🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
🚘 نسخة غير مصححة

الثانى : أن الكفر ، والمعاصى من الكائنات ، فلو كانت مرادة لله ـ تعالى ـ لكان فاعلها بموافقته لإرادة الله ـ تعالى ـ مطيعا. ويدل على أن موافقة المريد فيما أراد طاعة : هو أن من أفاد إظهار الطاعة لغيره ، وقال : إنى أفعل ما تريد كما تقول : إنى أفعل / ما تأمر ؛ ولهذا قال الشاعر :

ربّ من انضجت غيظا صدره

قد تمنّى لى موتا لم يطع

أى لم يجب إلى ما أراد ، وفيه إضافة الطاعة إلى الإرادة.

ويدل عليه من السنة : قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لعمه أبى طالب : «إن أطعت الله أطاعك» : أى إن فعلت ما أراد فعل ما تريد. ويلزم من كون الكافر والعاصى ، مطيعا بكفره ومعصيته ، أن يكون مستحقا للثواب ؛ وهو باطل بالإجماع.

الثالث : أن من جملة الكائنات : السفه ، والظلم. فلو كان الرب ـ تعالى مريدا له ؛ لكان سفيها ظالما. على (١) ما يشهد به العرف. والسفيه الظالم مذموم ملام (١) ، والرب يتعالى (٢) عن ذلك.

الرابع : أن من الكائنات القبائح ، وإرادة القبيح (٣) قبيحة ؛ فلو كان الرب ـ تعالى ـ مريدا للقبائح ؛ لكانت إرادته قبيحة ؛ وهو محال.

الخامس : هو أن الله ـ تعالى ـ عالم حكيم. ورعاية الصلاح فى فعله واجب على ما تقدم فى التجوير ، والتعديل ، ولا مصلحة فى إرادة الكفر والمعصية ؛ لكونه موبقا مهلكا ؛ فلا يكون مريدا له.

السادس : أنه إذا جاز أن يكون خالقا الكفر ، والمعصية. ثم ينهى عنه ؛ فلا مانع أن يكون خالقا له ؛ وهو غير مريد له.

السابع : المعارضة بالنصوص (٤) :

فمنها قوله ـ تعالى (٤) ـ : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (٥) والعسر من جملة الكائنات.

__________________

(١) من أول (على ما يشهد ... ملام) الموجود بدلها فى ب (مذموما).

(٢) فى ب (تعالى يتقدس).

(٣) فى ب (القبائح).

(٤) فى ب (بقوله تعالى).

(٥) سورة البقرة ٢ / ١٨٥.

٤٨١

ومنها قوله ـ تعالى ـ : (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ) (١) ، (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ) (٢). والظلم من جملة الكائنات.

ومنها قوله ـ تعالى ـ : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) (٣). وقوله ـ تعالى ـ : (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) (٤). والعسر ، والظلم ، والفساد ، والكفر من جملة الكائنات ، وقد دلت هذه النصوص على أنه غير مراد.

سلمنا أن كل كائن مراد لله ـ تعالى ـ ؛ ولكن لا نسلم أن كل ما ليس بكائن غير مراد الكون.

قولكم : لا بد وأن يكون الرب ـ تعالى عالما بأنه لا يكون ، مسلم ، ولكن لا نسلم استحالة كون ما علم الله أنه لا يكون.

وإن سلمنا استحالة كونه ؛ فلا نسلم استحالة إرادة ما علم الله أنه لا يقع على وفق الإرادة.

ولهذا فإن كل أحد يريد البقاء ألف سنة ، أو أكثر ، وإن علم بالقطع بقول نبى صادق مخبر (٥) عن الله أنه لا يبقى تلك المدة.

قولكم : ولأنه إما أن يقع مراده (٦) أو لا يقع. لم قلتم أنه يمتنع أن لا يقع؟

قولكم : يلزم منه أن يكون عاجزا قاصرا عن تحقيق مراده.

قلنا : متى يلزم منه القصور والعجز فيما هو من فعله ، إذا لم يقع وهو / مراد له أولى من فعله. الأول ؛ مسلم ؛ والثانى ؛ ممنوع.

ولهذا : فإن فى الشاهد من أراد القيام ، والقعود ، وما هو من أفعاله ، ولم يتمكن منه عد عاجزا. بخلاف من أراد من غيره القيام والقعود ، ولم يفعل ؛ فإنه لا يعد عاجزا. والّذي نسلم أنه لا يقع من مراد الله : إنما هو فعل غيره ، لا ما هو من فعل نفسه.

__________________

(١) سورة غافر ٤٠ / ٣١.

(٢) سورة آل عمران ٣ / ١٠٨.

(٣) سورة البقرة ٢ / ٢٠٥.

(٤) سورة الزمر ٣٩ / ٧.

(٥) فى ب (يخبر).

(٦) فى ب (مرادهما).

٤٨٢

وإن سلمنا إمكان تحقيق العجز بالنسبة إلى فعل الغير : ولكن فى حق من يقدر على اضطرار ذلك الغير إلى مراده ، أو فى حق من لا يقدر؟ الأول ؛ ممنوع. والثانى ؛ مسلم.

والإيمان من الكافر ، وإن لم يكن من فعل الله ـ تعالى ـ فقادر على اضطراره إليه باظهار آية يظل عنقه (١) لها خاضعا (١) ، على ما قال ـ تعالى ـ : (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (٢). وقال ـ تعالى ـ : (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) (٣) : أى لجعلناهم على الهدى قسرا ، وقهرا.

والّذي يدل على ذلك : أنه لو فاجأ (٤) زمن مقعد ضعيف لملك (٤) عظيم فى دست مملكته ، والأعوان من حوله (وأخذ (٥) يسبه ، يلعنه (٥)). فإنا نعلم من الملك أنه لا (٦) يمنعه ذاك منه (٦) ، ولا يعد إهماله مع العلم بقدرته على ردعه ، وزجره ، عجزا منه ، ولا قصورا.

سلمنا إمكان العجز ، والقصور مطلقا : ولكن (٧) بالنسبة إلى من يتضرر وينتفع بموافقة إرادته ومخالفتها ، أو بالنسبة إلى من ليس كذلك. الأول ، مسلم ، والثانى ، ممنوع. والرب يتعالى ، ويتقدس عن الاضرار (٨) ، والانتفاع (٨) ؛ فلا يعد قاصرا ، ولا عاجزا بعدم نفوذ إرادته.

سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع إرادة ما لم يقع ؛ لكنه معارض بما يدل على نقيضه.

وبيانه : أن الله ـ تعالى ـ أمر بالإيمان ، والطاعة ، ويلزم من كونه مأمورا ، أن يكون مرادا لله ـ تعالى ـ ويدل عليه (٩) وجهان :

__________________

(١) فى ب (لهذا خاضعة).

(٢) سورة الشعراء ٢٦ / ٤.

(٣) سورة السجدة ٣٢ / ١٣.

(٤) فى ب (جاز من مقعد ضعيف إلى ملك).

(٥) فى أ (سبه ولعنه).

(٦) فى ب (لا بد ذلك منه).

(٧) فى ب (ولكن لا نسلم).

(٨) فى ب (الانتفاع).

(٩) فى ب (على ذلك).

٤٨٣

الأول : أنه لو جمع الأمر بين (١) قوله لغيره آمرك (١) بكذا ، (ولا أريده (٢)) منك. كان متناقضا كما عرف فى النهى.

الثانى : أن قول القائل لغيره : افعل. قد يرد للإيجاب كقوله ـ تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ) (٣).

والندب : كقوله ـ تعالى ـ : (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) (٤).

والإرشاد : كقوله ـ تعالى ـ : (فَاسْتَشْهِدُوا) (٥).

والإباحة : بقوله : (فَاصْطادُوا) (٦).

والتأديب : كقوله عليه‌السلام لابن عباس : «كل ممّا يليك».

والامتنان : كقوله (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) (٧).

والإكرام : كقوله (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ) (٨).

والتهديد (٩) : كقوله (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) (١٠).

وللتسخير : كقوله (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) (١١).

وللتعجيز : كقوله (كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً) (١٢).

والإهانة (١٣) : كقوله (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ / الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (١٤).

__________________

(١) فى ب (لغيره بين قوله أمرتك).

(٢) فى أ (ولا أريد).

(٣) سورة الإسراء ١٧ / ٧٨.

(٤) سورة النور ٢٤ / ٣٣.

(٥) سورة النساء ٤ / ١٥.

(٦) سورة المائدة ٥ / ٢.

(٧) سورة البقرة ٢ / ٥٧.

(٨) سورة الحجر ١٥ / ٤٦.

(٩) فى ب (وللتهديد).

(١٠) سورة فصلت ٤١ / ٤٠.

(١١) سورة البقرة ٢ / ٦٥.

(١٢) سورة الإسراء ١٧ / ٥٠.

(١٣) فى ب (وللإهانة).

(١٤) سورة الدخان ٤٤ / ٤٩.

٤٨٤

وللتسوية : كقوله (فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا) (١).

والإنذار : كقوله (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا) (٢).

وللدعاء : كقول القائل : «اللهم اغفر لى».

ولكمال القدرة كقوله : (كُنْ فَيَكُونُ) (٣).

وللتمنى كقول الشاعر (٤) : ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلى.

وإنما تتعين للإيجاب بإرادة المأمور به ؛ فدلّ على أنه قد يريد الإيمان من الكافر ؛ لكونه مأمورا به ، ومع ذلك فهو غير واقع منه.

وأما ما ذكرتموه من الاستشهاد بقول أهل الإجماع : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن. فتمسك بالإطلاقات ، والظواهر الظنيات فى القطعيات ؛ وهو ممتنع.

وأيضا : فإن من مذهبكم أن العموم لا صيغة له.

وعند ذلك : فلا مانع من حمل هذا الإطلاق على بعض المرادات دون البعض. وإن كان ظاهرا فى العموم ؛ فهو معارض باجماع آخر ، وهو أن الإطلاق أيضا شائع ذائع بقولهم : استغفر الله مما كره الله من غير نكير أيضا.

وذلك يدل على أن المعاصى واقعة مع كراهية الله ـ تعالى ـ لها (٥). ويلزم من كونه كارها لها ؛ أن لا يكون مريدا لها.

سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن كل كائن مراد لله ـ تعالى ـ وأن كل ما ليس بكائن ، غير (٦) مراد الكون له (٦) ؛ ولكنه معارض بما يدل على عدم ذلك.

__________________

(١) سورة الطور ٥٢ / ١٦.

(٢) سورة المرسلات ٧٧ / ٤٦.

(٣) سورة البقرة ٢ / ١١٧ وآل عمران ٣ / ٤٧ ، ٥٩ والأنعام ٦ / ٧٣ ، النحل ١٦ / ٤٠ يس ٣٦ / ٨٢ وغافر ٤٠ / ٦٨.

(٤) هو امرئ القيس بن حجر الكندى.

(٥) ساقط من ب.

(٦) فى ب (ليس مراد الكون).

٤٨٥

وذلك لأنه لو كان كما ذكرتموه ؛ فكل ما هو مراد لله ـ تعالى ـ فلا بد من وقوعه ، وما ليس مرادا (١) لله (١) ؛ فيمتنع وقوعه.

ويلزم من ذلك أن يكون العبد مضطرا ، وملجأ إلى ما (٢) يفعل ، وإلى ما لا (٢) يفعل على وجه لا يتمكن من الفعل بدل الترك ، والترك بدلا عن الفعل ؛ وهو خلاف الحس.

ويلزم منه إبطال الأمر ، والنهى ، والثواب ، والعقاب : على الطاعات ، والمعاصى ؛ وهو خلاف الشرع ، والدين ، وإجماع المسلمين.

والجواب :

قولهم : لا نسلم أن كل كائن مخلوق لله ـ تعالى ـ فدليله ما سبق فى الأصل الثانى.

قولهم : لا نسلم كونه مريدا له.

قلنا : دليله ما بيناه.

قولهم : الكفر ، والمعاصى منهى عنه ، وعنها ، مسلم.

قولهم : كل منهى مكروه غير مراد الكون.

قلنا : لا نسلم أن كل منهى غير مراد الكون ، والمكروه لله من المنهى الواقع : إنما هو كونه معصية ، لا نفس حدوثه ؛ كما سبق فى أضداد الإرادة.

قولهم : لو قال القائل لغيره : أنهاك عن كذا ، وأريد وقوعه منك ، ولا أكرهه ؛ كان تناقضا.

لا نسلم ذلك. وكيف يستقيم ذلك ، والسيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده المتواعد منه بأليم عقابه : إذا اعتذر عن ذلك / بمخالفته لنهيه (٣) فقال : انهه بين يدى. فنهاه عن فعل من الأفعال طلبا للخلاص من عقاب السلطان ؛ فإنا نعلم أنه (٤) لا يكره منه الفعل الّذي نهاه عنه ؛ بل يكون مريدا منه أن لا يفعل ، تحقيقا لنجاته ، وبسط

__________________

(١) فى ب (بمراد).

(٢) فى ب (ما يفعله وما لا يفعله).

(٣) فى ب (لنهيه عنه).

(٤) فى ب (يكره).

٤٨٦

عذره. ومع ذلك يعد العبد مطيعا : بتقدير الامتثال. وعاصيا : بتقدير المخالفة ، ويتحقق تمهيد عذر السيد بتقدير المخالفة. ولو لا أن ما أتى به نهى (١) ؛ لما تحقق شيء من ذلك.

قولهم : إنما يتحقق صرف قوله : لا تفعل إلى النهى دون غيره من المحامل بكراهة (٢) الفعل المنهى عنه ؛ لا نسلم ذلك. وما المانع من الصرف بقرينة أخرى غير ما ذكروه؟ وما المانع أن يكون الصارف القرائن الدالة على اللوم ؛ بتقدير الفعل. والثناء ؛ بتقدير الترك قصدا؟

قولهم : الكفر ، والمعاصى من الكائنات ؛ مسلم.

قولهم : لو كان مرادا لله ـ تعالى ـ ؛ لكان الكافر ، والعاصى مطيعا بموافقته للإرادة.

قلنا : الكفر ، والمعصية من حيث هو فعل حادث مراد لله ـ تعالى ـ لا من حيث هو كفر ، ومعصية على ما سبق.

وعلى هذا : فلا يلزم أن يكون الكافر بكفره ، وبمعصيته مطيعا.

وإن سلمنا أن الكفر والمعصية مرادان : ولكن لا نسلم تحقق الطاعة بفعل المراد من حيث هو مراد ؛ بل من جهة كونه مأمورا به لظهور الأمر ، وشهرته بخلاف الإرادة ؛ إذ هى كامنة باطنة.

ولهذا يقال فى العرف : فلان مطاع الأمر. ولا يقال : فلان مطاع الإرادة ومنه قوله ـ تعالى ـ إنباء (٣) عن قول موسى لهارون : عليهما‌السلام (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) (٤) ولم يقل إرادتى.

والّذي يدل على أن موافقة الإرادة ليست طاعة أمور ثلاثة :

الأول : أنه لو أراد مريد من شخص شيئا ، فوقع المراد من فعل ذلك الشخص على وفق إرادة المريد من غير شعور للفاعل بإرادة المريد ؛ فإنه لا يكون طاعة ، وإن تحقق ما ذكروه من موافقة الفعل للإرادة.

__________________

(١) فى ب (منهى).

(٢) فى ب (بكراهيته).

(٣) فى ب (اخبارا).

(٤) سورة طه ٢٠ / ٩٣.

٤٨٧

الثانى : أنه لو كان الفعل على الإرادة طاعة للمريد ؛ لكان من أراد فعل أمر ففعله ، يكون مطيعا لنفسه بنفسه ، وهو ممتنع. ولهذا فإنه لما كان امتثال الأمر طاعة ؛ امتنع أمر المرء لنفسه.

الثالث : أنه لو كان موافقة الإرادة طاعة ؛ لكان موافقة المريد فى إرادته طاعة له.

ولهذا : فإن من أراد إظهار الخضوع لغيره لا يفرق بين قوله : إنى فاعل لما تريد ، وبين قوله : إنى مريد لما تريد ، ولو كان كذلك ؛ لكانت إرادة الواحد / منا لموت الأنبياء ، وإنظار ابليس طاعة لله ـ تعالى ـ لموافقة إرادة الرب ـ تعالى ـ ذلك ؛ وهو محال.

وبه يبطل ما ذكروه من قولهم : إن من أراد إظهار الطاعة لغيره قال : إنى أفعل ما تريد.

وأما الشعر : فبتقدير أن يكون ممن يحتج بقوله فى اللغة ؛ فلا حجة فيه ؛ إذ المذكور فيه التمنى ، والتمنى ليس بإرادة ؛ وإلا كان الرب ـ تعالى ـ متمنيا ؛ لكونه مريدا. وموافقة المتمنى ؛ ليست طاعة بالاتفاق.

وإن قيل : إنه تجوز بالتمنى عن الإرادة ؛ فليس أولى من القول : بأنه تجوز به عن الأمر.

ثم وإن سلمنا أن موافقة المريد فى إرادته طاعة : ولكن مطلقا ، أو بشرط أن يكون الآتى به قاصدا لموافقة الإرادة. الأول ، ممنوع على ما تقدم. والثانى ؛ مسلم ؛ ولكن الكافر لا يأتى بالكفر لقصد موافقته إرادة الرب ـ تعالى ـ فلا يكون مطيعا بذلك.

قولهم : لو كان مريدا للسفه والظلم ؛ لكان سفيها ظالما ، سبق جوابه فى خلق الافعال.

قولهم : إن إرادة القبيح قبيحة ؛ فهو مبنى على فاسد أصولهم فى التحسين ، والتقبيح الذاتى ؛ وقد أبطلناه (١).

قولهم : رعاية الصلاح فى فعله واجب ؛ باطل بما سبق فى التعديل والتجوير (٢).

__________________

(١) فى ب (سبق بطلانه). انظر ل ١٧٥ / أوما بعدها.

(٢) انظر ل ١٧٤ / ب وما بعدها.

٤٨٨

قولهم : إذا جاز أن يكون آمرا بالشيء ، وليس مريدا له ؛ جاز أن يكون خالقا له (١) ، ولا يكون مريدا له ؛ فهو جمع من غير دليل جامع ؛ فلا يقبل.

كيف والفرق حاصل ؛ وذلك لأن الأمر لا يتوقف عليه وجود المأمور بخلاف الإرادة فى الاتحاد ، ضرورة كون الحادث جائزا ، وتخصيص الحادث (٢) دون مخصص ؛ محال كما سبق.

وأما النصوص : فقد سبق جوابها فى مسألة الإرادة (٣).

قولهم : لا نسلم استحالة كون ما علم الله أنه لا يكون.

قلنا : لأنه لو وقع لانقلب علم البارى جهلا ؛ وهو محال. وما لزم عنه المحال ؛ فهو محال. غير أن إحالته لا لذاته ؛ بل لغيره ، والمحال لغيره مساو للمحال لذاته من جهة أنه لا يقع.

قولهم : لا نسلم امتناع إرادة ما علم أنه لا يقع.

قلنا : امتناع ذلك مما يعلمه كل أحد من نفسه بالضرورة.

وما ذكروه من المثال ، فلا نسلم أنه إرادة ؛ بل هو تمن ؛ والتمنى على الله ـ تعالى ـ محال.

قولهم : العجز والقصور إنما يلزم فيما هو من فعل نفسه. لا فيما هو من فعل غيره ؛ فهو مبنى على فاسد أصولهم أن ثم خالقا غير الله ـ تعالى وفاعلا سواه. وقد أبطلناه فى مسألة الأصل الثانى ، وبينا أنه لا خالق إلا الله ـ تعالى ـ ولا مبدع سواه.

قولهم : إنما يكون عاجزا : أن لو لم يكن قادرا ؛ على اضطرار العبيد إلى ما يريد.

قلنا : الاضطرار / بطريق إظهار الآيات ، وأنواع المحرمات : إما أن يكون مفضيا إلى الإيمان فى حق من يعرف (٤) الإله ـ تعالى (٤) ـ ، أو فى حق من لا يعرفه (٥).

__________________

(١) فى ب (للشيء).

(٢) فى ب (الجائز).

(٣) انظر ل ٧٢ / أوما بعدها.

(٤) فى ب (لا يعرف الإله).

(٥) فى ب (يعرف).

٤٨٩

الأول : ممنوع ؛ لأن المعرفة حاصلة له ؛ وتحصيل الحاصل محال.

والثانى : أيضا ممتنع ؛ لأن من لا يعرف الله ـ تعالى ـ لا يعلم أن المقصود من ذلك الانقياد إلى معرفته ؛ فلا يكون مفضيا إلى المعرفة.

فإن قالوا : بأن الله ـ تعالى ـ يقيض له ملكا يقول له : إنك إن آمنت نجوت من هذه المهالك ، وإن أصررت على كفرك هلكت.

فنقول : الإيمان بالملائكة فرع الإيمان بالله ـ تعالى ـ فمن لا يصدق بالله ـ تعالى ـ ؛ فلا (١) يكون مصدقا بالملائكة.

ثم وإن كان مصدقا بالملائكة : فما (٢) الّذي يؤمنه أن يكون المخاطب له عفريتا (٣) ، لا ملكا.

ثم وإن سلمنا إمكان معرفته بذلك : ولكن لا نسلم أن ظهور الآيات ، وأنواع المخوفات (٤) مما يوجب الاضطرار إلى الإيمان ، ويدل عليه قوله ـ تعالى ـ (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) (٥). وقوله ـ تعالى ـ : (وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (٦).

ثم وإن سلمنا لزوم الاضطرار إلى الإيمان من ظهور الآيات ، غير أن القول بالاضطرار منهم لا يصح ؛ فإن المقصود من التكليف بالإيمان ، والطاعة عندهم : إنما هو الفوز بالنعيم المقيم ، وإزاحة العذاب الأليم ، وذلك لا يحصل عندهم بالاضطرار ؛ بل إنما يحصل بالاختيار.

وعند ذلك : فالتكليف بالإيمان مع عدم حصول الغرض منه ، والحكمة المطلوبة يكون قبيحا ؛ والقبيح يستحيل صدوره من الله ـ تعالى ـ عندهم. وأما ما (٧) تمسكوا به (٧) من الآيات : فظواهر غير يقينية محتملة التأويل ، والتخصيص ، والمعارضة.

__________________

(١) فى ب (لا).

(٢) فى ب (فمن).

(٣) فى ب (شيطانا).

(٤) فى ب (المخلوقات).

(٥) سورة الانعام ٦ / ١١١.

(٦) سورة يونس ١٠ / ١٠١.

(٧) فى ب (ما ذكروه من).

٤٩٠

كيف وأن قوله : (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (١). وقوله (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) (٢).

إما أن يكون ذلك بطريق الاضطرار ، أو لا بطريق الاضطرار.

فإن كان بطريق الاضطرار ؛ فهو قبيح عندهم على ما سبق.

وإن كان لا بطريق الاضطرار ؛ فلا يكون الإيمان لازما.

وعلى هذا فقد خرج الجواب عما ضربوه من مثال الملك.

قولهم : إنما يوصف بالنقص ، والقصور من يتضرر ، وينتفع.

قلنا : فيلزم على نفوذ ما قالوه أن لا يوصف الرب ـ تعالى ـ بالنقص ، والقصور بتقدير عدم نفوذ إرادته فى أفعاله ؛ وهو محال.

ويلزم أيضا أن لا توصف الجمادات بالنقص نظرا إلى ما فاتها من كمالات الحيوانات ؛ لعدم تضررها / وانتفاعها ؛ وهو أيضا ممتنع.

قولهم : يلزم من كون الإيمان مأمورا أن يكون مرادا ، (فقد (٣) بينا إبطال (٣)) ملازمة الإرادة للأمر فى مسألة الكلام ،

وما ذكروه فى التقرير من الوجهين ؛ فجوابهما على ما عرف فى النهى.

قولهم : ما ذكرتموه من الإجماع فأمر ظنى.

قلنا : وإن كان ظنيا ؛ فلم (٤) نذكره (٤) للاستدلال ؛ بل إنما ذكرناه لبيان أن ما ذكرناه على وفق الدين ، وإجماع المسلمين ؛ بخلاف ما ذكروه.

قولهم : العموم عندكم لا صيغة له.

__________________

(١) سورة الشعراء ٢٦ / ٤.

(٢) سورة الأنعام ٦ / ٣٥.

(٣) فى ب (فقد بينا) ، فى أ (بينا إبطال).

(٤) فى ب (إلا أنا لم نذكره).

٤٩١

قلنا : بمعنى أنه ليس ثم (١) صيغة يقتضي مجردها (٢) العموم ، مع قطع النظر عن القرائن ، والقرائن فيما نحن فيه متضافرة على إرادة العموم من قولهم : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن. فإنهم إنما يوردون ذلك فى معرض التعظيم لله ـ تعالى ـ وإعلاء شأنه ـ ولا يمكن أن يقال بتحقيق هذا المعنى بنفوذ مشيئته فى أفعاله دون أفعال العباد ؛ إذ الواحد منا أيضا بهذه المثابة ، ولا فائدة فى تخصيص الرب ـ تعالى بذلك.

وما ذكروه من المعارضة بقولهم : استغفر الله مما يكره الله ؛ فيجب حمله على المنهى عنه لا على ما يناقض الإرادة ؛ فإن تسمية المنهى مكروها ، شائع ؛ وهو الأولى. جمعا بين الدليلين ؛ فإنه أولى من تعطيل أحدهما.

قولهم : ما ذكرتموه يلزم منه أن يكون العبد مضطرا إلى آخر ما ذكروه.

قلنا : هذا لازم عليكم فى العلم ؛ فإن ما علم الله وقوعه ؛ لا بد من وقوعه ، وما علم عدمه ؛ فلا بد من عدمه. وقد يخرج العبد بذلك عن الاختيار كما قلتم فى الإرادة.

وما هو الجواب فى العلم ، هو الجواب فى الإرادة ، والله أعلم.

__________________

(١) فى ب (ثمة).

(٢) فى ب (بمجردها).

٤٩٢

النوع السابع

فى أسماء الله الحسنى (١)

ويشتمل على ثلاثة فصول :

الأول : فى الاسم ، والتسمية (والمسمى) (٢)

الثانى : فى جواز مأخذ تسميات الأسماء الحسنى.

الثالث : فى معانى أسماء الله الحسنى.

__________________

(١) ورد هذا النوع فى المواقف باسم المرصد السابع : فى أسماء الله تعالى. وفيه ثلاثة مقاصد ، وهو اختصار لما ورد هنا مفصلا. يقول شارح المواقف ـ الّذي اعتمد على الأبكار أيضا فى شرحه ـ فى نهاية المرصد السابع : (ثم إن المصنف تابع الآمدي فى تفسير هذه الأسماء على وجه الاختصار تقريبا لفهمها على طلابها ؛ فتبعناهما فيه).

(٢) ساقط من أ.

٤٩٣
٤٩٤

الفصل الأول

فى الاسم ، والتسمية ، والمسمى.

اتفق العقلاء : على المغايرة بين التسمية ، والمسمى ، واختلفوا فى الاسم.

مذهب الأكثر من أصحابنا (١) ، والجم الغفير : إلى أن التسمية : هى نفس الأقوال الدالة. والاسم : هو نفس المدلول.

وسواء كان المدلول وجودا ، أو عدما ؛ خلافا لشذوذ من أصحابنا فى قوله : إن قول القائل : معدوم. تسمية لا مسمى لها ؛ لظنه أن الاسم لا يكون إلا ثبوتيا.

ثم اختلف هؤلاء فى الاسم : هل هو نفس المسمى ، أم لا؟

فقال بعضهم : كالأستاذ أبى بكر بن فورك ، وغيره : أن كل اسم ؛ فهو المسمى بعينه ، وأنه / إذا قال القائل : الله. فقوله : دال على اسم هو المسمى بعينه.

وإذا قال : الله عالم ، أو خالق. فقوله : دال على الرب الموصوف بكونه عالما ، وخالقا.

وقال بعضهم : الأسماء منقسمة :

فمنها : ما هو (عين) (٢) المسمى : كالموجود ، والذات.

ومنها : ما هو غير المسمى : ككون البارى ـ تعالى ـ خالقا ، وفاعلا ؛ فإن المسمى بكونه خالقا ، وفاعلا هو ذاته ، والاسم هو نفس الفعل ، والخلق ، وفعله ، وخلقه ؛ غير ذاته.

ومنها : ما ليس هو نفس المسمى ، ولا غيره : كاتصاف الرب ـ تعالى ـ بصفاته النفسانية : ككونه عالما ، وقادرا ، ونحوه ؛ فإن المسمى ذاته ، والاسم ؛ علمه ، وقدرته. وعلمه ، وقدرته ليس نفس ذاته ولا غيرها ؛ كما سبق فى الصفات.

__________________

(١) من كتب الأصحاب التى اعتمد عليها الآمدي فى تصوير مذهبهم. الإنصاف للباقلانى ص ٦٠ ـ ٦١ وأصول الدين للبغدادى ص ١١٤ ـ ١١٥ والشامل لإمام الحرمين ص ١٤١ ـ ١٤٢ والمقصد الأسنى للغزالى ص ٨ ـ ٢٦. ومن كتاب المتأخرين الذين اعتمدوا على الأبكار ، وغيره.

شرح المواقف للإيجي ٢ / ٤٠٣ وشرح المقاصد للتفتازانى ٢ / ١٢٤ ـ ١٢٦.

(٢) فى أ (غير).

٤٩٥

وذهبت المعتزلة : إلى أن الاسم : هو التسمية. ووافقهم على ذلك بعض المتأخرين من أصحابنا.

وذهب الأستاذ أبو نصر بن أبى أيوب : إلى أن الاسم مشترك بين التسمية والمسمى ، وأنه قد يرد تارة ، ويراد به التسمية ، وتارة ويراد به المسمى. فما قام الدليل فيه على (١) عود الاسم (١) إلى التسمية دون المسمى وبالعكس ؛ وجب اتباعه ؛ وإلا تعينا على الوقف ؛ وهو قريب من مذهب أهل اللغة.

احتج أصحابنا على أن الاسم غير التسمية : بالنصوص ، واللغة ، والإجماع.

أما النصوص : فقوله ـ تعالى ـ : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (٢) : أى ربك ؛ لاستحالة كون الأقوال الدالة عليه مسبحة.

وأيضا : قوله : (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) (٣) والمراد به تبارك (٤) ربك ؛ لاستحالة اتصاف التسمية بذلك.

وأيضا : قوله ـ تعالى ـ : (ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً) (٥). والمراد به الأصنام ، لا نفس الأقوال الدالة عليها ؛ فإنهم ما كانوا يعبدون أقوالهم.

وأيضا : قوله ـ تعالى ـ : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) (٦) والمراد به ذكر الله لا نفس التسمية ؛ إذ التسمية هى (٧) نفس الذكر ؛ فلو أراد بالاسم نفس الذكر ؛ لكان معناه : ولا تأكلوا مما لم يذكر (ذكر الله عليه) (٨) ؛ وهو ممتنع.

وأما فى اللغة : فمن وجهين :

__________________

(١) فى ب (عوده).

(٢) سورة الأعلى ٨٧ / ١.

(٣) سورة الرحمن ٥٥ / ٧٨.

(٤) ساقط من ب.

(٥) سورة يوسف ١٢ / ٤٠.

(٦) سورة الانعام ٦ / ١٢١.

(٧) ساقط من ب.

(٨) فى أ (اسم الله عليه). وفى ب (ذكر الله).

٤٩٦

الأول : قول سيبويه (١) : «الأفعال أمثلة أخذت من لفظ إحداث الأسماء» والإحداث : إنما يتصور من المسميات لا من الأقوال.

الثانى : قول لبيد (٢)

أتى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما

ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر.

والمراد من قوله. فاسم السلام : نفس السلام ، الّذي هو متبادر إلى الفهم (٣) عند إطلاق السلام.

وأما الإجماع : فهو أن الأمة من المسلمين مجمعة قبل ظهور هذا الخلاف على أن الأسماء (٤) الحسنى كانت لله ـ تعالى ـ فى أزله ، ولو كانت / الأسماء هى التسميات : أى الأقوال الدالة ، والعبارات ؛ لكانت العبارات الدالة قديمة ، ولما كانت الأسماء الحسنى قديمة ؛ وكل واحد من الأمرين ممتنع.

وأيضا : فإن (٥) أرباب العقول (٥) متفقون على أن المسميات لها أسماء ، وإن سكت المسمون عن التسميات ، والأقوال الدالة.

وإذا ثبت أن الاسم مغاير للتسمية ؛ فيمتنع أن يكون الاسم هو المسمى (٦) مطلقا ؛ بل لا بد من التفصيل الّذي ذكرناه ؛ لأنا نعلم بالاضطرار اختلاف المدلولات فى قول القائل : الله. وفى قوله : الله عالم ، والله خالق. وأن كل واحد منهما ينبئ عن معنى مغاير لما أنبأ عنه القول الآخر ؛ وذلك مع اتحاد المسمى ممتنع.

__________________

(١) سيبويه :

هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثى ، أبو بشر ، الملقب بسيبويه ، كان أعلم المتقدمين ، والمتأخرين بالنحو ، ولم يوضع فيه مثل كتابه. وقد ولد سنة ١٤٨ وتوفى سنة ١٨٠ ه‍ ، انظر (وفيات الأعيان ٣ / ١٣٣ ـ ١٣٥ والاعلام ٥ / ٢٥٢).

(٢) لبيد :

هو لبيد بن ربيعة بن مالك ، أحد الشعراء الفرسان ، وهو أحد أصحاب المعلقات ، بعد من الصحابة ، ومن المؤلفة قلوبهم ت سنة ٤١ ه‍.

(٣) فى ب (الذهن).

(٤) فى ب (أسماء الله).

(٥) فى ب (فأهل العقول).

(٦) فى ب (الاسم).

٤٩٧

وعلى هذا : فكل تسمية من حيث إنها صفة للقائل بها اسم لا يدخله الصدق ، ولا الكذب ، وإن دخلها ذلك من جهة كونها تسمية ، وليس كل اسم تسمية ؛ فإن العلم اسم لمن هو صفة له ، وليس تسمية ؛ لأنه ليس بقول دال. ولو قال الله ـ تعالى ـ : كلامى صدق ؛ فالاسم ، والتسمية فيه (١) ، والمسمى (١) واحدا ؛ إذ التسمية كلامه ، وهو الاسم المدلول ، وهو المسمى ولو قال تعالى : أنا الله ؛ فالاسم هو المسمى. والتسمية كلامه ؛ وليست عين المسمى ، ولا غيره.

ولو قال ـ تعالى ـ : أنا العالم ؛ فالتسمية قوله والاسم علمه ، والمسمى ذاته ؛ وليس كل واحد من التسمية ، والاسم ، والمسمى (٢) هاهنا (٢) هو عين الآخر ، ولا غيره.

ولو قال ـ تعالى ـ : أنا الخالق ؛ فالتسمية قوله ، والمسمى ذاته ؛ وليست التسمية هاهنا عين المسمى ، ولا غيره. والاسم هو (الخالق) (٣) ؛ وهو غير التسمية والمسمى.

ولو قال الواحد منا : الله ، أو قال : الله عالم ، أو الله خالق ؛ فالتسمية هى قول الواحد منا. وهى غير الاسم ، والمسمى فى جميع هذه الصور.

وفى الصورة الأولى : الاسم هو المسمى.

وفى الثانية : الاسم ليس هو عين المسمى ، ولا غيره.

وفى الثالثة : الاسم هو غير المسمى.

فإن قيل : المراد من النصوص المذكورة : إنما هو المسمى ، بطريق حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، كما فى قوله ـ تعالى ـ : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) (٤). أى أهل القرية على ما سبق تحقيقه. وعليه يجب حمل كلام سيبويه. ودليل التأويل ما سنذكره عن قرب.

__________________

(١) فى ب (والمسمى فيه).

(٢) فى ب (والمعنى).

(٣) فى أ (الخلق).

(٤) سورة يوسف ١٢ / ٨٢.

٤٩٨

والمراد بالسلام فى قول لبيد : إنما هو الله ـ تعالى ـ ؛ إذ / السلام من أسمائه على ما يأتى :

وأما الإجماع على الأسماء الحسنى فى الأزل ؛ ((١) فلا يمكن (١)) التمسك به.

أما على أصلكم : فإنه (٢) وان تعذرت الأقوال الحادثة أزلا ؛ فالأقوال القديمة غير متعذرة عندكم ، فما المانع من أزلية الأسماء ؛ لأزلية الأقوال القديمة عندكم؟

وأما عندنا : فلانه (٣) يجب الحمل على أن الأسماء الحسنى كانت له فى الأزل بالقوة ، والإمكان.

وعليه : يجب حمل اتفاق العقلاء على الأسماء ، وإن سكت المسمون.

ويدل عل ما ذكرناه من التأويل فى جميع ما ذكرتموه أمور ثلاثة :

الأول : هو أن الاسم فى اللغة مأخوذ من السّمة : وهى العلامة ؛ وذلك إنما يتحقق فى الأقوال الدالة ؛ دون المدلولات.

الثانى : أنه لو كان الاسم هو المسمّى ؛ للزم تعدد الإله ـ تعالى ـ ؛ ضرورة تعددها ، وانعقاد الإجماع على تعدد الأسماء (٤) ، وأنها تسعة وتسعون اسما ؛ والتعدد فى الله تعالى ـ محال.

الثالث : أنه لو كان الاسم هو المسمى ؛ لكان المسمى للنار عاما عليها ؛ وهو محال.

والجواب :

أما ما ذكروه على النصوص ، وقول سيبويه : فراجع إلى الإضمار فى الكلام ما ليس فيه ؛ وهو ممتنع إلا لضرورة ولا ضرورة ؛ فإنا سنبطل ما يذكرونه من دليل التأويل.

وأما حمل السلام فى قول الشاعر على الله ـ تعالى ـ فبعيد ؛ لما حققناه من أن السلام المعهود هو المتبادر إلى الفهم من لفظ السلام عند الإطلاق ؛ فلا بد له من دليل.

__________________

(١) فى أ (مما لا يمكن).

(٢) فى ب (فلأنه).

(٣) فى ب (فلا).

(٤) فى ب (أسمائه).

٤٩٩

قولهم : ما المانع على أصلكم من قدم الأسماء ؛ لقدم الأقوال الربانية؟

قلنا : نحن إنما ذكرنا الإجماع من هذا الوجه بطريق الإلزام على الخصوم ، وهم لا (١) يعتقدون (١) قولا قديما ، لا أنا ذكرناه استدلالا على ما نعتقده.

وما ذكروه من الحمل على القوة ، والإمكان ؛ فتأويل لا بد له من دليل. وكذلك القول فى تأويل إجماع العقلاء.

وما ذكروه من الدليل الأول فى التأويل : فمما لا يدل على اختصاص الاسم بالسّمة ؛ فإن سمة كل شيء ، وعلامته خصوص تعينه ؛ وذلك متحقق فى مدلول اللفظ (٢).

وأما الدليل الثانى : فإنما يلزم من اعتقد كون الأسماء متعددة ، والمسمى واحدا.

وأما من قال بأن المسميات متعددة بتعدد الأسماء ، وأنها منقسمة : إلى أسماء ذات ، وأسماء صفات ، وأسماء أفعال ؛ فلا ؛ لكن يلزم على هذا القائل إشكال مشكل ؛ وهو أن هذا وإن ساعد فى أسماء الذات ، والصفات ، / والأفعال ؛ فغير مساعد فى أسماء الذات مع تعددها ، واتحاد الذات ؛ وذلك يجوز تسميته ذاتا موجودا إلها ؛ ولا جواب له (٣) إلا باعتقاد عدم تعدد أسماء الذات مع اتحادها ، وإعادة كل اسم إلى صفة زائدة على نفس الذات كما ذكره القاضى أبو بكر ، أو أن التعدد فى التسمية ؛ لا فى الاسم.

وأما الدليل الثالث : فإنما يلزم أن لو كان الاسم هو القول الدال ؛ وهو المسمى ؛ وليس كذلك على ما حققناه.

__________________

(١) فى ب (فلا يعتقدون).

(٢) فى ب (لفظ الأسماء).

(٣) فى ب (عنه).

٥٠٠