🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٢

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
🚘 نسخة غير مصححة

وإذا أتينا على تفصيل مذاهبهم ، وإيضاح عقائدهم ، والتنبيه على الأشبه من أدلتهم ؛ فلا بد من التشمير لا فسادها ، وتحقيق إبطالها. من جهة الاستدلال ، والمناقضة ، والإلزام فى كل موضع على حسبه إن شاء الله تعالى.

فنقول :

أما قولهم : بأن الله ـ تعالى ـ جوهر بالمعنى المذكور ؛ فلا نزاع معهم فيه من جهة المعنى ؛ بل من جهة الإطلاق اللفظى سمعا ، وقد حققنا ما فيه فى مسألة (١) أن الله ـ تعالى ـ ليس بجوهر (١).

وأما حصرهم الأقانيم فى ثلاثة : وهى صفة الوجود ، والحياة ، والعلم ؛ فباطل.

أما أولا : فقد (٢) بينا أن (٢) الحجج فى أن صفة الوجود هل هى زائدة على ذات الله ـ تعالى ـ متعارضة ، متنافية من غير ترجيح ؛ وذلك مما يتعذر معه (٣) الجزم بكونه صفة زائدة (٤).

وأما ثانيا : فلأنهم لو طولبوا بدليل الحصر ، لم يجدوا إليه سبيلا سوى قولهم : بحثنا : فلم نجد غير ما ذكرناه ؛ وهو غير يقينى ؛ لما سلف (٥).

ثم هو باطل بما حققناه : من وجوب إثبات صفة القدرة ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام.

فإن قالوا : الأقانيم هى خواص الجوهر ، وصفات نفسه ، ومن حكمها أن تلزم الجوهر ، ولا تتعداه إلى غيره ؛ وذلك متحقق فى الوجود ، والحياة ؛ إذ لا تعلق لوجود الذات / القديمة ، وحياتها بغيرها ، وكذلك العلم ؛ اذ العلم مختص بالجوهر ، من حيث هو معلوم به. وهذا بخلاف القدرة والإرادة ؛ فإنها لا اختصاص لها بالذات القديمة ؛ بل هى متعلقة بالغير مما هو مقدور ، ومراد ؛ والذات القديمة غير مقدورة ، ولا مرادة.

وأيضا : فإن الحياة تجرى من القدرة ، والإرادة من حيث أن الحى لا يخلو عنهما ، بخلاف العلم ، فإنه قد يخلو عنه ؛ ولأنه يمتنع إجراء الحياة عن العلم ؛ لاختصاص

__________________

(١) فى ب (فيما سبق) انظر ل ١٤٢ / أوما بعدها.

(٢) فى ب (فإنا قد بينا).

(٣) فى ب (عنده).

(٤) زائد فى ب (متعارضة متنافية من غير ترجيح بكونه صفة زائدة).

(٥) فى ب (لما سيأتى). انظر ل ٣٨ / أ.

٦١

الحياة بامتناع جريان المبالغة ، والتفضيل فيها ، بخلاف العلم ؛ فإنه يقال : هذا أعلم من هذا.

قلنا : أما قولهم : إن الوجود ، والحياة مختصة بذات القديم ، ولا تعلق لهما بغيره ؛ فمسلم ؛ ولكن يلزم عليه : أن لا يكون العلم أقنوما ؛ لتعلقه بغير ذات القديم ؛ إذ هو معلوم به. فلئن قالوا : إن العلم إنما كان أقنوما من حيث كان متعلقا بذات القديم ، لا من حيث كان متعلقا بغيره ؛ فيلزمهم أن يكون البصر أقنوما ، لتعلقه بذات القديم من حيث أنه يرى نفسه ، ولم يقولوا به. ثم (١) يلزمهم (١) من ذلك أن يكون بقاء ذات الله ـ تعالى ـ أقنوما ، لاختصاص البقاء بنفسه ، وعدم تعلقه بغيره كما فى الوجود ، والحياة ، والعلم.

فلئن قالوا : البقاء هو نفس الوجود ؛ فيلزم أن يكون الموجود ، فى أول زمان حدوثه باقيا ؛ وهو محال.

وقولهم : بأن الحياة (٢) تجرى عن القدرة ، والإرادة : فإما أن يريدوا بذلك (٣) : أن القدرة والإرادة ، هى نفس الحياة ، أو أنها خارجة عنها لازمة لها ، لا تفارقها.

فإن كان الأول : فقد نقضوا مذهبهم ؛ حيث قالوا : إن الحياة أقنوم لاختصاصها بجوهر القديم ، والقدرة والإرادة غير [مختصتين] (٤) بذات القديم تعالى ـ ؛ وذلك مشعر بالمغايرة ، ولا اتحاد مع المغايرة.

وإن قالوا : إنها لازمة لها مع المغايرة ؛ فهو ممنوع ؛ فإنه كما يجوز خلو الحى عن العلم ؛ فكذلك قد يجوز خلوه عن القدرة ، والإرادة كما فى حالة النوم ، والإغماء ، [ونحوهما] (٥).

وقولهم : إنه يمتنع إجراء الحياة عن العلم ؛ لاختصاص العلم بالمبالغة ، والتفضيل ؛ فيلزم منه أن لا تكون مجربة عن القدرة أيضا ؛ لاختصاص القدرة بهذا النوع من المبالغة ، والتفضيل.

__________________

(١) فى ب (ويلزمهم).

(٢) فى ب (الإرادة).

(٣) فى ب (به).

(٤) فى أ (مختصه).

(٥) فى أ (ونحوه).

٦٢

وأما قولهم : بأن الكلمة حلت فى المسيح ، وتدرعت به ؛ فهو باطل من وجهين :

الأول : ما ذكرناه فى امتناع حلول صفة / القديم فى غيره.

الثانى : أنه ليس القول بحلول الكلمة ، أولى من القول بحلول الروح ، وهى الحياة.

فلئن قالوا : إنما استدللنا على حلول العلم فيه لاختصاصه بعلوم لا يشاركه غيره فيها.

قلنا : وقد اختص عندكم بإحياء الميت (١) ، وإبراء الأكمه ، والأبرص ، وبأمور لا (٢) يقدر غيره من المخلوقين عليها ، والقدرة عندكم ، فى حكم الحياة. إما بمعنى أنها عينها ، أو ملازمة لها ؛ فوجب أن يقال : بحلول الحياة فيه ؛ ولم يقولوا به.

وأما قول الملكانية : بالتثليث فى الآلهة ، وأن كل أقنوم إله. فإما (٣) أن يقولوا (إن) (٤) كل واحد متصف بصفات الإله ـ تعالى ـ : من الوجود ، والحياة ، والعلم ، والقدرة ، وغير ذلك من صفات الجلال ، أو لا يقولوا ذلك (٥).

فإن قالوا بالأول : فهو خلاف أصلهم. ثم هو مع ذلك ممتنع ؛ لما سنبينه فى امتناع وجود إلهين.

وأيضا : فإنهم إما أن يقولوا : بأن جوهر القديم أيضا إله. أو لا يقولوا بذلك.

فإن كان الأول : فقد أبطلوا مذهبهم. وإجماع النصرانية على التثليث ، وصارت الآلهة أربعة.

وإن كان الثانى : لم يجدوا إلى الفرق سبيلا. مع أن جوهر القديم أصل ، والأقانيم صفات تابعة له ؛ فكان أولى أن يكون إلها.

وإن قالوا بالثانى : فحاصله يرجع إلى منازعة لفظية ، والمرجع فيها إلى ورود الشرع بجواز إطلاق ذلك ؛ ولا سبيل إليه.

__________________

(١) فى ب (الموتى).

(٢) فى ب (ما يقدر).

(٣) فى ب (إما).

(٤) ساقط فى أ.

(٥) فى ب (به).

٦٣

وقولهم : بأن الكلمة امتزجت بجسد المسيح ، وتدرعت به ؛ فبطلانه بما سبق. من امتناع حلول الصفات القديمة بغير ذات الله ـ تعالى ـ.

وقولهم : بأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح ، فهو ممتنع من جهة الدلالة ، والإلزام.

أما من جهة الدلالة : فلأنهما عند الاتحاد : إما أن يقال ببقائهما ، أو بعدمهما ، أو ببقاء أحدهما ، وعدم الآخر.

فإن كان الأول : فهو اثنان ، كما كانا.

وإن كان الثانى : فالواحد الموجود ، غيرهما.

وإن كان الثالث : فلا اتحاد للاثنينية ، مع (١) عدم أحدهما.

وأما من جهة الإلزام : فمن أربعة أوجه :

الأول : أنه إذا جاز اتحاد أقنوم الجوهر القديم بالحادث ؛ فما المانع من اتحاد صفة الحادث ، بالجوهر القديم؟

فلئن قالوا : لأن اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم يوجب نقصه ؛ وهو ممتنع. واتحاد صفة القديم بالحادث ، توجب شرفه / ؛ وشرف الحادث بالقديم غير ممتنع.

قلنا : فكما أن ذات القديم تنقص باتحاد صفة الحادث بها ؛ فالأقنوم القديم ينقص باتحاده بالناسوت الحادث ؛ فليكن ذلك ممتنعا.

الثانى : أنه قد وقع الاتفاق على امتناع اتحاد أقنوم الجوهر القديم بغير ناسوت المسيح ؛ فما الفرق بين ناسوت ، وناسوت.

فلئن قالوا : الأقنوم إنما اتحد بالناسوت الكلى دون الجزئى ، فالكلام عليه على ما سيأتى عن قرب (٢)

الثالث : هو (٣) أن من (٣) مذهبهم : أن الأقانيم زائدة على ذات الجوهر القديم مع اختصاصها به ، ولم يوجب قيامها به الاتحاد ؛ فلأن لا يلزم (٤) اتحاد الأقنوم بالناسوت الاتحاد كان أولى.

__________________

(١) فى ب (و).

(٢) فى ب (فسيأتى الكلام عليه عن قريب).

(٣) فى ب (أن).

(٤) فى ب (لا يوجب).

٦٤

الرابع : أن الإجماع منعقد منا ومن النصارى على أن أقنوم الجوهر القديم ، مخالف للناسوت. كما أن صفة نفس الجوهر ؛ تخالف نفس العرض ، وصفة نفس العرض ؛ تخالف الجوهر.

فإن قالوا : بجواز اتحاد صفة الجوهر بالعرض ، أو صفة العرض بالجوهر ، حتى أنه يصير الجوهر فى حكم العرض ، أو العرض فى حكم الجوهر ؛ فقد التزموا محالا ؛ مخالفا لأصولهم.

وإن قالوا : بامتناع اتحاد صفة نفس (١) الجوهر بالعرض ، وصفة العرض بالجوهر ، مع أن العرض والجوهر : أقبل للتبدل (٢) ، والتغير (٢) ؛ فلأن يمتنع ذلك فى القديم والحادث أولى.

وقولهم : إن المسيح إنسان كلى ؛ فهو باطل من أربعة أوجه :

الأول : أن الإنسان الكلى لا اختصاص له بجزئى دون جزئى من الناس ، وقد اتفقت النصارى على أن المسيح مولود من مريم عليهما‌السلام.

وعند ذلك : فإما أن يقال : إن إنسان مريم كلى : كما ذهب إليه بعضهم ، وإما جزئى.

فإن كان كليا : فإما أن يكون هو عين إنسان المسيح ، أو غيره. فإن كان عينه فمحال : تولد (٣) الشيء من نفسه. ثم يلزم أن يكون المسيح مريم ، ومريم هى المسيح ، ولم يقل بذلك أحد منهم.

وإن كان غيره ؛ فالإنسان الكلى ما يكون عاما مشتركا بين جميع الناس ، وطبيعته جزء من معنى كل إنسان ؛ ويلزم من ذلك أن يكون إنسان المسيح وطبيعته جزء من مفهوم إنسان مريم ، وكذلك بالعكس ، وهو مقطوع (٤) بإحالته. وإن كان إنسان مريم جزئيا ، فمن ضرورة كون المسيح مولودا عنها أن يكون الكلى الصالح لاشتراك الكثرة فيه منحصرا فى الجزئى الّذي لا / يصلح لاشتراك الكثرة فيه ؛ وهو ممتنع.

__________________

(١) فى ب (ونفس).

(٢) فى ب (للتبديل وللتغيير).

(٣) فى ب (أن يولد).

(٤) فى ب (محكوم).

٦٥

الثانى : (أن) (١) النصارى مجمعة على أن المسيح كان مرئيا ، ومشارا إليه ؛ والكلى ليس كذلك.

الثالث : هو أن إجماع النصرانية منعقد على أن الكلمة حلت فى المسيح. إما بجهة الاتحاد ، أو لا بجهة الاتحاد على ما بيناه من اختلاف مذاهبهم (٢) ، فلو كان المسيح إنسانا كليا ؛ لما اختص به بعض أشخاص الناس دون البعض ، ولما كان المولود من مريم مختصا بحلول الكلمة دون غيره ؛ ولم يقولوا به.

الرابع : أن جماعة الملكانية متفقون على أن القتل والصلب ، وقع على اللاهوت والناسوت. ولو كان ناسوت المسيح كليا ؛ لما تصور وقوع الفصل الجزئى عليه.

وأما إطلاقهم لفظ الأب على الله ـ تعالى ـ والابن على المسيح ؛ فسيأتى الكلام عليه (٣).

وأما ما ذهب إليه نسطور : من أن الأقانيم ثلاثة ، فالكلام معه فى الحصر ، فعلى ما تقدم (٤).

وقوله : ليست عين ذاته ، ولا غير ذاته. فإن أراد بذلك ما أراده الأشعرى من ذلك ؛ فهو حق. وان أراد غيره ؛ فهو غير مفهوم.

وأما تفسيره العلم بالنطق والكلمة ؛ فالنزاع معه فى إطلاق العلم على النطق لفظى. ثم لا يخلوا إما أن يريد بالنطق ، والكلمة : الكلام النفسانى ـ كما حققناه فيما تقدم ـ ، أو الكلام اللسانى المؤلف من الحروف ، والأصوات.

فإن كان الأول : فهو حق.

وإن كان الثانى : فهو باطل ؛ على ما سبق (٥).

وقوله : بأن الكلمة اتحدت بالمسيح بمعنى أنها أشرقت عليه ؛ فكلام لا حاصل له ؛ لأنه : إما أن يريد بإشراق الكلمة عليه ما هو مفهوم من مثاله : وهو أن يكون مطرحا

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) فى ب (مذهبهم). انظر ل ١٥٧ / أوما بعدها.

(٣) انظر ل ١٦٢ / ب.

(٤) انظر ل ١٥٧ / أوما بعدها.

(٥) فى ب (بما سبق).

٦٦

لشعاعها عليه ، أو يريد به أنها متعلقة به : كتعلق العلم القديم بالمعلومات ، والكلام القديم بنا : كما حققناه فى الصفات ، وغير ذلك.

فإن كان الأول : فيلزم منه أن تكون الكلمة ذات شعاع ، وفى جهة من مطرح شعاعها ، ويلزم من ذلك أن تكون الكلمة جسما ، وأن لا تكون صفة للجوهر القديم ؛ وهو محال.

وإن كان الثانى : فهو حق غير أن تعلق الأقنوم بالمسيح بهذا التفسير لا يكون خاصة له على ما حققناه فى الصفات.

وإن كان الثالث : فلا بد من تصويره ، والدلالة عليه.

وأما قول بعض النسطورية : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة إله ، حي ، ناطق ؛ فهو باطل بما ذكرناه فى إبطال التثليث على الملكانية (١).

وأما (٢) من (٢) أثبت منهم لله / تعالى ـ صفات أخرى : كالقدرة ، والإرادة ، ونحوها ؛ فهو حق ؛ لكن القول بإخراجها عن كونها من الأقانيم مع أنها مشاركة للأقانيم فى كونها من الصفات ؛ فحكم (٣) لا دليل عليه (٣) ـ سوى ما نبهنا عليه من الفرق الّذي ذكروه سابقا ـ وقد (٤) سبق إبطاله (٤).

وقولهم : بأن المسيح إنسان تام ، وإله تام ؛ وهما جوهران ؛ قديم وحادث ، فطريق الرد عليهم من وجهين :

الأول : التعرض لإبطال كون الأقنوم المتحد بجسد المسيح إلها ، وذلك بأن يقال : إما أن يقولوا : بأن ما اتحد بجسد المسيح : هو الإله فقط ، أو أن كل أقنوم إله ـ كما ذهبت إليه الملكانية.

فإن كان الأول : فهو ممتنع ؛ لعدم الأولوية.

وإن كان الثانى : فهو أيضا ممتنع ؛ لما تقدم (٥).

__________________

(١) انظر ل ١٥٩ / أ.

(٢) فى ب (ومنهم من).

(٣) فى ب (تحكم من غير دليل).

(٤) فى ب (وقد أبطلناه).

(٥) انظر ل ١٥٩ / أ.

٦٧

الوجه الثانى : أنه إذا كان المسيح مشتملا على الأقنوم القديم ، والناسوت الحادث : فإما أن يقولوا : بالاتحاد ، أو بحلول الأقنوم فى الناسوت ؛ أو حلول الناسوت فى الأقنوم ، أو أنه لا حلول لأحدهما فى الآخر.

فإن كان الأول : فهو باطل ، بما سبق فى إبطال الاتحاد (١).

وإن كان الثانى : فهو باطل بما سبق فى إبطال حلول الصفات القديمة فى محل غير ذات البارى ـ تعالى (٢) ـ ، وبما سبق فى إبطال حلول الحادث بالقديم (٣).

وإن كان الثالث : فإما أن يقال بتجاورهما ، واتصالهما ، أو لا يقال بذلك.

فإن قيل بالتجاور ، والاتصال : فإما أن يقال بانفصال الأقنوم (٤) عن الجوهر القديم (٤) ، أو لا يقال به.

فإن قيل بانفصاله عنه ، فهو ممتنع لوجهين :

الأول : ما تقدم فى إبطال انتقال الصفة عن الموصوف.

الثانى : أنه يلزم منه قيام الصفة حالة مجاورتها للناسوت ، بنفسها ؛ وهو محال. وإن لم يقل بانفصال الأقنوم عن الجوهر القديم ، فيلزم منه أن تكون ذات الجوهر القديم ، متصلة بجسد المسيح ؛ ضرورة اتصال أقنومها به.

وعند ذلك : فليس اتحاد الأقنوم بالناسوت ، أولى من اتحاد ذات الجوهر القديم بالناسوت ؛ ولم يقولوا به.

وإن لم يقل بتجاورهما واتصالهما : فلا معنى للاتحاد بجسد المسيح ، وليس القول بالاتحاد مع عدم الاتصال بجسد المسيح ، أولى من غيره.

وأما قول من قال منهم بأن الإله واحد ، وأن المسيح ولد من مريم ، وأنه عبد صالح مخلوق ، إلا أن الله ـ تعالى ـ شرفه بتسميته ابنا ؛ فهو ما يقوله الموحدون. ولا خلاف مع هؤلاء فى غير اطلاق اسم الابن على ما سيأتى (٥)

__________________

(١) انظر ل ١٥٥ / أوما بعدها.

(٢) انظر ل ١٥٥ / أوما بعدها.

(٣) انظر ل ١٤٦ / أوما بعدها.

(٤) فى ب (الأقنوم القديم عن الجوهر الحادث).

(٥) انظر ل ١٦٢ / ب.

٦٨

/ وأما قول بعض اليعقوبية : إن الكلمة انقلبت لحما ، ودما ، وصار الإله هو المسيح ؛ فهو أظهر بطلانا مما تقدم وبيانه من وجهين :

الأول : أنه لو جاز انقلاب الأقنوم لحما ودما ، مع اختلاف حقيقتهما ؛ لجاز انقلاب المستحيل ممكنا ، والممكن مستحيلا ، والواجب ممكنا ، أو ممتنعا ، والممكن ، أو الممتنع واجبا ؛ ولم يبق لأحد وثوق بشيء من القضايا البديهية ؛ ولجاز أن (١) ينقلب (١) الجوهر عرضا ، والعرض جوهرا ، وانقلاب اللحم والدم أقنوما. والأقنوم ذاتا ، والذات أقنوما. وانقلاب القديم حادثا ، والحادث قديما ، ولم يقل بذلك أحد من العقلاء.

الثانى : أنه لو انقلب الأقنوم لحما ، ودما : فإما أن يكون هو عين الدم واللحم الّذي للمسيح ، أو زائدا عليه منضما إليه.

فإن كان الأول : فهو محال ؛ إذ لحم المسيح ، ودمه لم يتغير ، ولا معنى لانقلاب الأقنوم إليه مع عدم الزيادة فيه عند عدم الأقنوم ؛ وهو غير قابل للعدم بالاتفاق.

وإن كان الثانى : فلم يقولوا به.

وأما قولهم : اللاهوت ظهر بالناسوت ، وصار هو هو :

فإما أن يريدوا به أن اللاهوت صار عين الناسوت : كما صرحوا به من قولهم : صار هو ، هو ؛ فحاصله يرجع إلى تجويز انقلاب الحقائق ؛ وهو محال كما تقدم.

وإما أن يريدوا به أن اللاهوت اتصف بالناسوت ؛ وهو أيضا محال ؛ لما تقدم من امتناع حلول القديم بالحادث (٢). أو أن الناسوت اتصف باللاهوت ؛ وهو أيضا محال ؛ لما تقدم من امتناع حلول (الحادث (٣) بالقديم (٣))

وأما من قال منهم بأن جوهر الإله القديم ، وجوهر الإنسان المحدث تركبا وصارا جوهرا واحدا : هو المسيح ؛ فهو باطل من وجهين :

الأول : ما ذكرناه فى إبطال الاتحاد.

__________________

(١) فى ب (انقلاب).

(٢) انظر ل ١٥٥ / أوما بعدها.

(٣) فى أ (القديم بالحادث) انظر ل ١٤٦ / أوما بعدها.

٦٩

الثانى : أنه ليس جعل الناسوت لاهوتا بتركيبه مع اللاهوت ، أولى من جعل اللاهوت ناسوتا من جهة تركبه مع الناسوت ؛ ولم يقولوا به.

وأما جوهر الفحمة إذا ألقيت فى النار ؛ فلا نسلم أن جوهرها صار بعينه جوهر النار ؛ بل صار مجاورا لجوهر النار. وغايته أن بعض صفات جوهر الفحمة ، وأعراضها ؛ بطلت بمجاورة النار (١).

أما أن جوهر أحدهما (٢) انقلب إلى جوهر الآخر وصار (٢) هو ، هو ؛ فلا.

وقولهم : إن الاتحاد بالناسوت الجزئى دون الكلى ؛ فهو محال ؛ لما تقدم فى إبطال الاتحاد ، وحلول القديم بالحادث (٣) ، وبه يبطل قولهم : إن مريم ولدت إلها.

وقولهم : بأن (٤) القتل ، والصلب وقع على اللاهوت ، والناسوت معا ، فهو فرع تركب اللاهوت / بالناسوت ؛ وقد أبطلناه.

كيف وأن القول بوقوع القتل على اللاهوت ؛ مما يوجب موت الإله ضرورة ، والقول بذلك يغنى عن إبطاله.

وأما قول من قال : بأن المسيح مع اتحاد جوهره ، قديم من وجه ، محدث من وجه ؛ فهو أيضا باطل ؛ فإنه إذا كان جوهر المسيح متحدا لا كثرة فيه ؛ فالحدوث : إما أن يكون لعين ما قيل بقدمه ، أو لغيره.

فإن كان الأول : فهو محال ، وإلا كان الشيء الواحد قديما : لا أول له ، حادثا : له أول ؛ وهو تناقض ممتنع.

وإن كان الثانى : فهو خلاف الفرض.

وأما قول من قال منهم : إن الكلمة مرت بمريم كمرور الماء فى الميزاب ؛ فيلزم منه انتقال الكلمة ؛ وهو ممتنع كما سبق. وبه يبطل قول من قال : إن الكلمة كانت تداخل جسد المسيح تارة ، وتفارقه تارة.

__________________

(١) فى ب (جوهر النار).

(٢) فى ب (الآخر صار).

(٣) انظر ل ١٥٥ / أوما بعدها.

(٤) فى ب (إن).

٧٠

وقولهم : إن ما ظهر من صورة المسيح فى الناسوت لم يكن جسما ؛ بل كان خيالا : كالصورة المرئية فى المرآة : فهو باطل ؛ لأن من أصلهم أن المسيح : إنما أحيا الميت ، وأبرأ الأكمه ، والأبرص ، بما فيه من اللاهوت. فإذا كان ما (١) ظهر من اللاهوت (١) فيه لا حقيقة له ، بل هو خيال محض ؛ فلا يصلح لحدوث ما يحدث عن الإله عنه.

والقول بأن أقنوم الحياة مخلوق حادث : ليس كذلك ؛ لما سبق فى الصفات (٢) ؛ بل هو قديم أزلى.

كيف : وأنه لو كان حادثا ؛ لكان الإله قبله غير حي ، ومن ليس بحى لا يكون عالما ، ولا ناطقا.

وقول من قال : بأن المسيح مخلوق قبل كل شيء ، وهو خالق كل شيء ؛ فباطل بما [سيأتى] (٣) من امتناع خالق غير الله تعالى.

وأما من ذكروه من الاحتجاج على كون المسيح إلها : بالحجة العقلية ، فالجواب عنها من وجهين :

الأول : أنا لا نسلم أن ما صدر على يده ، من الأمور الخارقة للعادة. كانت من فعله ؛ بل لعلها صدرت عن خلق الله ـ تعالى ـ لها ببركة دعائه على سبيل الإعجاز : كمعجزات سائر الأنبياء عليهم‌السلام. ولو دل ذلك على كونه إلها ؛ لدل صدور باقى المعجزات الخارقة للعادة على يد غيره من الأنبياء على كونه إلها ؛ وهو ممتنع بالإجماع منا ، ومنهم.

الثانى : أنه لو جاز أن يكون المسيح إلها ؛ لجاز أن يكون كل من تلقاه من آحاد الناس إلها. وإن لم يوجد فى حقه مثل هذه الخوارق ؛ فإن الخوارق غايتها أنها دليل الوقوع ، ولا يلزم من انتفاء الدليل / انتفاء المدلول فى نفسه على ما سبق (٤). ولا يخفى أن القول بذلك من باب التلاعب بالعقل ، والدين.

__________________

(١) فى ب (ما ظهر فيه من اللاهوت).

(٢) انظر ل ١١٥ / أ ، ب.

(٣) فى أ (سبق) انظر ل ٢١١ / ب وما بعدها.

(٤) انظر ل ٣٨ / ب.

٧١

وأما ما نقلوه عن الإنجيل : أن مريم تلد إلها. إن صح ، ولم يكن ذلك من أوضاعهم ، وتبديلهم فلا بد من تأويله ؛ إذ الإله لا يولد عندهم ؛ بل المولود إنما هو الناسوت. وتأويله أن يقال بحمله على الإنباء عن الغيب ، وهو أن مريم تلد من يعتقد أنه إله. وإن لم يكن إلها حقيقة ، وذلك كما تسمى العرب الشمس إلها باعتبار أنها عبدت ، واعتقد كونها إلها ؛ بل هو معارض بما نقل فى الإنجيل مما يدل على كونه ليس بإله من وجهين :

الأول : قول عيسى عليه‌السلام للحواريين : «اخرجوا بنا من هذه المدينة ؛ فإن النبي لا يكرم فى مدينته» (١). والنبي لا يكون إلها.

الثانى : ما نقل فى الإنجيل أنه عند الصلب قال : «إلهى لم خذلتنى ، وأسلمتنى» (٢) صرح بكونه مربوبا ؛ والمربوب لا يكون إلها.

وأما احتجاجهم من كتابنا بقوله ـ تعالى ـ (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (٣)

فالجواب عنه : أن معنى كونه كلمة : أى آية : فإن الكلمة تطلق بمعنى الآية. ومنه قوله تعالى (ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) (٤) : أى آياته. ويدل على إرادة ذلك أمور ثلاثة :

الأول : صدر الآية وهو قوله ـ تعالى ـ (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ) سماه رسولا ، ولو كان كلمة على (٥) الحقيقة (٥) ؛ لما كان رسولا.

الثانى : قوله ـ تعالى ـ (وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) (٦).

ووجه الاحتجاج به من وجهين :

الأول : أنه سماه آية.

الثانى : أنه وصفه بكونه ابنا لها ، والإله ليس ابنا لها.

__________________

(١) بحثت فى إنجيل متى الإصحاح الثالث عشر : رقم ٥٧ فوجدت الآتى :

(أما يسوع فقال لهم ليس نبى بلا كرامة إلا فى وطنه وفى بيته).

(٢) فى إنجيل متى ٢٧ : ٤٦ (إلهى إلهى لم تركتنى).

(٣) سورة النساء ٤ / ١٧١.

(٤) سورة لقمان ٣١ / ٢٧.

(٥) فى ب (حقيقة).

(٦) سورة الأنبياء ٢١ / ٩١.

٧٢

الثالث : هو أن الآية إنما وردت لتقريعهم ، وزجرهم عن الغلو فى اعتقادهم حيث قال : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) (١). فلو أراد بالكلمة ما اعتقدوه ؛ لكان مثبتا [لعين] (٢) ما قصد التقريع على اعتقاده ؛ وهو ممتنع.

وأما قوله ـ تعالى ـ : (فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا). فلا يمكن حمل الروح على ما اتحد بالمسيح من الكلمة ؛ إذ الروح عندهم هى الحياة ، وهى غير متحدة بالمسيح

وإنما (٣) المتحد به العلم ، وهو الكلمة ، فلا بد من حمله على ما يحتمله اللفظ ، والروح قد يطلق على جبريل : كقوله ـ تعالى ـ : (وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (٤)

وقد يطلق بمعنى الوحى : ومنه قوله ـ تعالى ـ : (أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) (٥) وقد يطلق بمعنى روح الشخص.

وعند ذلك : فيمكن (٦) أن (٦) يكون المراد بقوله (٧) : (فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) : (٨) أى روحه ، وأضافها إليه (٨) تشريفا ، وتكريما على ما سبق.

ويمكن أن يكون المراد بقوله (فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) : أى من جبريل. فإن نفخته فيه سبب علوقه من غير والد.

وأما ما احتجوا به على جواز إطلاق اسم الأب على الله ـ تعالى ـ والابن على المسيح : فهو إن صح فمما يتعذر حمله على الابن المتولد من الله ـ تعالى ـ إذ المسيح غير متولد من الله ـ تعالى ـ بالاتفاق.

وعند ذلك فلا بد من التأويل

أما قوله : «إنك أنت الابن الوحيد» فيحتمل أنه أراد به المعتنى بتربيته ، واصطفائه. تعبرة باسم النبوة عنه ؛ لكونه لازما لها فى الغالب.

__________________

(١) سورة النساء ٤ / ١٧١.

(٢) فى أ (لغير).

(٣) فى ب (وأما).

(٤) سورة البقرة ٢ / ٨٧.

(٥) سورة الشورى ٤٢ / ٥٢ (وكذلك أوحينا.

(٦) فى ب (فيمكن حمله على أن).

(٧) فى ب (منه).

(٨) فى ب (وأضافه إلى نفسه).

٧٣

وعلى هذا يمكن حمل قوله : «من رآنى فقد رأى أبى» ويمكن حمله على جبريل من حيث أن نفخه فى مريم كان سببا لعلوقه ، ووجوده. أو بسبب أنه كان هو المسدد له فى أحواله.

وعلى الوجه الأول : يمكن حمل قول شمعون الصفا. ويدل على ظهور ذلك : أنه كما سماه أبا له ؛ فقد سمى البارى ـ تعالى ـ أبا للحواريين. وليس بمعنى اتحاد اللاهوت بهم. ويدل عليه ما (١) ورد فى الإنجيل من قوله عقيب وصية وصى بها الحواريون (لكى تكونوا أبناء أبيكم الّذي فى السماء ، وتكونوا تامين كما أن أباكم الّذي فى السماء تام) (٢). وقوله : (لا تعطوا صدقاتكم قدام الناس لتراءوهم ؛ فلا (٣) يكون (٣) لكم أجر عند أبيكم الّذي فى السماء) (٤).

وقوله عند صلبه : (أذهب إلى أبيكم) (٥).

فهذه الجمل مع اختصارها ، وكثرة معانيها كافية فى التنبيه على فساد قواعدهم وإبطال عقائدهم على اختلافها ، وتشعبها. والحمد لله على الإسلام ، والهداية إلى الإيمان.

__________________

(١) فى ب (ما روى).

(٢) الموجود فى إنجيل متى ٥ / ٤٥ ـ ٤٨ (لكى تكونوا أبناء أبيكم الّذي فى السموات. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ، ويمطر على الأبرار والظالمين ٤٦. لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأى أجر لكم أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك ٤٧ وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأى فضل تصنعون. أليس العشارون أيضا يفعلون هكذا ٤٨ فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الّذي فى السموات كامل).

(٣) فى ب (فإنه لا يكون).

(٤) الموجود فى إنجيل متى ٦ : ١ ما يأتى (احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكى ينظرونكم وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الّذي فى السموات.

(٥) الموجود فى ب (اذهبوا الى أبيكم). والموجود فى إنجيل يوحنا ١٤ : ٢٨ (سمعتم أنى قلت لكم أنا أذهب ثم آتى إليكم. لو كنتم تحبوننى لكنتم تفرحون لأنى قلت أمضى الى الأب لأن أبى أعظم منى).

٧٤

«المسألة التاسعة»

فى امتناع اتصاف الرب ـ تعالى ـ بشيء من الكيفيات

المحسوسة بالحواس الظاهرة ، وغيرها

أما المحسوسة بالحواس الظاهرة : فكاللّون ، والطّعم ، والرائحة ، والحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة ، ونحو ذلك.

وأما غير المحسوسة بالحواس الظاهرة : فكاللذة ، والألم ، والنفرة ، والحزن ، والفرح ، والغم ، والغيظ ، والغضب ، والوحشة ، والأنس ، والتأسف ، والتمنى ، والشهوة ، والبطر ، وغير ذلك.

وهذه المسألة مما لا نعرف خلافا بين العقلاء فيها. وحيث قالت الفلاسفة إن الله ـ تعالى ـ ملتذ بكمالاته ؛ لم يقولوا إنه ملتذ بلذة. غير أن العادة جارية / بذكر الدلالة عليه.

وقد استدل الأصحاب فى ذلك بمسالك :

المسلك الأول :

وهو معتمد الأكثرين ، وهو أنهم قالوا : لو اتصف الرب ـ تعالى ـ بشيء من هذه الكيفيات المحسوسة لم تخل : إما أن تكون قديمة ، أو حادثة.

لا جائز أن تكون حادثة : وإلا كان الرب ـ تعالى ـ محلا للحوادث ؛ وهو ممتنع كما سبق (١).

ولا جائز أن تكون قديمة : لأن جميع الكيفيات المحسوسة متساوية فيما يرجع إلى الكمال والنقصان ؛ وليس منها ما هو صفة كمال للرب ـ تعالى ـ حتى يكون متصفا به دون غيره ؛ فتكون متساوية فى جواز تقدير اتصاف الرب ـ تعالى ـ بكل واحدة منها. وليس تقدير اتصافه ببعضها ، أولى من تقدير اتصافه بغيرها ، وما هذا شأنه استحال اتصافه بكونه قديما ؛ إذ القديم واجب الوجود ، فيمتنع تقدير عدمه وفرض وجود ضده. وإذا امتنع كل واحد من القسمين امتنع أن يكون متصفا بشيء منها.

__________________

(١) انظر ل ١٤٦ / أوما بعدها.

٧٥

ولقائل أن يقول :

لا نسلم تساوى الكيفيات فى الكمال ، والنقصان بالنسبة إلى ذات الله ـ تعالى ـ ليلزم من ذلك التساوى فى جواز تقدير اتصاف الرب ـ بكل واحدة منها ؛ بل لا مانع من أن يكون بعضها صفة كمال دون البعض.

ولهذا قالت الفلاسفة : إن الحرارة [واليبوسة (١) صفتا] كمال للنار دون غيرها من الكيفيات. وفى (مقابلتهما) (٢) البرودة ، والرطوبة للماء. وأن الحرارة والرطوبة من كمالات الهواء دون غيره. وفى مقابلة ذلك البرودة ، واليبوسة للتراب.

سلمنا عدم اختصاص البعض منها بصفة الكمال ، وأنها متساوية فيما يرجع إلى عدم الكمال ، والنقصان ؛ ولكن ما المانع من اختلافها أن تكون ذات البارى (٣) مقتضية للاتصاف بها ، وإن لم تكن صفة كمال ، ولا نقصان؟

فلئن قالوا : لأن الأمة مجمعة على امتناع اتصاف الرب ـ تعالى ـ بغير صفات الكمال ، كما ذهب إليه القاضى أبو بكر ، فهو رجوع إلى السمع ، وترك لدلالة العقل (٤).

المسلك الثانى :

أنهم قالوا : لو اتصف الرب ـ تعالى ـ بشيء من هذه الكيفيات فإما أن تكون حادثة ، أو قديمة.

لا جائز أن تكون حادثة : لما سبق (٥).

وإن كانت قديمة : فما من كيفية من هذه الكيفيات إلا ولها مثل حادث ، وعند التماثل فيمتنع اختصاص إحدى الصفتين بالعدم ، والأخرى / بالحدوث ، لأن القديمة : إما أن تقتضى العدم لذاتها ، أو لمخصص من خارج.

__________________

(١) فى ب (والبرودة صفتا). وفى أ (واليبوسة صفة).

(٢) فى أ (مقابلته).

(٣) فى ب (الرب تعالى).

(٤) فى ب (العقل عليه).

(٥) انظر ١٤٦ / أوما بعدها.

٧٦

فإن كان الأول : فيلزم أن تكون الحادثة أيضا قديمة ؛ ضرورة التماثل ، وأن ما اقتضاه أحد المثلين لذاته ؛ كان الآخر مقتضيا له أيضا

وإن كان الثانى : فذلك المخصص : إما أن يكون مخصصا بالذات ، أو الاختيار.

فإن كان مخصصا بالذات ؛ فليس تخصيصه بالقدم لأحد المثلين ، والحدوث بالآخر أولى من العكس ؛ لتساوى نسبة ذاته إليهما.

وان كان بالاختيار : فكل معلول بالاختيار لا يكون إلا حادثا على ما سيأتى ، ويلزم أن يكون معلوله من القديم حادثا ؛ وهو محال.

ولقائل أن يقول :

قد ثبت على أصلكم اتصاف البارى ـ تعالى ـ بالعلم ، والقدرة ، والإرادة ، وغير ذلك من الصفات المذكورة. فإما أن تكون مماثلة لما وجد من الصفات فى الشاهد من العلم ، والقدرة ، والإرادة. أو هى غير مماثلة لها.

فإن كان الأول : فالإشكال لازم عليكم ، وما هو جوابكم ثمة هو الجواب هاهنا.

وإن كان الثانى : فما المانع من أن ثبوت كيفية لله تعالى ـ من بياض ، أو حرارة ، أو برودة ، أو غير ذلك على وجه تكون نسبتها إلى ما فى الشاهد نسبة ما أثبتموه من الصفات النفسانية إلى ما فى الشاهد.

سلمنا : امتناع اتصافه بكيفية مماثلة لما فى الشاهد ؛ ولكن ما المانع من اتصافه بكيفية مخالفة لكل ما وجد فى الشاهد ؛ وذلك مما لا دليل عليه؟

المسلك الثالث :

أنهم قالوا ثبوت شيء من هذه الكيفيات مما لم يدل عليه عقل ، ولا أشار إليه نقل ؛ فلا يثبت.

وحاصل هذا المسلك راجع إلى الحكم بانتفاء المدلول لانتفاء دليله ، وهو فاسد ؛ لما تقدم فى قاعدة الأدلة (١).

__________________

(١) راجع ما تقدم فى القاعدة الثالثة ـ الباب الثانى ـ الفصل السابع : فيما ظن أنه من الأدلة المفيدة لليقين وليس منها. ل ٣٨ / ب وما بعدها.

٧٧

المسلك الرابع :

وهو اختيار الاستاذ أبى إسحاق ، وهو أن قال : هذه الكيفيات ، هيئات للمتصف بها ، والبارى ـ تعالى ـ ليس فى جهة ؛ والهيئة لمن لا جهة له محال.

ولقائل أن يقول :

إن قلتم إنها هيئات بمعنى أنها صفات ، فلا يلزم من ذلك الجهة ، وإلا كان الرب تعالى فى جهة ضرورة اتصافه بالصفات النفسية التى أثبتموها. وإن قلتم إنها هيئات لا بمعنى أنها صفات ؛ فغير مسلم.

وعند ذلك ، فلا بد من تصويره ، والدلالة عليه.

المسلك الخامس :

ويخص اللذة : أنه لو كان متصفا باللذة ، لكان خلق الملتذ به إما فى الأزل / أو لا فى الأزل.

لا جائز أن يكون خلقه له فى الأزل ؛ لأن خلق الأزلى محال ؛ كما يأتى.

ولا جائز أن يكون خلقه لا فى الأزل : وإلا لكانت اللذة الحاصلة به حادثة ، ويلزم من ذلك حلول الحوادث بذات الرب ـ تعالى ـ ؛ وهو محال على ما تقدم (١).

ولقائل أن يقول :

هذا إنما يلزم أن لو كان الملتذ به مخلوقا. وما المانع من أن يكون ملتذا بما له من كمالاته الواجبة له ، لا بغيرها. وهو سؤال قاطع ، لا جواب عنه.

المسلك السادس :

ويخص اللذة أيضا : أن اللذة لا معنى لها إلا إدراك الملائم للمزاج. والرب ـ تعالى ـ لا مزاج له ، وإلا كان مركبا ؛ وهو محال على ما سبق ؛ فلا يكون متصفا باللذة ، وهو أيضا ضعيف ؛ إذ لقائل أن يقول :

__________________

(١) فى ب (كما تقدم). انظر ل ١٤٦ / أوما بعدها.

٧٨

لا أسلم أن اللذة عبارة عن إدراك ما يلائم المزاج ؛ بل اللذة عبارة عن إدراك الملائم ، وهو أعم من إدراك ملائم المزاج. ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم ؛ ولهذا قالت الخصوم إن الله ـ تعالى ـ ملتذ بإدراك ما يلائم ذاته من كمالاته ، وإن لم يكن له مزاج ، وكذلك النفوس بعد مفارقة الأبدان تلتذ بما حصل لها من كمالاتها الممكنة لها ، وتتألم بمفارقة ما لكمالاتها. وإن لم تكن الأنفس ذات مزاج ؛ بل فى الشاهد يجد كل عاقل من نفسه لذة الإيثار بالمطعومات المشتهاة الملائمة للمزاج ، المحبوبة ، حتى أن ذلك أيضا فى الحيوانات العجماوات. وصرف الطعوم الملائم للمزاج إلى الغير ؛ لا يكون ملائما للمزاج وهو لذة.

وإن سلمنا أن اللذة فى الشاهد لا تتم دون المزاج ؛ ولكن لا يلزم من ذلك امتناعها فى الغائب ؛ لامتناع المزاج فى حقه ؛ لجواز أن تكون معلولة فى الشاهد بملائمة المزاج ، ولا يلزم من انتفاء بعض العلل ، انتفاء المعلول.

فالأقرب فى ذلك : ما ذكره القاضى أبو بكر من أن الأمة ؛ بل العقلاء كافة متفقون على أن اتصاف الرب ـ تعالى ـ بشيء من هذه الكيفيات ليس من صفات المدح والكمال ، وأن الرب ـ تعالى ـ لا يتصف بما ليس من صفات المدح والكمال ؛ فلا يكون متصفا بشيء منها ؛ وقد عرف ما يتجه على الاحتجاج بالإجماع ، وما فيه فى قاعدة النظر (١).

والّذي يخص قول الفلاسفة : أن اللذة إدراك الملائم ، والرب تعالى مدرك لما يلائم ذاته من كمالاته ؛ فحاصله يرجع إلى تفسير اللذة بالإدراك ، ونحن لا ننازع فيه من جهة المعنى ؛ بل من جهة الإطلاق اللفظى / ؛ إذ هو متوقف على ورود الشرع به ؛ ولا سبيل إلى إثباته.

__________________

(١) راجع ما سبق فى قاعدة النظر ل ٢٥ / أوما بعدها.

٧٩

«المسألة العاشرة»

فى امتناع اتصاف الرب تعالى بالعجز

وهذه المسألة أيضا مما لا نعرف فيها خلافا بين العقلاء. غير أن العادة جارية بالدلالة عليها.

والمعتمد فى ذلك أن يقال :

لو اتصف الرب ـ تعالى ـ بالعجز لم يخل : إما أن يكون حادثا ، أو قديما.

لا جائز أن يكون حادثا : وإلا كان الرب ـ تعالى ـ محلا للحوادث ؛ وهو ممتنع.

ولا جائز أن يكون قديما : لأنا لا نعنى بالعجز المنفى غير صفة مضادة خاصة للقدرة ، مقتضاها امتناع وقوع الفعل الممكن بالقدرة ؛ ولهذا لا يوصف الإنسان ولا البارى ـ تعالى ـ بكونه عاجزا عن الجمع بين الضدين ، وجعل الواحد أكثر من الاثنين ؛ لكونه غير ممكن ، والفعل فى الأزل غير ممكن ؛ كما يأتى تحقيقه فى مسألة حدوث العالم (١) ؛ فلا يتحقق عجز البارى ـ تعالى ـ بالنسبة إليه.

وإذا بطل أن يكون قديما ، وحادثا ؛ بطل اتصاف البارى ـ تعالى ـ به ، ويعضد هذه الدلالة انعقاد إجماع الأمة على امتناع اتصاف الرب ـ تعالى ـ بالعجز قديما ، وحادثا.

فإن قيل : سلمنا الحصر ؛ ولكن لم قلتم بامتناع كون العجز حادثا؟

قولكم : يلزم أن تكون ذات البارى ـ تعالى ـ محلا للحوادث. إنما يلزم ذلك أن لو كان العجز صفة وجودية ، وأما إذا كان صفة سلبية ؛ فلا مانع من اتصاف الرب ـ تعالى ـ به بعد أن لم يكن متصفا به ، بدليل أن الرب ـ تعالى ـ موصوف فى الأزل بكونه عالما بأن العالم سيوجد فى وقت حدوثه ، وأنه قادر على إيجاده فى وقت حدوثه ، ومريد له. وبعد حدوثه لم يبق متصفا بأنه عالم بأنه سيوجد ، ولا قادر على إيجاده ، ولا مريد لإيجاده.

سلمنا أنه صفة وجودية ؛ ولكن ما المانع من كونه قديما؟ وما ذكرتموه فهو لازم عليكم فى اتصاف الرب ـ تعالى ـ بالقدرة فى الأزل ، مع امتناع وجود الفعل فى الأزل ، وكما أنه لا يوصف الفاعل بالعجز عن الممتنع ، لا يوصف بكونه قادرا على الممتنع.

__________________

(١) انظر ما سيأتى فى الجزء الثانى ـ الأصل الرابع فى حدوث العالم ل ٨٢ / ب وما بعدها.

٨٠