـ تعالى ـ أن لو كان من (٥) أخص صفات (٥) الجوهر ؛ فإذن يتوقف (٦) امتناع اتصاف الرب ـ تعالى ـ به / على أنه من أخص صفات الجوهر. وكونه من أخص صفات الجوهر ، متوقف على امتناع كونه صفة للرب (٧) ـ تعالى ـ ؛ وهو دور ممتنع.

وإن سلمنا أن الاختصاص بالحيز من أخص أوصاف الجوهر ؛ فالاشتراك فيه هل يكون موجبا للتماثل؟ فسيأتى تحقيقه فى التماثل ، والاختلاف (٨).

المسلك الثانى :

أنه لو كان الرب ـ تعالى ـ مختصا (٩) بحيز ، وجهة (٩). لم يخل : إما أن يكون اختصاصه بذلك الحيز لذاته ، أو لكون قام بذاته أوجب اختصاصه (١٠) بذلك الحيز.

لا جائز أن يقال بالأول : لأن نسبة جميع الأحياز إلى ذاته ـ تعالى ـ نسبة واحدة ؛ فليس اختصاص ذاته بالبعض أولى من البعض.

وإن كان الثانى : فذلك الكون : إما قديم ، أو حادث.

لا جائز أن يكون قديما : إذ الكون عرض ، والعرض متجدد غير باق على ما سيأتى (١١) ؛ فلا يكون قديما.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) انظر الجزء الثانى ل ٥٧ / ب وما بعدها.

(٣) من أول (وإنما يكون ...) ساقط من ب.

(٤) فى ب (وإنه).

(٥) فى ب (أخص من صفات).

(٦) فى ب (يتوقف على).

(٧) فى ب (للبارى).

(٨) انظر الجزء الثانى ل ٥٧ / ب وما بعدها.

(٩) فى ب (بجهة وحيز).

(١٠) فى ب (تخصيصه).

(١١) انظر الجزء الثانى ل ٤٤ / ب وما بعدها.

٣٨

وإن كان حادثا : كان الرب ـ تعالى ـ محلا للحوادث ؛ وهو ممتنع كما سلف (١).

ولقائل أن يقول :

من الجائز أن تكون الأحياز (٢) ، والجهات (٢) مختلفة ؛ فإن التماثل غير معلوم بالضرورة ، ولا قام عليه دليل نظرى.

وعند ذلك : فلا نسلم أن نسبتها إلى ذات البارى (٣) ـ تعالى ـ على السوية. وعند ذلك فمن الجائز أن يكون اختصاص ذاته ببعض الجهات لذاته. أو (أن) (٤) بعض الأحياز اقتضى لذاته. أن يكون مختصا بالبارى تعالى. دون غيره من غير كون موجب للاختصاص (٥). ثم (٥) وإن سلمنا تساوى الأحياز بالنسبة إلى ذات البارى ـ تعالى ـ ؛ ولكن لا نسلم أنه لا بد من كون مخصص له بالحيز.

ولهذا فإنه يصح اتصاف الحى بالعلم والجهل ، على البدل ؛ لكون الحياة مصححة لكل واحد منهما. وما لزم من اتصاف الرب ـ تعالى ـ بالعلم الأزلى بدلا عن الجهل مع وجود المصحح له ، أن يكون مخصصا بكون ؛ فكذلك فى اختصاصه بالحيز (٦) ، والجهة (٦).

فإن قيل : إنما اختص بالعلم ، وبغيره من الصفات الأزلية من غير مخصص (٧) من حيث كانت صفات مدح وكمال ؛ بخلاف الاختصاص ببعض الأحياز ، دون البعض.

وأيضا : فقد ثبت أن البارى ـ تعالى ـ هو المخصص لسائر الموجودات ، وذلك يستدعى أن يكون متصفا بالعلم ، والقدرة ، والإرادة. فلو استدعى فى اتصافه بهذه الصفات مخصصا ؛ لزم التسلسل الممتنع.

قلنا : أما الأول : فإنما يصح أن لو ثبت أن الاختصاص ببعض الأحياز ، والجهات ليس من صفات المدح ؛ وهو غير مسلم / من حيث أن جهة العلو أشرف من جهة

__________________

(١) انظر ل ١٤٦ / أوما بعدها.

(٢) فى ب (الجهات والأحياز).

(٣) فى ب (الرب).

(٤) ساقط من أ.

(٥) فى ب (لاختصاص).

(٦) فى ب (بالجهة والحيز).

(٧) فى ب (مصحح).

٣٩

السفل ؛ فالاختصاص بها يكون من صفات المدح. اللهم إلا أن يبين لزوم النقص من الاختصاص بالحيز من جهة أخرى.

وعند ذلك : فيكون تركا لهذا المسلك ؛ وعدولا إلى غيره.

وأما الثانى : فإن قيل بأن المخصص لا يستدعى فى اتصافه بصفاته (١) إلى مخصص (١) مطلقا ؛ لزم طرد ذلك فى الاختصاص ، بالحيز ، والجهة.

وإن قيل بأنه لا يفتقر إلى المخصص فى اتصافه (٢) بالصفات التى بها يكون مخصصا دون غيرها ؛ فلا يخفى أن صفة الكلام ، والسمع ، والبصر [ليست] (٣) من الصفات الموجبة للتخصيص ؛ فيلزم أن يكون فى اتصافه بها مفتقرا إلى مخصص ؛ وهو محال.

وإن سلمنا أن اختصاص الرب ـ تعالى ـ بالحيز يوجب قيام المعنى المخصص به ؛ ولكن لا نسلم أنه عرض ، ولا متجدد ؛ بل حكمه حكم باقى صفات الرب ـ تعالى ـ من العلم ، والقدرة ، ونحوه (٤) ؛ فلا يكون ذلك موجبا لحلول الحوادث بذات الرب ـ تعالى ـ.

المسلك الثالث :

أنه لو كان البارى (٥) ـ تعالى ـ مختصا بحيز ، وجهة. فإما أن يصح عليه أن يقع فى امتداد الإشارة ، أو لا يصح عليه ذلك.

فإن لم يصح عليه ذلك : فليس فى تلك الجهة حقيقة ؛ بل لفظا.

وإن صح عليه ذلك : فإما أن يكون له بعد ، أو لا بعد له أصلا.

فإن لم يكن له بعد ، وامتداد : فليس فى الحيز ككون الجوهر فى الحيز. والنزاع فى كونه إذ ذاك متحيزا ليس إلا من جهة اللفظ ، لا من جهة المعنى.

__________________

(١) فى ب (مخصصا).

(٢) فى ب (اختصاصه).

(٣) فى أ (ليس).

(٤) فى ب (ونحوهما).

(٥) فى ب (الرب).

٤٠