كتاب الكنّاش في فنّي النّحو والصّرف - ج ١

عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيّوبي [ صاحب الحماة ]

كتاب الكنّاش في فنّي النّحو والصّرف - ج ١

المؤلف:

عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيّوبي [ صاحب الحماة ]


المحقق: الدكتور رياض بن حسن الخوّام
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
ISBN: 9953-34-369-1
ISBN الدورة:
9953-34-369-1

الصفحات: ٤١٥
الجزء ١ الجزء ٢

ورأيت بعلبكّ ومررت ببعلبكّ ، فلا ينصرف للعلّتين وهذا هو الفصيح ، ومن العرب من يعرب الأوّل بالرفع والنّصب والجرّ كالمضاف ، ويعرب الثاني إعراب المضاف إليه الغير المنصرف ، ومن هؤلاء من يعرب الثاني إعراب المضاف إليه المنصرف فيقول : هذا بعلبكّ بجرّ الثاني في الأحوال الثلاث (١) وأمّا نحو : (٢) : «ذهبوا أيدي سبا» فقد عدّه المحققون (٣) من باب المبنيّات وهو مشكل ؛ فإنّ معناه ذهبوا مثل أيدي سبا في تشتّتهم ، فحذف المضاف الذي هو مثل ، وأعرب المضاف إليه بإعرابه ثم حقّقت الهمزة من سبأ ، وسكّنت الياء من أيدي على التخفيف وذلك لا يوجب بناء (٤).

ذكر الكنايات المبنيّات (٥)

وهي سابع المبنيّات ، والكناية من كنيت إذا سترت ومنه كنية الشّخص ؛ سمّيت بذلك لكونها تستر اسمه (٦) وتكون الكناية معربة نحو : فلان ، ويسمّى الضمير مكنيّا أيضا ، وليس ذلك بمراد هاهنا ، وإنّما المراد الكنايات المبنيّة ، وهي : كلّ لفظ مجمل يعبّر به عن مفصّل ، ويكون إجماله إمّا لنسيانه أو لقصد إبهامه على السّامعين ، بحيث لا يعلم معناه إلّا من يعرف ذلك التفصيل نحو : عندي كذا كذا درهما ، فكذا كذا درهما ، مجمل وله تفصيل من نحو : عشرين أو خمسين أو غير ذلك ، وقد عبّر عنه بهذا اللفظ المجمل ، أعني كذا كذا درهما ، إمّا للنسيان أو للإبهام على السّامعين (٧) وألفاظ الكنايات كم وكذا للعدد ، وكيت وذيت للحديث وقد قيل : (٨) إنّ كم الاستفهامية ليست من الكنايات ، لأنّها وضعت للاستفهام عن العدد فلا تكون بهذا

__________________

(١) شرح المفصل ، ٤ / ١٢٤.

(٢) المستقصى ، ٢ / ٨٨ وفرائد اللآل ، ١ / ٢٢٧ وانظر الكتاب ، ٣ / ٣٠٤ والمقتضب ، ٤ / ٢٥.

(٣) في شرح الكافية ، للرضي ٢ / ٩٠ وجعل جار الله بادي بدا وأيدي سبا من باب معد يكرب ، وجعلها سيبويه من باب خمسة عشر ، وهو الأولى ، وانظر الكتاب ، ٣ / ٣٠٤ وشرح المفصل ، ٤ / ١٢٢.

(٤) شرح الكافية ، لابن الحاجب ، ٢ / ٥٤٦ والنقل منه.

(٥) الكافية ، ٤٠٧.

(٦) اللسان ، كنى وخلل.

(٧) شرح المفصل ، ٤ / ١٢٦.

(٨) القائل هو ابن الحاجب نصّ على ذلك في شرح الكافية ، ٢ / ٥٤٩ ونسب إليه أيضا في الأسرار الصافية للنجراني ، ٩٨ وشرح الكافية ، للرضي ٢ / ٩٣.

٢٨١

الاعتبار من الكنايات وإلّا لزم أن يكون أين ومتى ، كنايتين عن مكان وزمان مبهمين ، لأنّ كم كما يفيد الاستفهام والعدد فكذلك أين يفيد الاستفهام والمكان (١) ، وقال السخاوي (٢) في شرح المفصل ما معناه : إنّ كم الاستفهامية من الكنايات أيضا ، قال : لأنّها في الاستفهام سؤال عن عدد مبهم فلا شيء من العدد إلّا ويصلح أن يكون جوابا ، وبنيت الاستفهامية لتضمنها همزة الاستفهام ، والخبريّة لكونها مثل الاستفهاميّة في الصيغة (٣) وبني «كذا» لكونه منقولا عن مبنيّ لأنّ أصله «ذا» ودخلت عليه كاف التشبيه فبقي على ما كان عليه (٤) وأما كيت وكيت وذيت وذيت ، فكنايتان عن الحديث ، وبنيا لكونهما واقعين موقع المبنيّ وهو الجملة (٥) أعني الحديث الذي كني عنه بهما /.

ومميّزكم الاستفهامية (٦) مفرد منصوب نحو : كم رجلا ضربت ، لأنّ كم للعدد فجعل مميّزها كمميّز الأعداد المتوسطة أعني من أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولم يجعل كمميّز طرفي العدد أعني العشرة وما دونها والمائة وما فوقها ، لئلا يلزم الترجيح بلا مرجّح ، ويدخل «من» في مميّزها فيخفض نحو : كم من رجل ضربت ، ومميّزكم الخبريّة مجرور مفرد ، ومجموع كقولك : كم درهم وهبت ، وكم دراهم وهبت ، أما كونه مجرورا ، فلأنّها للتكثير ، والعدد الصريح الكثير ، مميّزه مجرور كمائة وألف ، وأما كونه مفردا ، فلأنّ مميّز العدد الكثير كذلك ، وأمّا كونه جاء مجموعا فلأنّ العدد الكثير ، فيه ما ينبيء عن كميّته صريحا كالمائة والألف ، ولما كان

__________________

(١) شرح الكافية ، لابن الحاجب ٢ / ٥٤٩ والنقل منه بتصرف يسير. وانظر شرح الكافية ، للرضي ٢ / ٩٤ وهمع الهوامع ، ٢ / ٧٥.

(٢) هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي ولد في سخا سنة ٥٥٩ ه‍ وقرأ على الشاطبي ، ثم نزل دمشق وقرأ عليه خلق كثير ، كان بصيرا بالقراءات وعللها وإماما في النحو واللغة والتفسير عارفا بأصول الفقه له من التصانيف شرحان على المفصل ، وسفر السعادة وسفير الإفادة ، وشرح على الشاطبيّة مات سنة ٦٤٣ ه‍ انظر ترجمته في إنباه الرواة ، ٢ / ٣١١ وبغية الوعاة ، ٢ / ١٩٢ وطبقات المفسرين ، للداوودي ، ١ / ٤٢٥.

(٣) شرح الكافية ، ٢ / ٩٤.

(٤) همع الهوامع ، ٢ / ٧٦.

(٥) شرح الكافية ، ٢ / ٩٥.

(٦) الكافية ، ٤٠٧.

٢٨٢

هذا ليس مثله في التصريح جعل كأنّه نائب عن معنى التصريح (١) وتدخل «من» في مميّز الخبريّة كثيرا نحو قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها)(٢) ولكم الاستفهامية والخبريّة صدر الكلام (٣) لكون الاستفهاميّة لإنشاء الاستفهام ، والخبريّة لإنشاء التكثير ، والكوفيون لا يوجبون لهما صدر اللام ويستشهدون بقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ)(٤) ويزعمون أنّ كم فاعل يهد (٥) والبصريون يتأولونه ويقفون على يهد لهم ويبتدئون بقوله : كم أهلكنا (٦) لكن إن كان قبلهما مضاف أو حرف جرّ وجب تقديمه وكانا في موضع خفض كقولك : غلام كم رجلا ضربت ، وبكم رجلا مررت ، لأنّ المضاف وحرف الجرّ لا يتأخّر عن معموله ، فلذلك اغتفر تقديمه على ماله صدر الكلام ، ليتنزّل المضاف وحرف الجرّ منزلة الجزء من الكلمة ، ويكون إعراب المضاف نحو الغلام في : غلام كم رجلا ، كإعراب كم ، ولذلك نصبت غلام كم رجلا ضربت ، والاستفهاميّة والخبريّة كلاهما يقع مرفوعا ومنصوبا ومجرورا (٧) أما جرّهما فبالمضاف أو حرف الجرّ حسبما تقدّم ، وأمّا النصب فبما بعدهما من الفعل ، إن كان متسلّطا عليهما ، أي غير مشتغل بضميرهما أو متعلّق ضميرهما على حسب ما يقتضيه ، أعني ؛ إن اقتضى مفعولا به كان مفعولا به نحو : كم رجلا أو رجل ضربت ، بنصب رجل مع الاستفهاميّة ، وجرّه مع الخبريّة ، وإن اقتضى مفعولا مطلقا كان مفعولا مطلقا نحو : كم ضربة وضربة ضربت ، وإن اقتضى

__________________

(١) شرح الكافية ، ٢ / ٩٧ وشرح الأشموني ، ٤ / ٨١.

(٢) من الآية ٤ من سورة الأعراف.

(٣) الكافية ، ٤٠٧.

(٤) من الآية ٢٦ من سورة السجدة.

(٥) انظر معاني القرآن ٢ / ١٩٥ ـ ٣٣٣ وشرح الوافية ، ٢٩٨.

(٦) في البيان ، للأنباري ، ٢ / ١٥٤ : وزعم الكوفيون بأنّ فاعل يهدى هو كم ، وذلك سهو ظاهر ؛ لأنّ كم لها صدر الكلام ولا يعمل فيها ما قبلها رفعا ولا نصبا ، وكم في موضع نصب بأهلكنا وهو مفعول مقدّم وتفسيره محذوف وتقديره : كم قرية أهلكنا ، وحكى الأخفش أن بعض العرب يقدّم العامل على كم الخبريّة وردّ ابن هشام ذلك بأنها : لغة رديئة ولا يجوز تخريج كلام الله سبحانه على هذه اللغة وقرّر بأنّ الفاعل هو ضمير اسم الله سبحانه أو ضمير العلم أو الهدى المدلول عليه بالفعل ، أو جملة أهلكنا على القول بأن الفاعل يكون جملة. انظر مغني اللبيب ، ١ / ١٨٤ وحاشية الصبان ، ٤ / ٨٣.

(٧) الكافية ، ٤٠٧.

٢٨٣

ظرفا كان ظرفا نحو : كم يوما وكم يوم صمت ، وأمّا الرفع فعلى أن يكونا مبتدأين أو خبرين ، وذلك إذا لم يكن بعدهما فعل متسلّط عليهما ولا قبلهما اسم مضاف ولا حرف جرّ فيكونان حينئذ مجرّدين من العوامل اللفظيّة ، فيتعيّن أن يكونا في موضع رفع على الابتداء أو على الخبر ، ولا يكونان فاعلين لاقتضائهما صدر الكلام ، والفاعل ليس له صدر الكلام ، وأمّا تعينهما للابتداء دون الخبر أو للخبر دون الابتداء ، فإذا وقعا غير ظرف تعيّنا للابتداء كقولك : كم رجلا إخوتك ، وكم رجلا قام ، وإن وقعا ظرفا تعيّنا للخبر ، كقولك : كم يوما سفرك / لأنك لو جعلت كم مبتدأ وهي للزمان تعذّر أن يكون خبرها السّفر كما يتعذّر ذلك في : متى سفرك ، فيجب أن يقدّر السّفر ونحوه مبتدأ ، ويكون ما تقدّم ظرفا في موضع رفع على الخبر (١).

واعلم أنّ إعراب أسماء الاستفهام والشّرط نحو : من وما ، استفهاميتين وشرطيّتين مثل إعراب كم فإن كان بعدهما فعل متسلّط عليهما كان محلّهما النصب نحو : من ضربت ، ومن تضرب أضرب وإن كان قبلهما حرف جرّ أو اسم مضاف فمحلّهما الجرّ نحو : بمن مررت وبمن مررت أمرر ، وغلام من ضربت ، وغلام من تضرب أضربه ، فإن لم يكن بعدهما فعل ، شأنه ما ذكرناه ، ولا قبلهما مضاف ولا حرف جرّ فهما في محلّ الرفع بالابتداء ، نحو : من ضربته ، ومن تضربه ، أضربه وفي مميّزكم في مثل قول الفرزدق يهجو جريرا. (٢)

كم عمّة لك يا جرير وخالة

فدعاء قد حلبت عليّ عشاري

__________________

(١) شرح المفصل ، ٤ / ١٢٧ وشرح الأشموني ، ٨٣ ـ ٨٤.

(٢) وهو جرير بن عطيّة ، يكنّى أبا حرزه من فحول شعراء الإسلام ومن أشد الناس هجاء وتشبيها ، مدح الحجاج ، وعبد الملك بن مروان ، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض مشهورة توفي ١١١ ه‍.

انظر ترجمته في طبقات فحول الشعراء ١ / ٢٩٧ ـ ٣٧٤ والشعر والشعراء ١ / ٣٧٤ ووفيات الأعيان ، ١ / ٣٢١ والبيت للفرزدق همام بن غالب ، ورد في ديوانه ، ٢ / ٤٥١ برواية : كم خالة وروي منسوبا له في الكتاب ، ٢ / ٧٢ ـ ١٦٢ وكتاب الحلل ، ١٧٩ وشرح المفصل ، ٤ / ١٣٣ وشرح الكافية ، ٢ / ١٠٠ ومغني اللبيب ، ١ / ١٨٥ وشرح التصريح ، ٢ / ٢٨٠ وخزانة الأدب ، ٦ / ٤٨٥ وروي البيت من غير نسبة في الكتاب ، ٢ / ١٦٦ والمقتضب ، ٣ / ٥٨ وهمع الهوامع ، ١ / ٢٥٤.

الفدعاء : المعوجّة الرّسغ من اليد أو الرجل ، والعشار : جمع عشراء وهي الناقة التي أتى عليها من حملها عشرة أشهر.

٢٨٤

ثلاثة أوجه : نصب عمة ، وجرّها ، ورفعها ، فالنصب بأن تكون كم للاستفهام والجرّ بأن تكون خبريّة ، وكم مبتدأ في الصورتين ، والرفع بأن تكون عمة مبتدأ نكرة موصوفة بقوله : لك ، وقد حلبت ، خبرها (١) وكم في هذا الوجه في محلّ النصب على أنّها مصدر أو ظرف ، والتقدير كم حلبة أو حلبة عمة لك وخالة قد حلبت ، أو كم وقت أو وقتا عمة لك وخالة قد حلبت ، فالمميّز أعني حلبة أو وقت محذوف ، ومحلّهما إمّا الجرّ على أنّ كم خبريّة ، أو النصب على أنها استفهامية ، وبعد ذلك عمة وهي نكرة موصوفة مرفوعة بالابتداء ، وقد حلبت الخبر.

ويحذف المميّز (٢) للعلم به نحو : كم مالك؟ في الاستفهاميّة أي : كم درهما مالك؟ وكم هنا ، في محل الرفع على الابتداء ، ونحو : كم ضربت في الخبريّة ، أي كم ضربة أو مرة ضربت (٣) وكم في محل النصب على المصدر أو الظّرف.

ذكر الظروف المبنيّة (٤)

وهي ثامن المبنيّات ، والظرف يكون معربا كما تقدّم في المنصوبات (٥) ومبنيا وهو المراد هاهنا ، والبناء في الظروف إمّا بقطعها عن الإضافة كما سنمثل ، وإمّا بالإضافة إلى غير المتمكّن كيومئذ ، وشرط بناء ما قطع عن الإضافة أن يكون المضاف إليه مرادا ، فإن قطع ولم يكن المضاف إليه مرادا أعرب.

نحو قوله : (٦)

__________________

(١) قال الأشموني في شرحه على الألفيّة ، ٤ / ٨١ وأمّا الرفع فعلى أنه مبتدأ وإن كان نكرة ، لأنّها قد وصفت بلك ، وبفدعاء محذوفة ، مدلول عليها بالمذكورة كما حذفت لك من صفة خالة مدلولا عليها بلك الأولى ، والخبر قد حلبت ، ولا بدّ من تقدير قد حلبت أخرى لأنّ المخبر عنه حينئذ متعدد ، لفظا ومعنى ، نظير زينب وهند قامت ، وكم على هذا الوجه ظرف أو مصدر والتمييز محذوف أي كم وقت أو حلبة.

(٢) الكافية ، ٤٠٧.

(٣) شرح الوافية ، ٣٠٠.

(٤) الكافية ، ٤٠٧.

(٥) في الصفحة ١٧٧.

(٦) ورد منسوبا لعبد الله بن يعرب في شرح الشواهد ، ٢ / ٢٦٩ وليزيد بن الصّعق في خزانة الأدب ، ١ / ٤٢٩ ، ومن غير نسبة في شرح المفصل ، ٤ / ٨٨ وشرح الكافية ، ٢ / ١٠٢ وشرح شذور الذهب ، ١٠٤ وهمع الهوامع ، ١ / ٢١٠ وشرح الأشموني ، ٢ / ٦٩ وعن أبي عمرو الحميم مكان الفرات.

٢٨٥

فساغ لي الشّراب وكنت قبلا

أكاد أغصّ بالماء الفرات

فأعرب قبلا ، ونصبه على الظّرف ، لأنّ المضاف إليه غير مقدّر فيه ، وبنيت الظروف المقطوعة لافتقارها إلى المنويّ كافتقار الحرف إلى الغير ، وبنيت على الضم ، لأنّ ذلك لا يوهم إعرابا ، لأنّ الضمّ لا يدخلها مضافة ، ومثال الظروف المقطوعة المبنيّة على الضمّ ، فوق وتحت وقبل وبعد وما أشبهها من الظروف المبهمة نحو : أمام ووراء وخلف وأسفل وأول في قولك : ابدأ بهذا أوّل وتسمّى هذه الظروف الغايات ، لأنّها لمّا قطعت عن الإضافة جرت مجرى بعض الكلمة وصارت حدودا وغايات ينتهى إليها (١) وأجري مجراها / غير وحسب في قولك : لا غير وليس غير ، فلما قطع عن الإضافة غير وحسب بنيا على الضّمّ ، وإن لم يكونا ظرفين لكون المضاف إليه منويا فيهما ، فإن أضيفا أعربا.

ومن الظروف المبنيّة «حيث» وبنيت لافتقارها إلى جملة تبيّن معناها كافتقار الموصول إلى الصلة ، وبنيت على الضمّ تشبيها بقبل وبعد (٢) ، وقد جاء فيها الفتح والكسر (٣) وتستعار للزمان (٤) كقوله : (٥)

للفتى عقل يعيش به

حيث تهدي ساقه قدمه

أي مدّة حياته ، ولا تضاف إلّا إلى الجملة ، وشذّ إضافتها إلى المفرد ، نحو قول الشاعر : (٦)

__________________

(١) شرح المفصل ، ٤ / ٨٥ ـ ٨٦.

(٢) شرح الوافية ، ٣٠١.

(٣) الفتح في بني تميم من بني يربوع وطهية ، وبنو فقعس يخفضونها في موضع الخفض ، وينصبونها في موضع النصب ، واللغة العالية حيث بالضم. اللسان ، حيث ، والمفصل ، ١٦٩ وشرح المفصل ، ٤ / ٩١.

(٤) نسب ذلك إلى الأخفش ، الهمع ، ١ / ٢١٢.

(٥) البيت لطرفة بن العبد ورد في ديوانه ٨٦ وورد من غير نسبة في مجالس ثعلب القسم الأول ١٩٧ وشرح المفصل ، ٤ / ٩٢ وشرح الكافية ، ٢ / ١٠٨ والهمع ، ١ / ٢١٢.

(٦) الرجز لم يعرف قائله وبعده :

نجما يضيء كالشهاب لامعا

ورد في شرح المفصل ، ٤ / ٩٠ وشرح الكافية ، ٢ / ١٠٨ ولسان العرب ، «حيث» والمغني ، ١ / ١٣٣ وشرح شذور الذهب ، ١٣٠ وهمع الهوامع ، ١ / ٢١٢ وشرح شواهد المغني ، ١ / ٣٩٠ وشرح الأشموني ،

٢٨٦

 ...

أما ترى حيث سهيل طالعا

بنصب حيث لأنّ الموجب لبنائها قد زال (١) وجرّ سهيل بإضافتها إليه ونصب طالعا حالا من حيث.

ومنها : إذا الشرطية (٢) وإنّما بنيت لتضمّنها معنى حرف الشرط (٣) ولا يجازى بها في غير الشعر ، ولا يقع بعدها إلّا الجملة الفعليّة غالبا (٤) ، إمّا ظاهرة نحو : إذا جاء زيد فأكرمه ، أو مقدّرة نحو قوله تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ)(٥) أي إذا انشقّت السّماء انشقّت ، وقد تتجرّد عن معنى الشّرط وتبقى للزّمان فقط (٦) كقوله تعالى : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى)(٧) إذ التقدير أقسم بالليل حاصلا في وقت غشيانه.

ومنها : إذا التي للمفاجأة نحو : خرجت فإذا السبع ، أي فاجأت زمان وجود السبع (٨) ، وقد تقع جوابا للشرط كالفاء لما بين التعقيب والمفاجأة من المناسبة كقول تعالى : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ)(٩) أي فهم يقنطون ، وهي ظرف معمول لما دلّ عليه من معنى فاجأت ، ويلزم المبتدأ بعدها غالبا ، لأنّه لا بدّ من إضافتها إلى جملة ، فإنّك إذا قلت : خرجت فإذا زيد ، فزيد مبتدأ وخبره محذوف أي فإذا زيد مفاجىء ، فحذف لدلالة المعنى عليه.

__________________

٢ / ٢٥٤ وشرح الشواهد ، ٢ / ٢٥٤.

(١) وهو افتقارها إلى الجملة بعدها المقتضي لبنائها ، فهي معربة حينئذ ونصبت إما على الظرفية أو على المفعولية ، إذا جعلت ترى من رؤية القلب ، وقيل هي مبنية دائما. شرح الشواهد ، ٢ / ٢٥٤.

(٢) الكافية ، ٤٠٧.

(٣) شرح المفصل ، ٤ / ٩٥.

(٤) قال : غالبا ، لأن الكوفيين والأخفش أجازوا إضافتها إلى الجملة الاسمية. شرح ابن عقيل ٣ / ٦١.

(٥) الآية ١ من سورة الانشقاق.

(٦) هذا مذهب ابن الحاجب في الآية ، قال في شرح الكافية ، ٢ / ٥٦٠ وقد تقع لمجرد الظرفية كقوله تعالى «الآية» لأنك لو جعلتها للشرط وجب أن يكون جوابها ما دل عليه (أقسم) المقدر الإنشائي فيفسد المعنى إذ يصير القسم مقيدا. وانظر شرح الكافية للرضي ، ٢ / ١١١ ـ ١١٢ والمغني ، ١ / ١٠٠.

(٧) الآية ١ من سورة الليل.

(٨) وهي عند الأخفش حرف ، والمصنف جعلها ظرفا على مذهب الزجاج فيها. انظر رصف المباني ٦١ والمغني ، ١ / ٨٧.

(٩) من الآية ٣٦ من سورة الروم.

٢٨٧

ومنها : إذ (١) ، وهي للزمان الماضي (٢) وعلّة بنائها ما قيل في إذا الشرطيّة ولا يختصّ بجملة معيّنة كما اختصّت إذا بالجملة الفعليّة بل يقع بعد «إذ» الجملتان ؛ الفعليّة والاسميّة نحو : جئتك إذ قام زيد ، وإذ زيد قائم ، وإذ زيد يقوم ، ولم يستفصحوا : إذ زيد قام (٣) لأنّ إذ لما مضى من الزّمان وقام فعل ماض ، فكان الأولى ألّا يفصل بينهما ، لأنّها تطلب الفعل ، إذا وجدته في الخبر كما تطلبه الهمزة في قولك : أزيدا لقيته بخلاف إذ زيد يقوم ، لأنّ يقوم مضارع للاسم ، لأنّه مثل : زيد قائم ، فيحتمل فيه ذلك بخلاف قام لكونه غير مضارع للاسم ، وقد تكون «إذ» للمفاجأة (٤) كإذا وعليه قوله : (٥)

 ...

فبينما العسر إذ دارت مياسير

ومنها : أين وأنّى (٦) وهما للمكان سواء كانا للاستفهام أو للشّرط نحو : أين زيد ، وأين تكن أكن ، وأنّى تقعد أقعد ، وبنيا لتضمّنهما حرف الاستفهام أو حرف الشّرط ، وقد استعملت أنّى للزمان والحال كمتى وكيف (٧).

ومنها : متى وهي ظرف زمان (٨) في الاستفهام والشّرط ، نحو : متى القتال ومتى تأتني أكرمك ، والفرق / بينها وبين إذا ، أنّ متى للزّمان المبهم ، وإذا للمعيّن.

__________________

(١) الكافية ، ٤٠٧.

(٢) رصف المباني ، ٥٩.

(٣) شرح الوافية ، ٣٠٢ وشرح المفصل ، ٤ / ٩٦.

(٤) الكتاب ، ٤ / ٢٣٢ وشرح الكافية ، ٢ / ١١٤ ـ ١١٥.

(٥) هذا عجز بيت صدره :

استقدر الله خيرا وارضينّ به

وقد اختلف حول قائله وسجل الخلاف حوله السيوطي في شرح شواهد المغني ، ١ / ٢٤٤ فنصّ على أنه ينسب لعثمان بن لبيد العذري ، أو لعثير أو حريث بن جبلة أو لعثير بن لبيد وروي البيت من غير نسبة في الكتاب ، ٣ / ٥٢٨ وأمالي ابن الشجري ، ٢ / ٢٠٧ ـ ٢٠٩ ومغني اللبيب ، ١ / ٨٣ وشرح شذور الذهب ، ١٢٦ وهمع الهوامع ١ / ٢٠٥.

(٦) الكافية ، ٤٠٧.

(٧) شرح المفصل ، ٤ / ١٠٩.

(٨) الكافية ، ٤٠٧ ـ ٤٠٨.

٢٨٨

ومنها : أيّان ، وهي ظرف زمان كمتى في الاستفهام كقوله تعالى : (يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ)(١).

ومنها : كيف ، لزمان الحال (٢) تقول : كيف زيد أي على أيّ حال هو ، ولا يجازى بها في الأفصح (٣) وإن دخلت ما عليها فتقول : كيف ما تكون أكون ، وقد جازى بها الكوفيون مع ما ، واختاره الزّجاجي (٤) في الجمل (٥) فتقول : كيفما تكن أكن.

ومن الظروف المبنيّة مذ ومنذ (٦) وهما بمعنيين :

أحدهما : بمعنى أوّل المدّة فيليهما المفرد المعرفة ، وهو الزمان الذي يصلح أن يكون جوابا لمتى ليدلّ على أول المدّة الذي هو المطلوب ، كقولك : متى كان ابتداء رؤية زيد ، فتقول في الجواب : منذ أو مذ يوم الجمعة ، لأنّ جواب متى بتعيين الوقت ، فلذلك وليهما المفرد المعرفة أعني قولك : مذ يوم الجمعة وشبهه.

والثاني : أن يكونا بمعنى جميع المدّة ، فيليهما المقصود بالعدد لبيان جميع المدّة التي هي المقصودة ، وهي الزمان الذي يصلح أن يكون جوابا لكم ، نحو : ما رأيته مذ أو منذ يومان ، وبنيا لشبههما بمن لأنّهما لابتداء الغاية في الزمان كما أنّ من الابتداء لغاية في المكان (٧) وقد يقع بعدهما أن أو الفعل أو المصدر نحو : ما رأيته مذ أن سافر ، أو مذ أنّه سافر ، أو مذ سافر أو مذ سفره ، فيجب تقدير زمان مضاف إلى كلّ واحد ممّا ذكر ، فيكون تقدير ذلك ، ما رأيته مذ زمان أن سافر ومذ زمان سافر ومذ زمان سفره ، ووجب ذلك لأنّ منذ ومذ لابتداء غاية الزّمان ، فإذا

__________________

(١) من الآية ١٢ من سورة الذاريات.

(٢) شرح المفصل ، ٤ / ١٠٩ وشرح الكافية ، ٢ / ١١٧ وهمع الهوامع ، ١ / ٢١٤.

(٣) الإنصاف ، ٢ / ٦٤٣ وشرح الكافية ، ٢ / ١١٧ ومغنى اللبيب ١ / ٢٠٥.

(٤) هو عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي ، من النحويين المشهورين ، أصله من نهاوند ، وأقام في دمشق ، توفي سنة ٣٤٠ ه‍ انظر ترجمته في إنباه الرواة ، ٢ / ١٦٠ ووفيات الأعيان ، ٣ / ١٣٦. وبغية الوعاة ، ٢ / ٧٧.

(٥) قال في الجمل ٢١١ «وحروف الجزاء إن ومهما وحيثما وإذ ما وكيف وكيفما وأين وأينما وأي وأيان وما ومن» وما ذكره أبو الفداء هنا منقول من شرح الوافية ، ٣٠٢ ـ ٣٠٣.

(٦) الكافية ، ٤٠٨.

(٧) شرح الوافية ، ٣٠٣ وشرح المفصل ، ٤ / ٩٣ ورصف المباني ، ٣١٩ ـ ٣٢٨ والمغني ، ١ / ٣٣٥.

٢٨٩

وليهما غيره وجب تقديره ليتوفّر عليهما ما يقتضيانه من الزّمان ، ومذ ومنذ في هذه الصور المذكورة مبتدأ وما بعدهما خبرهما (١) وهما معرفتان ، لأنّهما في تأويل الإضافة لأنّهما بمعنى أوّل المدّة أو بمعنى جميع المدّة خلافا للزّجاج ، فإنّهما عنده خبران ، والمبتدأ ما بعدهما أي يوم الجمعة أول المدة ، ويومان جميع تلك المدّة (٢).

ومنها : لدى (٣) وهي من الظروف المبنيّة ، وفيها ثماني لغات (٤) أربع مع ثبوت النون ، وأربع مع حذفها ، فالأربع التي مع ثبوت النون ، لدن بفتح اللام والدال ، ولدن بفتح اللام وضم الدال ، ولدن بفتح اللام وسكون الدال ، ولدن بضم اللام وسكون الدال ، والأربع التي مع حذف النون لد بفتح اللام وسكون الدّال ، ولد بضم اللّام وسكون الدال ، ولد بفتح اللّام وضمّ الدّال ، ولدى بفتح اللّام وفتح الدّال ، وإنّما بنيت لأنّ وضع لد ولد وضع الحرف ، وأجريت بقية اللغات مجراها (٥) ومعناها أخصّ من معنى عند ، لأنّك تقول : عندي كذا ، لما كان في حوزك سواء حضرك أو لم يحضرك ، ولدى لما حضرك ولم يتجاوزك. وحكمها أن يجرّ بها على الإضافة ، فتجرّ ما تضاف إليه ، نحو : المال لدى زيد ، لكن نصب العرب بلدن غدوة خاصة (٦) كأنّهم شبّهوا نونها بالتنوين فنصبوا بها غدوة كما نصبوا زيتا في قولهم : رطل زيتا (٧) قال الشاعر : (٨)

لدن غدوة حتّى أروح وصحبتي

عصاة على التّاهين شمّ المناخر

بنصب غدوة.

__________________

(١) المقتضب ٣ / ٣٠ والهمع ، ١ / ٢١٦.

(٢) الهمع ، ١ / ٢١٦.

(٣) الكافية ، ٤٠٨.

(٤) بلغت ١٧ لغة. انظر لدن ولدى ، للمحقق ٩ ـ ١٦.

(٥) هذا رأي ابن الحاجب في علة بنائها ، شرح الوافية ، ٣٠٤ وشرح الكافية ، ٢ / ١٢٣.

(٦) بعدها في شرح الوافية ، ٣٠٤ «تشبيها لنونها بالتنوين لما رأوها تنزع عنها وتثبت» وانظر الكتاب ، ١ / ٥٩ وشرح التصريح ، ٢ / ٤٧.

(٧) وفي شرح الكافية لابن الحاجب ، ٢ / ٥٧٠ ، «كما نصب زيتا في قولهم : عندي رطل زيتا».

(٨) لم أهتد إلى قائله. وما رأيت أحدا ذكره في المصادر التي بين يديّ.

٢٩٠

ومنها : / قطّ ، وهي للماضي المنفي(١) تقول : ما فعلته قطّ ، ولا تقول : ما أفعله قطّ ، وهي من القطّ الذي هو القطع ، لأنّ الماضي منقطع من المستقبل ، وبنيت لأنّ من لغاتها قط بتخفيف الطّاء وهو وضع الحروف (٢) وأجريت أختها المشدّدة الطاء مجراها.

ومنها : عوض ، وهي ظرف للزمان المستقبل المنفي ، تقول : لا أفعله عوض أي أبدا إلّا أنّ أبدا يستعمل في النفي والإثبات ، وعوض تختصّ بالنفي ، وبنيت لقطعها عن الإضافة إذ المعنى عوض العائضين كدهر الدّاهرين (٣).

ومنها : أمس ، وبنيت لتضمّنها معنى لام التعريف لأنّها بمعنى الأمس ، وبنو تميم يمنعونها الصّرف (٤).

والظروف المضافة إلى الجملة يجوز بناؤها على الفتح (٥) ويجوز إعرابها كقوله تعالى : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)(٦) بفتح يوم ورفعه في السّبعة (٧) وكذلك الظرف المضاف إلى إذ ، نحو قوله تعالى : (لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ)(٨) بفتح ميم يوم وجرّه في السبعة (٩) وكذلك يجوز بناء غير ومثل على الفتح إذا أضيفا إلى ما أو إلى أن المخفّفة أو المشدّدة (١٠) ، كقوله تعالى : (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(١١)

__________________

(١) الكافية ، ٤٠٨.

(٢) شرح الوافية ، ٣٠٤ والنقل منه وشرح الكافية ، ٢ / ١٢٥ والمغني ، ١ / ١٧٥.

(٣) بعدها في شرح الكافية لابن الحاجب ، ٢ / ٥٧١ : ولو لا ذلك لم تبن كما لم تبن أبدا لما لم يقصد فيها هذا المعنى وانظر شرح الوافية ٣٠٤ وشرح المفصل ، ٤ / ١٠٨ ، والمغني ١ / ١٥٠.

(٤) انفرد أبو الفداء بالحديث عن أمس إذا لم يتحدث عنها ابن الحاجب في شرح الوافية ، ٣٠٤ ولا في شرح الكافية ، ٢ / ٥٧١ فقد انتقل في الكتابين بعد عوض إلى الحديث عن الظروف المضافة إلى الجملة. وانظر في أمس الكتاب ، ٣ / ٢٨٣ والهمع ، ١ / ٢٠٩.

(٥) الكافية ، ٤٠٨.

(٦) من الآية ١١٩ من سورة المائدة.

(٧) قرأ نافع بالنصب والباقون بالرفع ، كتاب السبعة ٢٥٠ والكشف ، ١ / ٤٢٣.

(٨) من الآية ١١ من سورة المعارج.

(٩) قرأ نافع والكسائي بفتح الميم ، والباقون بكسرها ، الكشف ، ١ / ٥٣٢ والإتحاف ، ٤٢٤ والبيان ، ٢ / ١٩.

(١٠) الإنصاف ، ١ / ٢٨٧.

(١١) من الآية ٢٣ من سورة الذاريات.

٢٩١

برفع مثل وفتحه في السبعة (١).

وقال الشاعر : (٢)

لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت

حمامة في غصون ذات أو قال

بفتح غير مع أنّها فاعل يمنع (٣) ، لإضافتها إلى أن المصدرية وتقول : قيامي مثل ما أنّك تقوم ، وهو فاضل غير أنّك أفضل منه ، بفتح مثل وغير مع جواز رفعهما فقد جاز بناء غير ومثل على الفتح تشبيها بالظروف المضافة وجاز إعرابهما لأنّهما يستحقّان الإعراب.

ذكر اسم الجنس (٤)

وهو ما علّق على شيء وعلى كلّ ما أشبهه (٥) فإنّك تجد مثل ثوب ودار وما أشبههما موضوعا لواحد ولما ماثله بخلاف زيد وعمرو ، فإنّه لواحد بعينه ولا يدخل فيه مماثلة ولا مخالفة ، وينقسم اسم الجنس إلى اسم عين : إمّا غير صفة كرجل وفرس وثوب ، وإمّا صفة كراكب وجالس ، وإلى اسم معنى : إمّا غير صفة كعلم وجهل ، وإمّا صفة كمفهوم ومضمر نحو : أتيت بكلام مفهوم ، وفي النّفس سرّ مضمر (٦).

__________________

(١) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي مثل بالرفع ونصبه الباقون. السبعة ٦٠٩ والكشف ٢ / ٨٧ ، والإتحاف ٣٩٩.

(٢) البيت اختلف حول قائله فقد رواه سيبويه في الكتاب ، ٢ / ٣٢٩ لرجل من كنانة وروي منسوبا لأبي قيس بن رفاعة في شرح المفصل ، ٣ / ٨٠ وشرح شواهد المغني ، ١ / ٤٥٨ وخزانة الأدب ، ٣ / ٤٠٦. وروي البيت من غير نسبة في الكشف لمكي ، ٢ / ٢٨٧ ، وأمالي ابن الشجري ، ١ / ٤٦ ـ ٢ / ٢٦٤ والإنصاف ، ١ / ٢٨٧ والبيان ، ٢ / ٢٢٨ ، ولسان العرب ، وقل ، مغني اللبيب ، ١ / ١٥٩ ٢ / ٥١٧ وشرح التصريح ، ١ / ١٥ وهمع الهوامع ، ١ / ٢١٩.

منها : أي الوجناء وهي الناقة في بيت قبله ، الأوقال : الأعالي وهو أيضا ثمار الدوم يريد لم يمنعها أن تشرب إلّا أنّها سمعت صوت حمامة فنفرت ، يعني أنّها حديدة النّفس يخامرها فزع وذعر لحدة نفسها وذلك محمود فيها.

(٣) شرح الوافية ، ٣٠٥ ـ ٣٠٦.

(٤) المفصل ، ٦.

(٥) في إيضاح المفصل ، ١ / ٦٨ هذا الحد مدخول فإن المعارف كلها غير العلم تدخل ، إذ تصلح للشيء ولكل ما أشبهه ، والصحيح أن يقال : هو ما علق على شيء لا بعينه.

(٦) شرح المفصل ، ١ / ٢٦.

٢٩٢

ذكر المعرفة (١)

وهي ما وضع لشيء بعينه ، قوله : بعينه ، فصل ، خرجت به النّكرة فإنّها موضوعة لشيء لا بعينه ، والمعرفة مصدر ، من عرفت الشيء عرفانا ، ووصف بها الاسم كما قالوا : رجل عدل.

والمعارف خمسة أنواع : الأول : المضمرات وقد تقدّم ذكرها.

الثاني : المبهمات وهي شيئان : أسماء الإشارة ، والموصولات ، وقد تقدّما أيضا (٢).

الثالث : المعرّف ، وهو شيئان معرّف بالنّداء نحو : يا رجل ، ومعرّف باللام نحو : الرجل ، والمعرّف باللّام تكون اللّام فيه لتعريف الماهيّة نحو : الإنسان حيوان ناطق ، وتكون لتعريف الجنس نحو : الرجل خير من المرأة أي جنس الرجل خير من جنس المرأة ، وتكون لتعريف استغراق الجنس وهي أن تدخل على جمع كقوله تعالى : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ)(٣) وقيل : هي التي تصحّ أن تقع موقع كل (٤) كقولك : الإنسان قابل لصناعة الكتابة ، وتكون للعهد وهي لمعنيين ، أحدهما : أن يكون لمعهود في الخارج ، وهو أن يذكر منكورا ثم يعاد المنكور معرّفا كقوله تعالى : (كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)(٥) / والثاني : أن يكون لمعهود في الذهن كقولك : ادخل السوق ، وليس بينك وبين المخاطب سوق وجوديّ معهود ، وتكون بمعنى الذي نحو : الضارب والمضروب وقد مرّ (٦) وأمّا ألفاظ التوكيد ، فقد قيل : تعريفها بالإضافة المنويّة إذ تقدير أجمعون ، أجمعهم (٧) وأمّا عند

__________________

(١) الكافية ، ٤٠٨.

(٢) في ٢٦١ ـ ٢٦٣.

(٣) من الآية ٣٤ من سورة النساء.

(٤) المغني ، ١ / ٥٠.

(٥) من الآيتين ١٥ ـ ١٦ من سورة المزمل.

(٦) في ٢٦٦.

(٧) هذا مذهب سيبويه ٣ / ٢٠٣ والهمع ٢ / ١٢٤.

٢٩٣

المحققين فتعريفها من قبيل تعريف علم الجنس كتعريف فعلان وأفعل ، وأسامة (١) فإنّ ألفاظ التواكيد موضوعة لماهيّة التواكيد ، وأمّا القول بالإضافة المنويّة فيلزم منه صرفها ولذلك عدل عنه (٢).

الرابع : العلم (٣) وهو ما وضع لشيء بعينه غير متناول غيره بوضع واحد. ويكون اسما : كزيد ، وكنية : كأبي عمر وأم كلثوم ، ولقبا ، كبطة.

وينقسم (٤) إلى مفرد : كزيد ، وإلى مركّب ، وهو إمّا جملة كتأبّط شرا ، وإمّا مزجيّ : كبعلبكّ وإمّا مضاف ومضاف إليه : كعبد مناف ، وكالكنى (٥) ، وينقسم العلم أيضا ، إلى منقول وإلى مرتجل ، فالمنقول (٦) هو ما نقل عن نكرة ، وصار علما بالنّقل لا بالوضع ، وهو إمّا منقول عن اسم عين : كثور أو عن معنى : كفضل ، أو عن صفة : كمالك أو عن فعل (٧) وهو إما ماض كشمّر قال الشاعر : (٨)

 ...

وهل أنا لاق حيّ قيس بن شمّرا

أو إمّا مضارع كيزيد ، وإما أمر كأطرقا (٩) قال الشّاعر : (١٠)

على أطرقا باليات الخيام

إلّا الثّمام وإلّا العصيّ

__________________

(١) في الهمع ، ٢ / ١٢٤ وهذا قول صاحب البديع وغيره واختاره ابن الحاجب وصححه أبو حيان.

(٢) شرح المفصل ٣ / ٤٥ وهمع الهوامع ، ٢ / ١٢٤.

(٣) في المفصل ، ٦ : وهو ما علق ... إلخ وفي الكافية ، ٤٠٨ العلم ما وضع ... إلخ.

(٤) المفصل ٦ ـ ٧.

(٥) إيضاح المفصل ١ / ٦٨ ـ ٦٩.

(٦) المفصل ، ٧ ـ ٨.

(٧) شرح المفصل ، ١ / ٢٩ وإيضاح المفصل ، ١ / ٦٩.

(٨) هذا عجز بيت لامرىء القيس ورد في ديوانه ٣٨٣ وصدره :

فهل أنا ماش بين شوط وحيّة

وورد من غير نسبة في إيضاح المفصل ، ١ / ٧٤.

(٩) أطرقا موضع بالحجاز. معجم ما استعجم ، للبكري ، ١ / ١٦٧ ، وقيل هو من نواحي مكة معجم البلدان ١ / ٢١٨.

(١٠) البيت لأبي ذؤيب الهذليّ ورد في ديوان الهذليين ، ١ / ٦٥ وروي منسوبا له في المفصل ، ٨ والحلل ، ٣٦٥ وشرح المفصل ، ١ / ٢٩ ـ ٣١ وشرح الشواهد ، ١ / ٢٣١ ورواه الأشموني ، ١ / ١٣٢ من غير نسبة.

الثّمام نبت يحشى به فرج البيوت وأراد به ما يستر جوانب الخيمة والعصي جمع عصا.

٢٩٤

والمرتجل (١) ما وضع للشيء أولا من غير نقل ولا اشتقاق ، بل اخترع عند التسميّة ، وهو إمّا قياسيّ ، وهو ما كان جاريا على قياس كلامهم نحو : غطفان وعمران فإنّ نظيرهما في كلامهم نزوان وسرحان ، وإمّا غير قياسيّ وهو ما كان مخالفا للأصول ، نحو : محبب وموهب وحيوة (٢) أمّا محبب فقياسه الإدغام لأنّ كلّ مفعل عينه ولامه من جنس واحد يجب إدغامه ، فكان يجب أن يقال : محبّ ، وأمّا موهب فكان ينبغي أن يقال : بكسر الهاء لأنّه ليس في كلامهم مفعل بفتح العين ، فاؤه واو ، وأمّا حيوة فكان ينبغي أن يقال حيّة ، لأنّ الواو والياء إذا اجتمعا وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء (٣) والمرتجل مشتق من الرّجل كأنّه قال ذلك وهو قائم على رجله.

والخامس : المضاف إضافة معنويّة إلى المضمر ، أو إلى المبهم أو إلى المعرّف باللام أو إلى العلم وقد تقدّم أيضا (٤).

ومن أقسام العلم ، أعلام الأجناس وهي أنواع : علم جنس الوحوش ، وعلم المعاني ، وعلم الأوقات ، وعلم الأعداد ، وعلم الكنى ، وعلم الأوزان.

أمّا علم جنس الوحوش (٥) : فالعلم فيه لحقيقة الجنس ، فإنّ الوحوش التي جنسها واحد ، لمّا كانت صورها غير متميّزة بحيث يستحضرها الرائي ، نزّل الجنس بمنزلة الواحد من الأناسي فكأنّ الواضع أخذ الجنس دفعة وسمّاه نحو : أسامة وأبي الحرث ، فإنّ كلّا منهما علم لجنس الأسد ، وثعالة وأبي الحصين علم لجنس الثّعلب ، وقد يكون كنيته اسمه نحو : أبي براقش ، لطائر يتلوّن وابن دأية للغراب ، وإنّما حكم لها بالعلمية لانتصاب الحال عنها ، وامتناع دخول لام التعريف عليها وامتناع إضافتها (٦) وقد يفرّق بين علم / الجنس ، وعلم الشخص بأنّ علم الجنس

__________________

(١) المفصل ، ٩.

(٢) شرح المفصل ، ١ / ٣٢.

(٣) شرح المفصل ، ١ / ٣٣.

(٤) في ٢١٤.

(٥) المفصل ، ٩.

(٦) شرح المفصل ، ١ / ٣٤ وشرح التصريح ، ١ / ١٢٤.

٢٩٥

يقال على الواحد والكثير بلفظ واحد ، فتقول عن أسد واحد وعن جماعة أسود ، هذا أسامة مقبلا ، وعلم الشخص ليس كذلك ، فإنّك تقول عن الواحد : زيد ، وعن الجماعة زيدون ، والفرق بين علم الجنس واسم الجنس ، أنّ اسم الجنس يقبل اللّام ، فتقول : أسد وعسل وماء ، والأسد والعسل والماء ، وعلم الجنس لا يقبل اللّام فلا يقال الأسامة (١) وكذلك ما أشبهه من أعلام المعاني وغيرها.

وأمّا علم المعاني : فإنّهم كما وضعوا للأعيان أعلاما وضعوا للمعاني أيضا أعلاما (٢) وهي في المعنى بمنزلتها في باب أسامة ، فسمّوا التسبيح سبحان (٣) ، والذي يدلّ على أنه علم أنّه ورد في كلامهم غير منصرف ، ومنه قول الشّاعر : (٤)

 ...

سبحان من علقمة الفاخر

وليس فيه غير الألف والنون ، وهما في غير الصفات لا يمنعان الصرف إلّا مع العلميّة ، فوجب القول بها ، ولا يستعمل سبحان علما إلّا قليلا فإن أكثر استعماله مضافا (٥) ، وإذا كان مضافا فلا يكون علما ، لأنّ الأعلام لا تضاف وهي أعلام ، لأنّ المعرفة لا تضاف ، وسمّوا الفجور بفجار ، والذي يدلّ على أن فجار علم ، أنّ مدلوله الفجرة ، والفجرة معرفة فوجب أن يكون فجار معرفة ، وتعريفه إنّما هو بالقصد ، والقصد هو الذي نعني (٦) به العلميّة (٧).

__________________

(١) حاشية الصبان ، ١ / ١٣٤.

(٢) الخصائص ، ٢ / ١٩٧ وشرح المفصل ، ١ / ٢٧.

(٣) المفصل ، ١٠.

(٤) هذا عجز بيت للأعشى وصدره :

أقول لمّا جاءني فخره

ورد في ديوانه ، ١٩٣ وروى منسوبا له في الكتاب ، ١ / ٣٢٤ وأمالي ابن الشجري ، ١ / ٣٤٧ ـ ٢ / ٢٥٠ وشرح المفصل ، ١ / ٣٧ ـ ١٢٠ وخزانة الأدب ، ٣ / ٣٩٧ وروي من غير نسبة في المقتضب ، ٣ / ٢١٨ ومجالس ثعلب القسم الأول ، ٢١٦ والخصائص ، ٢ / ١٩٧ ـ ٣ / ٣٢ وهمع الهوامع ، ١ / ١٩٠.

(٥) إيضاح المفصل ، ١ / ٨٨ ـ ٨٩ والنقل منه مع اختلاف يسير وكذا ما يأتي

(٦) في الأصل يعني.

(٧) شرح المفصل ١ / ٣٧ وإيضاح المفصل ، ١ / ٩٠.

٢٩٦

وأمّا علم الأوقات (١) : فإنّهم وضعوا لها أعلاما كما وضعوا للمعاني (٢) فمنها : غدوة وهي علم على ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس ، والدليل على علميّتها ، ورودها في كلامهم غير منصرفة ، وليس فيها غير التأنيث بالتاء ، وهو لا يمنع إلّا مع العلميّة وذلك إذا أردت غدوة يومك المعيّن ، وتستعمل معرفة ونكرة ، وإذا نكّرت وعرّفت ، عرّفت باللّام كغيرها ، ويتصرّف فيها بمعنى أنها تستعمل ظرفا وغير ظرف (٣).

ومن أعلام الأوقات سحر : وهو علم لقبيل الصبح إذا أردت به سحر ليلتك والذي يدلّ على أنه علم وروده غير منصرف كقولك ؛ خرجت يوم الجمعة سحر ، غير منصرف وليس فيه ما يمنعه الصّرف ، غير أن تقدّر فيه العلميّة مع العدل عن الألف واللّام (٤) وورد معرفة ونكرة ، وإذا نكّر صرف كقوله تعالى : (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا)(٥) وحينئذ لا يكون لسحر ليلتك على التعيين لتنكّره.

ومنها بكرة : ووردت غير منصرفة للتأنيث والعلميّة ، كما قيل في غدوة إلّا أن بكرة لا تكون إلا ظرفا فلا يتصرّف فيها كما تصرّف في غدوة (٦).

وأمّا علم الأعداد : (٧) فالقول بعلميّتها ضعيف ، لأنهم صاروا إليه لئلّا يبتدئوا بنكرة غير مخصصّة ، وذلك في نحو قولك : ستة ضعف ثلاثة وأربعة نصف ثمانية ، فستة ونحوها في مثل ذلك مبتدأ ، فلو لم تجعل علما للزم منع الصّرف بعلة واحدة ، ولزم الابتداء بالنكرة من غير تخصيص ، وأيضا فالمراد بها كلّ ستة ، فلو لا أنّها علم للزم استعمال مفرد النكرة في الإثبات للعموم ، ووجه ضعفه أنه يؤدي إلى أن تكون أسماء الأجناس كلها أعلاما ، إذ ما من نكرة إلّا ويصلح استعمالها كذلك مثل رجل

__________________

(١) المفصل ، ١١.

(٢) الخصائص ، ٢ / ١٩٨.

(٣) شرح المفصل ، ١ / ٣٩ وإيضاح المفصل ، ١ / ٩٣.

(٤) بعدها في إيضاح المفصل ، ١ / ٩٣ : ولو قيل إنه مبني لتضمنه معنى الألف واللام لم يبعد عن الصواب.

(٥) من الآيتين ٣٤ ـ ٣٥ من سورة القمر.

(٦) الخصائص ، ٢ / ١٩٨ وشرح المفصل ، ١ / ٣٩.

(٧) المفصل ، ١١.

٢٩٧

خير من امرأة ، وهو باطل (١) والأولى أن يقال في أعلام ، الأعداد / إنّها نكرات لا أعلام وإنّما جاز الابتداء بها على تقدير حذف المضاف ، ويكون المضاف المقدّر «كلّ» وشبهه ، بحيث يكون التقدير ، كلّ ستّة ضعف ثلاثة ، كما في كلّ نكرة قامت قرينة على أن حكمها غير مختص في جنسها مثل : تمرة خير من جرادة لكونه بمعنى كلّ تمرة ، بناء على أنّ الخيريّة ليست مخصوصة بتمرة واحدة (٢) والمحققون من المتأخرين قالوا : الحقّ أن يقال إنّ أعلام الأعداد أعلام لماهيّاتها (٣) لأنّها من أعلام الجنس التي هي أعلام لماهيّاتها المخصوصة الغير المتناولة لغيرها ، والماهيّة لا تقدّر بالكلّ ولا توصف به ، لأنّه شيء واحد ، وحينئذ لا يلزم الابتداء بنكرة ، ولا منع الصّرف بعلّة واحدة ، ولا عموم النكرة في الإثبات ، لكونها أعلاما للماهيّات على ما ذكر آنفا فالقول بعلميتها حينئذ هو الأولى.

وأمّا علم الكنى (٤) : فمنه ما يكنى به عن أعلام الأناسي ، نحو : فلان وفلانة وأبو فلان وأمّ فلان ، والدليل على علميته امتناع إضافته ، وامتناع دخول لام التعريف عليه ، إلّا أنّ وضعه ليس كوضع العلم الشخصي في الدلالة على مسمّى معيّن بل كوضع العلم الجنسي ، لإطلاقه كناية على كلّ علم ، ومدلوله الاسم لا نفس المسمّى ، ومنه ما يكنى به عن البهائم ، لكن يلزمه اللّام لنقصانه عن علم الأناسي نحو : الفلان والفلانة (٥) وأمّا هن وهنة فليسا كنايتين عن الأعلام على الأصحّ وإنّما يكنى بهما عن أسماء الأجناس (٦).

وأمّا علم الأوزان (٧) : أي علم الأمثلة التي توزن بها الكلم ، فهي إنّما وقعت

__________________

(١) إيضاح المفصل ، ١ / ٩٤.

(٢) المرجع السابق ، ١ / ٩٤.

(٣) تسهيل الفوائد ٣٢ وهمع الهوامع ١ / ٧٤.

(٤) المفصل ، ١٥.

(٥) إيضاح المفصل ، ١ / ١٠٧ وانظر التسهيل ، ٣٢.

(٦) هن للمذكر وهنة للمؤنث ، وذهب أبو عمرو إلى أنهما كنايتان عن علم ما لا يعقل ، وقال بعضهم : عن علم ما يعقل. شرح المفصل ١ / ٤٨ وشرح الكافية ، ٢ / ١٣٧ وهمع الهوامع ، ١ / ٧٤.

(٧) المفصل ، ١١.

٢٩٨

في اصطلاح النحويين ، فإنّهم وضعوها (١) أعلاما لماهيّات الأوزان المعهودة ، وهذه الأعلام تنقسم إلى أمثلة تختصّ بوزن الأفعال نحو قولهم : فعل ماض ، ويفعل مستقبل ، وإلى أمثلة لا تختصّ بالأفعال سواء كانت للأسماء وحدها ، أولها وللأفعال نحو قولهم : فعلان الذي مؤنّثة فعلى وأفعل ، صفة لا ينصرف ، أمّا الأمثلة المختصّة بوزن الأفعال ، فحكمها حكم موزونها ، بحيث إن كان الموزون معربا كان المثال معربا ، وإن كان الموزون مبنيا كان المثال مبنيّا (٢) وأمّا الأمثلة الغير المختصّة بالأفعال ففيها مذهبان :

الأول : وهو اختيار الأكثر أن يجعل حكم المثال حكم نفسه لا حكم موزونه ، بحيث إن كان في المثال ما يمنع من الصّرف منع وإلّا فلا.

والثاني : أن يجعل حكمه حكم موزونه (٣) كما قيل في الأمثلة المختصّة بالأفعال ، فعلى الأول وهو أن يجعل حكم المثال حكم نفسه ، تقول : وزن قائمة فاعلة فلا يصرف المثال الذي هو فاعلة ، للعلميّة والتأنيث ، وعلى الثاني ، وهو أن يجعل حكم المثال حكم موزونه تقول : وزن قائمة فاعلة مصروفا ، لأنّ موزونه أعني قائمة مصروف (٤).

ومن أقسام العلم : الأعلام التي تدخلها لام التعريف (٥) وهي على ضربين :

أحدهما : ما يلزمه اللّام (٦) وهو كلّ اسم ليس بصفة ولا مصدر سمّي باللام نحو : النجم للثّريّا والدّبران (٧) ، أو غلبت عليه اللّام نحو الصّعق لخويلد بن نفيل (٨) / وإنّما اشترط أن لا يكون صفة ولا مصدرا لأن العلم إذا كان صفة أو مصدرا لم يكن

__________________

(١) بعدها في إيضاح المفصل ، ١ / ٩٤ وضعوها لموزوناتها أعلاما على طريق الإيجاز والاختصار ، وهي في الأعلام لموزوناتها بمنزلة باب أسامة» وانظر الخصائص ، ٢ / ١٩٩ ـ ٢٠٠.

(٢) التسهيل ، ٣٢.

(٣) المقتضب ، ٣ / ٣٨٣ وشرح المفصل ، ١ / ٣٩ ـ ٤٠ وهمع الهوامع ، ١ / ٧٣ ـ ٧٤.

(٤) إيضاح المفصل ، ١ / ٩٥.

(٥) المفصل ، ١١ ـ ١٢.

(٦) الكتاب ، ٢ / ١٠١.

(٧) منزل للقمر القاموس المحيط ، دبر.

(٨) هو أحد فرسان العرب سمّي بذلك لأنّه أصابته صاعقة ، وقيل : سمّي بذلك لأنّ بني تميم ضربوه على رأسه فأموه فكان إذا سمع الصوت الشديد صعق فذهب عقله. انظر لسان العرب ، صعق.

٢٩٩

من هذا القسم ، لأن اللام تكون فيه جائزة لا لازمة كما سيذكر هو.

ثانيها : ما لا تكون فيه اللام لازمة ، وهو كل اسم كان صفة في الأصل أو مصدرا نحو : الحارث والفضل (١).

ومن أقسام العلم : الأعلام التي يجوز إضافتها ، وإدخال لام التعريف عليها (٢) لا من قبيل أنّها صفة أو مصدر بل من قبيل وقوع العلم مشتركا بين جماعة من الأمة المسمّاة به نحو : مضر الحمراء وربيعه الفرس (٣) ، وقول الشّاعر : (٤)

باعد أمّ العمرو من أسيرها

حرّاس أبواب على قصورها

ومن أقسام العلم ، العلم بالغلبة (٥) وهو ما كان عن غير قصد من واضع ، ويلزمه أحد أمرين : إما الإضافة نحو : ابن عباس وابن عمر ، فإنّ ذلك غلب عليهما واختصّا به دون إخوتهما ، وإمّا اللّام كالصّعق حسبما تقدّم.

والمعارف تترتّب في المعرفة ، فأعرف المعارف المضمر المتكلّم ثمّ المخاطب ثمّ الغائب ثمّ الأعلام ثمّ المبهمات ثمّ الداخل عليه حرف التعريف والمنادى ، والمضاف إلى أحدها إضافة معنوية ، وقيل في ترتيبها غير ذلك وما ذكرنا ، هو الأكثر (٦).

ذكر النّكرة (٧)

وهي ما وضع لشيء لا بعينه ، وعلامات النكرة كثيرة ، منها : أن يقبل الاسم لام التعريف أو يصحّ إضافته أو يقبل ربّ أو يدخل عليه كم الخبرية أو يكون حالا ،

__________________

(١) إيضاح المفصل ، ١ / ٩٩.

(٢) المفصل ، ١٢.

(٣) وأنمار الشاة ، هؤلاء بنو نزار وكان أبوهم مات وخلف لهم تراثا ناطقا وصامتا فأتوا أفعى نجران حكيم الزمان ، فجعل القبة لحمراء ، والذهب لمضر ، والأفراس لربيعة والشاة لأنمار ، وأضيف كل واحد إلى ما حكم له به تعريفا له بذلك. شرح المفصل ، ١ / ٤٤.

(٤) الرجز لأبي النجم ، الفضل بن قدامة. ورد منسوبا له في المفصل ، ١٣ وشرح المفصل ، ١ / ٤٤ ومن غير نسبة في المقتضب ٤ / ٤٩ والمنصف ، ٣ / ١٣٤ والإنصاف ، ١ / ٣١٧ وشرح المفصل ، ٢ / ١٣٢ ورصف المباني ٧٧ ولسان العرب وبر ، والمغني ، ١ / ٥٢.

(٥) المفصل ، ١١.

(٦) الإنصاف ، ٢ / ٧٠٧ وشرح المفصل ، ٣ / ١٥٦ ـ ٥ / ٨٧ وشرح التصريح ، ١ / ٩٥.

(٧) الكافية ، ٤٠٨.

٣٠٠