🚘

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٣

سيف الدين الآمدي

أبكار الأفكار في أصول الدّين - ج ٣

المؤلف:

سيف الدين الآمدي


المحقق: د. أحمد محمد المهدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب والوثائق القوميّة
المطبعة: مطبعة دار الكتب والوثائق القوميّة
ISBN: 977-18-0326-3
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

القسم الثانى

فى الموجود الممكن الوجود

ويشتمل على مقدمة ، وخمسة أصول

أما المقدمة : ففى بيان حصره فى الجواهر ، والأعراض.

وأما الأصول :

فالأول منها : فى بيان الجواهر / ، وأحكامها.

والثانى : فى بيان الأعراض ، وأحكامها.

والثالث : فيما توصف به الجواهر ، والأعراض.

والرابع : فى بيان حدوث الجواهر ، والأعراض.

والخامس : فى فناء الجواهر ، والأعراض.

٥
٦

المقدمة :

لا نعرف خلافا بين العقلاء ، فى حصر الموجود الممكن فى الجواهر والأعراض ، وإن اختلفت مسالكهم فى جهة الحصر ، وأقسام كل واحد من القسمين : ولنذكر مسلك الفلاسفة فى ذلك [أولا] (١) وننبه على ما فيه ، ثم نعطف على مسلك أهل الحق [ثانيا] (٢).

أما الفلاسفة : فقد قالوا :

الموجود الممكن : إما أن يكون وجوده فى موضوع ، أو لا فى موضوع. وهذه قسمة دائرة بين النفى ، والإثبات.

فإن كان الأول : فهو الجوهر.

وإن كان الثانى : فهو العرض.

وإنما قالوا : فى موضوع ، ولم يقولوا : فى محل. احترازا عن الصور الجسمية ؛ فإنها عندهم جواهر ؛ وهى قائمة فى محل هو المادة الجسمية. وليست المادة عندهم موضوعا للصورة ؛ بل محلا لها. والمحل أعم من الموضوع. إذ الموضوع عندهم هو [المحل المتقوم ذاته المقوم لما حل فيه : كالجسم بالنسبة إلى الأعراض القائمة به ؛ وليس كل] (٣) محل شيء ؛ يكون مقوما لما حل فيه : كالمادة بالنسبة إلى الصورة الجسمية ؛ فإنها غير مقومة للصورة الجسمية ؛ بل الصورة الجسمية هى المقومة لمحلها.

وإذا عرف ذلك قالوا : فالجوهر : إما أن يكون بسيطا : أى لا تركيب فيه ، أو مركبا. فإن كان بسيطا : فإما أن يكون داخلا فى المركب ، وإما أن لا يكون داخلا فى المركب. فإن لم يكن داخلا فى المركب : فإما أن يكون متعلقا بالمركب ، أو لا تعلق له به.

فإن لم يكن متعلقا به ، فهو العقل ، وعبروا عنه بأنه الموجود الممكن المبرأ عن المادة ، وعلائقها.

وإن كان متعلقا بالمركب : فهو النفس الفلكية ، والإنسانية ؛ وسيأتى معناهما (٤). وأما إن كان داخلا فى المركب : فإما أن يكون محلا للجزء الآخر من ذلك (٥) المركب ، أو حالا فيه.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) ساقط من أ.

(٣) ساقط من أ.

(٤) (وسيأتى معناهما) ساقط من ب.

(٥) (ذلك) ساقط من ب.

٧

فإن كان الأول : فهو المادة الجسمية ، وعبروا عن المادة بأنها التى باعتبارها وحدها يكون المركب [موجودا] (١) بالقوة لا بالفعل ، وذلك فى ضرب المثال : كالخشب بالنسبة إلى السرير.

وإن كان الثانى : فهو الصورة الجسمية ، وعبروا عنها بأنها التى باعتبارها وحدها يكون المركب موجودا بالفعل لا بالقوة ، وهى فى ضرب المثال : كصورة السرير وشكله بالنسبة إلى السرير ، وإن لم يكن شكل السرير صورة جوهرية / ؛ بل عرضية.

وأما إن كان مركبا : فهو الجسم :

وهو إما بسيط : أى غير مركب من أجسام مختلفة الطبيعة ، أو مركب.

فإن كان بسيطا فإما أن لا يكون قابلا للكون ، والفساد [أو قابلا له] (٢) فإن كان الأول : فكالأفلاك.

وإن كان الثانى : فإما أن يكون حارا ، أو باردا.

فإن كان حارا : فإما يابس ، أو رطب.

فإن كان يابسا : فهو النار.

وإن كان رطبا : فهو الهواء.

وأما إن كان باردا : فإما رطب ، أو يابس.

فإن كان رطبا : فهو الماء.

وإن كان يابسا : فهو التراب.

وهذه البسائط الأربعة هى العناصر.

وأما إن كان الجسم مركبا من أجسام مختلفة الطبيعة : فكالنباتات وأنواع الحيوانات ، والمعدنيات.

وأما العرض فقالوا :

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) ساقط من أ.

٨

إما أن لا يوجب تعقّله تعقّل أمر خارج ، أو يوجب :

فإن لم يوجب تعقّله تعقّل أمر خارج عنه.

فهو إما أن يقدر تجزؤه ، أو لا يقدّر.

فإن قدّر تجزؤه فهو جنس الكمّ : وهو إمّا أن تتصل أجزاؤه عند حدّ واحد ، أو لا تتصل.

فإن كان الأول : فإما قار الذات ، أو غير قار الذات.

فالقار منه : هو البعد ، وغير القارّ منه : هو الزمان.

وإن كان الثانى : فهو العدد.

وإن لم يقدر تجزؤه. فإمّا : أن يوجب بين أجزائه نسبة ، أو لا يوجب [بين أجزائه] (١) نسبة.

فإن كان الأول : فهو جنس الوضع ، والوضع حالة توجد للجسم بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى بعض ، كحالة الجسم عند القيام ، أو العقود ، أو الانبطاح ونحوه.

وإن كان الثانى : فهو جنس الكيفية ، وهو هيئة قارة للجوهر لا يوجب تعقلها تعقل أمر خارج عنها ، وعن (٢) حاملها ، ولا يوجب قسمة ، ولا نسبة فى أجزائها ، ولا أجزاء حاملها ، وذلك كالاشكال ، والزوجية ، والفردية ، والانفصالية ، والانفعالات : كالحرارة ، والبرودة ، والحلاوة ، وحمرة الخجل ، وصفرة الوجل ، والقوة ، ولا قوة : كالمصراعية : وهى القوة التى بها يصرع الغير ، ويحركه.

والممراضة : وهى القوة التى بها قبول الجسم للمرض بسرعة

والمصاحبة : وهى القوة التى بها لا يقبل البدن المرض بسهولة

والكمالات غير المحسوسة : كالعلم ، والظن ، والصحة ، والهيئات النفسانية التى عنها صدور الفضائل ، والرذائل ونحوه.

__________________

(١) ساقط من (أ).

(٢) أول ل ٢ / ب.

٩

وأما إن أوجب تعقله تعقل أمر خارج ، فذلك الخارج : إما أن ينعكس عليه فى الفهم ، والوجود ، أو لا ينعكس.

فإن انعكس ؛ فهو جنس المضاف : كالأبوة ، والنبوّة ، ونحو ذلك.

وإن لم / ينعكس عليه : فهو إما جوهر ، أو عرض.

لا جائز أن يكون جوهرا ؛ إذ الجوهر من حيث هو جوهر ، ليس بمضاف ولا منسوب. وما وقع منه مضافا ؛ فليس إلا بعارض فيه كذات الأب.

وإن كان [عرضا] (١) فهو إما من قبيل المنسوبات أو ليس.

لا جائز أن يكون من قبيل المنسوبات ، وإلا لتسلسل.

وإن كان ليس من قبيل المنسوبات ؛ فليس غير الكم ، والكيف والوضع.

فإن كان مضافا الى الكم. فهو إما قار ، أو غير قار.

فإن كان قارا : فإما أن ينتقل بالانتقال ، أو ليس.

فإن انتقل بالانتقال ؛ فهو جنس الملك : وهو عبارة عن حالة توجد للجسم بسبب نسبته إلى ماله ، أو لبعضه تنتقل بانتقاله كالتقمص والتختم ونحوه.

وإن لم ينتقل بالانتقال فهو جنس الأين : وهو عبارة عن حالة تحصل للجسم بسبب نسبته إلى مكانه.

وإن كان غير قارّ : فهو جنس متى : وهو عبارة عن حالة تحصل للجسم بسبب نسبته إلى زمانه.

وأما ما أضيف منه إلى الكيف :

فإما أن يضاف إليه على أنه منه ، أو فيه.

فإن كان الأول : فهو جنس أن يفعل : كالتسويد ، أو التبييض.

وإن كان الثانى : فهو جنس أن ينفعل كالتسود ، والتّبيّض.

فهذه هى جملة الأجناس العالية للموجودات الممكنة وهى عشرة : الجوهر ، والكم ، والكيف ، والإضافة ، والأين ، ومتى ، والملك ، والوضع ، وأن يفعل ، وأن ينفعل.

__________________

(١) ساقط من (أ).

١٠

ومن أراد معرفة حقيقة كل واحد من هذه الأجناس ، وأنواع أنواعها إلى الأنواع التى لا نوع تحتها على طريق الاستقصاء ، فعليه بمراجعة دقائق الحقائق (١) ، ورموز الكنوز (٢).

وهذه القسمة وإن أومأ إليها أفضل متأخرى الفلاسفة (٣) ؛ فهى مدخولة غير وافية بالغرض.

أما أولا : فلأنه إما أن يريدوا بالموضوع مطلق محل ، أو محلا خاصا.

فإن كان الأول : فيلزم على أصلهم أن لا تكون الصورة الجسمية جوهرا ؛ لقيامها بالمحل ، وهو المادة ، وقد قالوا : إنها جوهر.

وإن كان الثانى : فإما أن يكون هو ما فسروا الموضوع به ، أو غيره. فإن كان غيره ؛ فلا بد من تصويره ، والدلالة عليه.

وإن كان هو ما فسروا الموضوع به.

فقولهم : الموضوع هو المحل المتقوم ذاته : إما أن يريدوا بكونه متقوم الذات ؛ أنه لا يفتقر فى وجوده إلى محل آخر يقومه ، أو أنه لا يفتقر فى وجوده إلى ما قام به ، أو معنى آخر.

فإن كان الأول : فيلزمهم أن لا يكون العرض عندهم موضوعا للعرض ، لافتقار كل عرض إلى محل يقومه ، وقد قالوا : إن الحركة موضوعة للسرعة (٤) ، والسطح موضوع للملاسة / والخشونة ؛ والحركة عرض بالاتفاق.

والسطح أحد أنواع الكم عندهم ؛ فيكون عرضا.

وإن كان الثانى : فالمادة الجسمية بالنسبة إلى الصورة الجسمية إما أن تكون مفتقرة إلى ما قام بها من الصورة الجسمية فى وجودها ، أو لا تكون مفتقرة إليها.

فإن كانت مفتقرة فى وجودها إلى ما قام بها من الصورة ، فالصورة أيضا مفتقرة فى وجودها إلى المادة ؛ لكونها محلا لها ، ووجود الصورة دون محلها محال ؛ وذلك دور

__________________

(١) أحد كتب الآمدي الفلسفية. انظر عنه ما مر فى المقدمة.

(٢) أحد كتب الآمدي الفلسفية انظر عنه ما مر فى المقدمة.

(٣) المقصود به الشيخ الرئيس ابن سينا. راجع ترجمته فى هامش ل ٧٢ / ب من الجزء الأول.

(٤) ساقط من ب.

١١

ممتنع ، من جهة توقف المادة فى وجودها على قيام الصورة بها ، وتوقف وجود الصورة على وجود المادة.

وإن لم تكن [المادة] (١) مفتقرة فى وجودها إلى ما قام بها من الصورة الجسمية ، فهو خلاف أصلهم على ما يأتى (٢).

ثم يلزم منه أن تكون المادة موضوعا للصورة ؛ ضرورة كونها متقومة الذات دون الصورة. وأنها مقومة للصورة فى وجودها ؛ ويلزم من ذلك أن لا تكون الصورة جوهرا ؛ بل عرضا ؛ ولم يقولوا به.

وإن كان الثالث : فلا بد من تصويره ، والدلالة عليه

ثم وإن سلمنا صحة ما قالوه فى تفسير الموضوع

فقولهم : البسيط الخارج عن المركب : إما أن يكون متعلقا بالمركب ، أو لا يكون متعلقا به.

فإن كان الأول : فهو النفس.

وإن كان الثانى : فهو العقل.

إما أن يريدوا بالتعلق مطلق تعلق ، أو تعلقا خاصا.

فإن كان الأول : فالعقل يجب أن يكون نفسا ؛ إذ العقول عندهم (٣) متعلقة بالمركب ، إذ هى علل وجود الأفلاك عندهم ، ولا معنى للفرق بين العقل ، والنفس على هذا.

وإن كان الثانى : فإما أن يريدوا بالتعلق الخاص ؛ توقف وجود البسيط على وجود المركب ، أو أنه متعلق به ، بمعنى أنه المدبر له ، والمتصرف فيه ، أو بمعنى آخر.

فإن كان الأول : فسيأتى إبطال قولهم فيه.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) انظر ما سيأتى ل ١٩ / أوما بعدها.

(٣) أول ل ٣ / أ.

١٢

وإن كان الثانى : فيلزم منه خروج النفس عن حقيقتها بعد مفارقة الأبدان ؛ فإنّها موجودة عندهم ؛ وليست مدبرة للأبدان.

وإن كان الثالث : فلا بد من تصويره.

كيف وأن ما ذكروه من قسمى العقول والنفوس ؛ فمبنى على تصور وجودهما ؛ وسيأتى إبطاله عن قرب.

ثم وإن سلمنا صحة ذلك فقولهم : الداخل فى المركب : إما أن يكون محلا ، أو حالا ، لا نسلم الحصر ، وما المانع من أن يكون لا محلا ، ولا حالا كما نقوله نحن فى الأجسام المؤلفة من الجواهر الفردة ؛ فإن بعضها ليس محلا ، ولا حالا (١) للبعض ، أو أن يكون محلا بالنسبة ، وحالا بالنسبة.

وإن سلمنا صحة ذلك ؛ ولكن لا نسلم صحة انقسام المركب إلى ما يقبل الفساد وإلى ما لا يقبل الفساد ؛ وسنبين / أنه ما من جسم إلا وهو قابل للفساد. وإن سلمنا صحة الانقسام ، ولكن لا نسلم انحصار القابل [للفساد] (٢) فيما ذكروه من الأقسام الأربعة.

وما المانع من أن يكون لا حارا ، ولا باردا ، ولا رطبا (٣) ، ولا يابسا ؛ كما قالوه فى الأفلاك. أو أن يكون حارا ؛ ولا يكون رطبا ، ولا يابسا.

وكذلك يكون باردا ؛ ولا يكون رطبا ، ولا يابسا.

وإن سلمنا : انحصار الجوهر فيما ذكر من الأنواع. فقولهم : العرض إما أن لا يوجب تعقله ، تعقل أمر خارج عنه ، أو يوجب.

وإن سلم الحصر فيه ، ولكن لا نسلم صحة انقسام ما يوجب تعقله تعقل أمر خارج عنه إلى ما ينعكس عليه الخارج فى الفهم ، والوجود ، وإلى ما لا ينعكس ؛ وذلك لأن كل شيء توقف فى تعقله على تعقل غيره ؛ فلا بد وأن يكون له إليه نسبة وإضافة ؛ ومن ضرورة كونه مضافا إلى ذلك الشيء ؛ أن يكون ذلك الشيء مضافا إليه أيضا. اللهم إلا أن

__________________

(١) ساقط من ب.

(٢) ساقط من (أ).

(٣) ساقط من ب.

١٣

ينظر إلى المضاف إليه ، لا من حيث هو مضاف إليه ، بل من جهة كونه ذاتا ما ؛ فإنه لا يلزم أن يكون من حيث هو ذاتا مضافا إلى ما أضيف إليه ؛ وذلك كما إذا قلنا : زيد فى المكان ، أو زيد بن عمرو ، فإنا إذا نظرنا إلى المكان ، أو إلى عمرو من حيث هو ذات ؛ أو حقيقة ما ؛ لا يكون مضافا إلى زيد ، ولكن ذلك لا يمنع من كونه مضافا من جهة أخرى.

ثم وإن سلمنا صحة القسمة ؛ ولكن قوله إن انعكس فهو جنس الإضافة ؛ فيلزم عليهم أن تكون إضافة من الأعراض الوجودية ؛ ضرورة كونها جنسا من أجناس الأعراض الموجودة ؛ ويلزم من ذلك أن يكون الرب ـ تعالى ـ متصفا بصفات عرضية وجودية زائدة على ذاته ؛ ضرورة كونه متصفا بالصفات الإضافية عندهم ؛ وهو خلاف أصلهم ، ولا مخلص لهم من ذلك ، إلا بمخالفة أحد أصليهم وهو : إما اعتقاد جواز اتصاف الرب ـ تعالى ـ بصفات وجودية زائدة على ذاته ، أو باعتقاد أن الإضافة ليست من أجناس الموجودات الممكنة ؛ ولم يقولوا بشيء من ذلك.

وإن سلمنا صحة ذلك ؛ ولكن قوله وإن انعكس عليه ؛ فهو إما جوهر ، أو عرض مسلّم ؛ ولكن لا نسلم امتناع كون المنسوب إليه جوهرا.

قوله : لأن الجوهر من حيث هو جوهر ليس بمضاف إليه ، ولا منسوب ، وما وقع منه مضافا ؛ فلا يكون إلا بعارض فيه كما ذكر ؛ فيلزم من ذلك أن لا يكون أيضا منسوبا إلى الكم والكيف ؛ إذ هو من حيث هو كم ، أو كيف أيضا غير مضاف إلا بعارض يعرض.

وإن سلمنا امتناع كونه جوهرا / ؛ ولكن لا نسلم امتناع كونه من قبيل المنسوبات.

قوله : لأنه يلزم منه التسلسل. إنما يلزم ذلك أن لو كان المنسوب إليه يجب أن يكون منسوبا إلى ما هو منسوب إليه أيضا ؛ وهو غير لازم.

وإن سلمنا امتناع ذلك ؛ ولكن لا نسلم انحصار ما ليس بمنسوب فى الكم والكيف والوضع. وما المانع من كون الملك كذلك. والملك حالة تحصل للجسم بسبب نسبته إلى ما له ، أو لبعضه تنتقل بانتقاله ؛ لا أنه نفس النسبة. كما أن الأين : عبارة عن حالة تحصل للجسم بسبب نسبته إلى مكانه.

ومتى : حالة تحصل للجسم بسبب نسبته إلى زمانه.

والوضع : حالة تحصل للجسم بسبب نسبة أجزائه ، ولا فرق.

١٤

وإن سلمنا الانحصار فى الكم ، والكيف ، والوضع. غير أنه لم يعرج على ما له نسبة إلى الوضع مع إدخاله له فى القسمة ، ومع ذلك فلا مانع من وجود قسم آخر (١) غير ما ذكر من الأقسام بسبب النسبة إلى الوضع ، اللهم إلا أن يبين امتناع النسبة إلى الوضع ، وليس فى كلامه ما يدل عليه.

وإن سلمنا انحصار المنسوب إليه فى الكم ، والكيف ؛ فقوله : ما أضيف منه إلى الكيف : إما أن يضاف إليه على أنه منه ، أو فيه ، غير مسلم.

وما المانع من أن يكون مضافا إليه بجهة أخرى يحصل بسببها جنس آخر ؛ إذ ليس ما ذكر من الحصر دائر بين النفى والإثبات ؛ ولا هو معلوم بالضرورة.

وإن سلمنا ذلك ؛ ولكن ما ذكره من الحصر فى أجناس الأعراض غير عام لكل عرض ؛ فإن الحركة عرض ؛ وهى غير داخلة فى شيء من الأجناس المذكورة ، وكذلك وجود (٢) الممكنات عندهم عرض زائد على ذوات الممكنات ؛ وليس داخلا تحت شيء من الأجناس المذكورة ، ولا هو نوع منه ؛ لأنه محمول على كل جنس منها. والنوع لا يصدق حمله على جنسه ، وإذا لم تكن الحركة ، ولا الوجود نوعين داخلين تحت شيء من هذه الأجناس ؛ وهو عرض ؛ فأجناس الأعراض يجب أن تكون أكثر مما قيل.

وإن سلمنا الحصر فيما ذكره ؛ ولكن ما المانع من تداخل بعضها فى بعض وأن يكون عدد الأجناس أقل مما قيل.

فإنه لو قيل لهم : لا نسلم أن الأين حالة توجد للجسم بسبب نسبته إلى مكانه ، ولا متى حالة توجد للجسم بسبب نسبته إلى زمانه.

وكذلك فى الوضع ، والملك ؛ بل الأين نسبة الشيء إلى مكانه ، ومتى نسبة الشيء إلى زمانه ، وكذلك فى الوضع ، والملك ؛ لم يجد إلى دفعه سبيلا.

وعند ذلك : فيكون الأين ، ومتى ، والوضع ، والملك داخلا تحت جنس المضاف ، ويعود عدد الأجناس إلى / تسعة.

__________________

(١) (آخر) ساقط من ب.

(٢) أول ل ٣ / ب.

١٥

كيف وأن شرط الأجناس عندهم أن تكون مقولة على ما تحتها بالتواطؤ قولا ذاتيا ، وأن يكون الاختلاف فيما تحت كل واحد من الأجناس بالذات ، لا بالعرض. ولو طولبوا بتحقيق كل واحد من هذه الأمور ؛ لم يجدوا إليه سبيلا ؛ فهذا ما عندى فيه.

وأما مسلك أهل الحق فى الحصر : فإنهم قالوا : الموجود الممكن ، إما أن يكون فى محل ، أو لا فى محل.

فإن كان لا فى محل : فهو الجوهر. وهو إما أن لا يكون مؤلفا ، أو يكون مؤلفا.

فإن كان الأول : فهو الجوهر الفرد.

وإن كان الثانى : فهو الجسم.

وإن كان فى محل : فهو العرض. وهو إما أن يكون مشروطا بالحياة ، أو لا يكون مشروطا بالحياة.

فالأول : كالعلوم ، والقدر ، والإرادات ، والإدراكات ، والكلام.

والثانى : كالأكوان ، والألوان ، والطعوم ، والأراييح ، ونحو ذلك مما يأتى تحقيقه.

وهل الأجناس العرضية الداخلة تحت المشروط بالحياة ، وغير المشروط بالحياة متناهية إمكانا بحيث لا يدخل تحت المقدور منها إلا ما هو متناه ؛ إذ هى غير متناهية إمكانا ، بأن يكون فى الإمكان وجود أعراض أخرى غير الأعراض المعهودة إلى غير النهاية ؛ فذلك مما اختلف فيه.

فذهب كثير من أصحابنا ، وأكثر المعتزلة إلى القول بوجوب النهاية.

وذهب القاضى أبو بكر فى أكثر أجوبته إلى القول بعدم النهاية فى الأجناس ، وإليه ذهب الجبائى ومتبعوه.

والّذي إليه ميل المحققين من أصحابنا ـ وهو الحق ـ أنه لا مجال للعقل فى القضاء بعدم إمكان النهاية ، ولا بعدم إمكانه لعدم مساعدة الدليل العقلى عليه نفيا ، وإثباتا ؛ بل الواجب إنما هو الوقف ، والتشكك فى الإمكان ، وعدمه إلى حين قيام الدليل عليه ، أو

١٦

ورود السمع به ، ولا بد من الإشارة إلى مأخذ القائلين بالإمكان وعدمه ، والتنبيه على ما فيه.

وأما القائلون بالحصر ، فقد احتجوا بحجتين.

الأولى : أن القول بتجويز وجود جنس خارج عن الأجناس المعهودة ، يجر إلى تجويز وجود جنس من الممكنات ليس بجوهر [ولا عرض] (١) ؛ وهو ممتنع باجماع المسلمين.

الحجة الثانية : أن القول بمزيد عدد على الأجناس المعهودة متقابل ؛ وليس تجويز عدد أولى من تجويز غيره.

والحجتان ضعيفتان :

أما الحجة الأولى : فدعوى مجردة من غير دليل ؛ فلا تكون حجة. كيف وأن انقسام الحوادث إلى الجواهر [والأعراض] (٢) واجب بالقسمة الحاصرة / الدائرة بين النفى ، والإثبات. كما تقدم. ووجود واسطة بين النفى والإثبات ؛ ممتنع قطعا ؛ بخلاف الأجناس العرضية الداخلة تحت المشروط بالحياة ، وغير المشروط بها ؛ على ما تقدم ؛ إذ لا دليل على الحصر القاطع فيها.

وأما الحجة الثانية : فيلزم عليها آحاد كل جنس من الأجناس المعهودة ؛ فانها غير متناهية إمكانا مع وجود ما ذكر من تقابل الأعداد.

فما هو الجواب عن آحاد كل جنس ؛ هو الجواب عن أعداد الأجناس.

وأما حجة القائلين بعدم النهاية : فإنهم قالوا : آحاد كل جنس مما يقضى العقل فيها بعدم النهاية ، وعدم الوقوف على عدد ليس وراءه عدد ؛ فكذلك عدد الأجناس ولا يخفى ما فيه من الدعوى المجردة ، وإلحاق مختلف فيه بمتفق عليه من غير دليل جامع ؛ فلا يقبل.

__________________

(١) ساقط من أ.

(٢) ساقط من أ.

١٧

وإذا بطل مأخذ كل واحد من القولين ؛ فلم يبق إلا ما ذكرناه من الوقف وعدم الجزم بكل واحد من الطرفين. والله أعلم (١).

__________________

(١) ورد بعد ذلك بخط الناسخ : [فى النسخة (أ)]

«تم النصف الأول من أبكار الأفكار فى أصول الدين للإمام العلامة سيف الدين الآمدي ـ رحمه‌الله تعالى ـ وهو من الأصل الّذي بخط مصنفه ـ رحمه‌الله ـ أربعون كراسا ونصف كراس.

ويتلوه فى النصف الثانى ـ إن شاء الله تعالى ـ الأصل الأول فى الجواهر وأحكامها ويشتمل على ثلاثة أنواع.

الحمد لله رب العالمين ، وصلواته على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين محمد وعلى آل محمد ، وأزواجه ، وذريته ، وسائر النبيين ، والمرسلين ، والملائكة أجمعين من سكان السّماوات والأرضين ، والصحابة ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلامه عليهم أجمعين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. ربنا تقبل منا إنّك أنت السميع العليم» كما ورد فى الهامش الأيمن ما يدل على مراجعة الكتاب ومقابلته. (بلغ مقابلة ولله الحمد والمنة).

١٨

الأصل الأول

فى الجواهر وأحكامها

ويشتمل على ثلاثة أنواع :

النوع الأول : فى أحكام الجواهر مطلقا.

النوع الثانى : فى أحكام الجواهر الفردة.

النوع الثالث : فى الأجسام وأحكامها.

١٩
٢٠