كتاب الكنّاش في فنّي النّحو والصّرف - ج ١

عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيّوبي [ صاحب الحماة ]

كتاب الكنّاش في فنّي النّحو والصّرف - ج ١

المؤلف:

عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيّوبي [ صاحب الحماة ]


المحقق: الدكتور رياض بن حسن الخوّام
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
ISBN: 9953-34-369-1
ISBN الدورة:
9953-34-369-1

الصفحات: ٤١٥
الجزء ١ الجزء ٢

السابع : في فنون مختلفة» (١).

الثانية : جمع المادة العلمية ، بعد اختيارها ، ثم تبويبها وتنظيمها ، وهذا يعني من جانب آخر أن كتب الكناش تشارك غيرها من أنواع التأليف العلمي ، لأن كل من يريد أن يؤلف كتابا لا بد له من أن يعتمد على كتب سالفيه فينقل آراءهم ويجمع أقوالهم ، وقد ذكرنا من قبل مصادر أبي الفداء ومراجعه تلك التي أقام كناشه عليها فنقل منها ما يوافق منهجه ، واختار منها ما يتصل بموضوعاته ، وقد أشار إلى فكرة الاختيار والاصطفاء بقوله : «قد أكثر النحاة في ذكر اللامات حتى صنف بعضهم فيها كتابا ، وقد أثبتنا منها ما اخترنا إثباته» (٢) ثم لا شك أن قوله في القسم الرابع المشترك : «وهو ما التقطناه من المفصل» (٣) ، يفيد أن هذا الالتقاط قد تمّ بدقة وروية لأنه للضبط والاستذكار ، ولقد نظم أبو الفداء المادة العلمية المختارة تنظيما رائعا ، وفق منهج دقيق ، وخطة محكمة ، وتبويب رائع ، لا يستبعد ممن يضع الدوائر والجداول الهندسية لمسائل نحوية.

فرأيناه يعنون موضوعاته ويربط بين فصوله وأقسامه فيكثر من الإحالات على مواضع في الكناش حتى لا نقع في التكرار ، فإن عدل عن منهجه المتلئب الواضح ، بيّن سبب ذلك معتذرا ، من ذلك حديثه عند ذكره إبدال الياء من النون إذ قال : «وأبدلت الياء من النون في التضعيف أيضا وذكرناه هنا وإن كان التضعيف. يذكر في القسم الثاني ليجتمع الكلام في النون» (٤).

ومثل ذلك اعتذاره عن عقد ذكر للامات إذ قال : «وهي وإن كان تقدم ذكرها في

__________________

(١) الكناش ، ١ / ١١٣. ومن المفيد أن نشير إلى أن تعدد الفنون ليس سمة عامة تتسم بها كتب الكناش ، فقد يكون الكناش مقصورا على الطب فقط أو على الأدب أو على فن من الفنون المتعددة ، وحديثنا هنا عن كناش أبي الفداء وسماته تلك التي ألفيناها في كناشه. انظر على سبيل المثال كناش المحاسني «إسماعيل» المحاسني المتوفى ١١٠٢ ه‍ ، في دار الكتب المصرية تحت رقم ٦٧٧ أدب تيمور. وكناشة في الطب لم يعلم مؤلفها ، تحت رقم ٥٧٧ طب ـ طلعت.

(٢) الكناش ، ٢ / ١٣٨.

(٣) الكناش ، ٢ / ١٥١.

(٤) الكناش ، ٢ / ٢٣٢ ـ ٢٣٣ وانظر ١ / ٢٦٩.

٦١

حروف الجر لكن إعادتها هنا لا تخلو من زيادة فائدة» (١) وكرّر هذا الاعتذار صراحة مع الواو حين قال : «والاعتذار في إعادة ذكرها كما تقدم في اللام» (٢).

ووجدناه أحيانا ينقد النحويين في تبويباتهم فيقول مثلا عن باب الإخبار بالذي : «والذي في هذه الصور مبتدأ واجب التقديم ، والإسم المخبر عنه بالذي خبر واجب التأخير ، ومع ذلك لم يذكرا في مواضع وجوب تقديم المبتدأ ووجوب تأخير الخبر» (٣).

وألفيناه أيضا يخالف أحيانا الترتيب الداخلي لبعض المسائل في المفصل والكافية والشافية ، فيشير إلى ذلك ، قال تحت عنوان : «ذكر الأسماء المتصلة بالأفعال» ، وهي ثمانية المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة ، وأفعل التفضيل وهذه الخمسة هي المذكورة في كتب النحو لكونها تعمل ، وأما الثلاثة الباقية من اسم الزمان واسم المكان واسم الآلة وهذه الثلاثة من قسم التصريف لكونها لا تعمل وقد أثبتناها وغيرها من أبواب التصريف ، في كتابنا هذا لكونه من كتب الكناش فأجري مجرى الكناش» (٤) فقوله : فأجري مجرى الكناش ، يفيد أنه خالف المألوف ، وكأن الأصل ـ فيما يبدو ـ أن يسير شارح المتن وفق تنظيم وترتيب المتن الذي تصدّى لشرحه ، وحين يعلن المؤلف أن كتابه هو «كناش» فهذا فيما أحسب يعفيه من الالتزام بترتيب المتن الذي يشرحه ، فنقله اسم الزمان والمكان والآلة إلى المشتقات العاملة فيه مخالفة يسيرة لترتيب بعض الموضوعات في المتون الثلاثة التي أدار كناشه عليها ، فصاحب المفصل ذكر هذه الموضوعات بعد المصغّر والمنسوب في حين أن أبا الفداء قدّمها عليها ، وصاحب الكافية لم يذكر هذه الموضوعات فيها لأنها موضوعات صرفية ، فجاء ذكرها في الشافية متقدمة أيضا على المضمر والمنسوب ، وكل ذلك يعني أن أبا الفداء حين جعل كتابه «كناشا» قد وسّع على نفسه وتحرّر هنا من سلطان الترتيب المتبع في المتون الثلاثة ، ولعل هذا يفيد من جهة ثانية ،

__________________

(١) الكناش ، ٢ / ١٣٨.

(٢) الكناش ، ٢ / ١٤٤.

(٣) الكناش ، ٢ / ٢٦٧.

(٤) الكناش ، ١ / ٣١٩.

٦٢

أن كتب «الكناش» لا يلتزم فيها التقييد بترتيب ما ، وإدراك أبي الفداء لذلك لم يدفعه إلى الفوضى والإضطراب بل رأيناه ملتزما كما ذكرنا بمنهج دقيق وترتيب محكم ثم إن إشارته هنا إلى ما حصل في الترتيب تدل على مدى حرصه على ترتيب كناشه ، والتزامه بمنهجه الصارم الذي وضعه حين عزم على تأليف كناشه هذا.

ومؤدّى ذلك كله أن قول الأستاذ محمد علي النجار إن «الكناش» ليس فيه مسكة التصنيف» فيه بعد إذا أريد سحبه على كناش أبي الفداء ، وذلك لأن هذا الكناش كما ذكرنا ـ قد أقيم على أسس متينة ، وأركان ثابتة فعراه وثقى ، وأقسامه متصلة ، وفصوله محكمة ، كغيره من المؤلفات العلمية الأخرى ، خدم فيه أبو الفداء المفصل والكافية والشافية ، فجاء شرحا لأجزاء مختارة من ثلاثة متون معتبرة عند المشتغلين بعلوم العربية ، وهذا يعني أيضا أن قول الفيروزآبادي والزبيدي إن الكناشات أصول ... إلخ (١) لا ينطبق على كناش أبي الفداء لأنه ليس «متنا» كما يفهم من كلامهما ، كما لا ينطبق عليه أن هذا الجمع هو «للشوارد والفوائد» فقط ، لأنه حوى جميع المباحث النحوية والصرفية والإملائية فغدا شرحا لا تنقصه صفة من صفات الكتب العلمية الأخرى. والغاية منه هو الاستذكار والمراجعة والضبط ويستغنى به عن مراجعة كثير من الكتب المطوّلة.

والظاهر أن هذه الغاية هي غاية عامة عند أبي الفداء هدف إليها في كثير من مؤلفاته ، فقد أشار الدكتور حسن الساعاتي وهو بصدد حديثه عن غاية أبي الفداء من كتابيه المختصر وتقويم البلدان إلى ذلك فقال : «إنه إنما يكتب مختصرات تكون بمثابة مذكرات يكون فيها الغناء عن مطالعة الكتب الكبيرة في كل موضوع من الموضوعات التي عالجها» (٢) واستدلّ على ذلك بما أورده أبو الفداء في مقدمتي الكتابين المذكورين فقد قال في مقدمة كتابه المختصر : «سنح لي أن أورد في كتابي هذا شيئا من التواريخ القديمة والإسلامية يكون تذكرة لي يغنيني عن مراجعة الكتب

__________________

(١) لعل إطلاق الكناشات على الأصول يمثل مرحلة من مراحل اتساع دلالة الكناش ، ولعل الأصل فيه أن يطلق على الدفتر الذي تقيد فيه الشوارد والفوائد ثم صار يطلق على الأصول. ثم رأينا دلالته عند أبي الفداء متسعة على نحو ما نشرحه.

(٢) منهج أبي الفداء في البحث ٦٩.

٦٣

المطولة فاخترته واختصرته من الكامل ... (١) وذكر في مقدمة تقويم البلدان ما نصه : «لما وقفنا على ذلك وتأملناه جمعنا في هذا المختصر ما تفرق في الكتب المذكورة من غير أن ندّعي الإحاطة» (٢). وتلاقي الكتب الثلاثة في الغاية من تآليفها لا يعني الاتفاق في طريقة عرض المادة العلمية فيها ، كما ذهب إلى ذلك الدكتور الساعاتي فقد ذكر : «أن أغراض أبي الفداء من تأليف ما كتب كانت معلومة سواء في ميدان الجغرافية ، أو ميدان التاريخ أو الميادين الأخرى التي طرقها» (٣) ثم راح يعرض هدف أبي الفداء من كتبه التي وقف عليها فقال : «فقد كان هدفه في ميدان الجغرافية وضع تقويم للبلدان في أقاليم شتى يمتاز بدقته ووضوحه من ناحية ، وخلوه من النقائص التي شابت ما ألفه الجغرافيون قبله في الموضوع نفسه من ناحية أخرى ، وكان هدفه في ميدان التاريخ جمع مادة تاريخية وفيرة ذات دلالة وعرضها في إيجاز ووضوح» (٤) ثم عرّج إلى الكناش فقال : «وكان غرضه من الكناش عرض مذكرات يجمل فيها أهم ما كان معروفا عن الموضوعات المختلفة التي تناولها دون الدخول في التفاصيل» (٥). وأنهى حديثه بالقول «وكان هدفه من وضع نظم الحاوي ونظم الموازين تقديم المادة الأساسية في كل من الموضوعين ، في صورة ميسّرة لطلاب العلم تسهل عليهم الحفظ من ناحية ، وسرعة تذكرها من ناحية أخرى» (٦).

وإذا سلمنا للدكتور الساعاتي بما ذكره حول منهج أبي الفداء في غير كتاب الكناش فإنا لا نسلم له بأن غرض أبي الفداء من كناشه هو عرض مذكرات موجزة مختصرة سواء أراد د. الساعاتي الكناش المتعدد العلوم الذي لم يتم بعد ـ وذلك لأننا لم نقف عليه فنحكم فيه ـ أم أراد الكتاب الأول من الكناش الذي نحن بصدده .. لأن كناش أبي الفداء هنا هو شرح لأجزاء مختارة من ثلاثة متون كما ذكرنا من قبل

__________________

(١) المختصر ، ٢ ومنهج أبي الفداء في البحث ، ٦٩.

(٢) تقويم البلدان ، ٣ ، ومنهج أبي الفداء ، ٦٩.

(٣) منهج أبي الفداء ، ٦١.

(٤) منهج أبي الفداء ، ٦١.

(٥) منهج أبي الفداء ، ٦١.

(٦) منهج أبي الفداء ، ٦١.

٦٤

وبضم هذه الأجزاء إلى بعضها استوفى أبو الفداء كل الأبواب النحوية والصرفية والإملائية ، وهو في شرحه يفصّل إذا لزم الأمر التفصيل ، ويوجز حين لا فائدة من التطويل ، وقد عرض كثيرا للخلافات النحوية وأدلى برأيه فيها لذا لا يمكننا القول إن هذه المذكرات موجزة وأنه لا يدخل في التفاصيل كما ذكر د. الساعاتي (١).

ومجمل القول بعد ذلك كله أن تصور أبي الفداء للكناش هو كونه كتاب معارف متنوعة يشبه الموسوعات العلمية في عصرنا ، يكتبه المرء لنفسه ، فيختار له المادة العلمية من كتب كثيرة ، ثم يصنفها ويرتبها ترتيبا جيدا ، والغاية منه هي المراجعة والضبط ، والاستذكار.

ويبدو لي ـ أخيرا ـ أن أبا الفداء كان عازما على ضم بعض مؤلفاته إلى بعض ليتكوّن منها «الكناش» يدفعنا إلى هذا الزعم ما يأتي.

١ ـ أن موضوعات الكتب التي ذكرها في خطبة الكناش قد ألّف أبو الفداء فيها ، ومن المقارنة السريعة بين مؤلفاته ، وخطبة الكناش يتضح ذلك الأمر.

٢ ـ أن صاحب كشف الظنون قد صرّح بأن «شرح منظومة الكافية» قد علقه أبو الفداء من شرح ابن الحاجب ومن شروح الكافية وقد ألفيت أن أكثر اعتماد أبي الفداء في المباحث النحوية من كناشه كان على شرح ابن الحاجب (الوافية) ، فلا يستبعد أن يكون هذا الشرح نواة الكناش ثم أتبعه بالمسائل الصرفية.

٣ ـ أن محققي كتاب تقويم البلدان رينو والبارون ديسلان قد ذكرا في تصديرهما للكتاب أن أبا الفداء ألف مجموعة من عدة أجزاء في الطب بعنوان الكناش (٢) أقول : لعل منها تلك القطعة التي ذكرها د. رمضان ششن الموجودة في

__________________

(١) حصر د. الساعاتي منهج البحث عند أبي الفداء بأربعة قواعد :

١ ـ الوفرة في جمع البيانات أي كثرة المصادر التي استقى منها مادة كل بحث من بحوثه.

٢ ـ الدقة في تفسير البيانات وتفنيدها.

٣ ـ الاختصار في العرض.

٤ ـ الوضوح في تناول البيانات وعرضها. واستلهم هذه القواعد من «المختصر وتقويم البلدان» أما بقية كتب أبي الفداء فقد ذكرها عرضا أحيانا ومن ضمنها الكناش مخطوطا ... والبحث في ميدانه رائد نافع أفدنا منه.

(٢) تقويم البلدان ٣٠ ، ومنهج أبي الفداء في البحث ، للدكتور حسن الساعاتي ٥٩.

٦٥

مكتبة مغنيسا ، فقد فرغ أبو الفداء منها عام ٧٢٨ ه‍. أي بعد الانتهاء من كناش النحو والصرف بعام واحد فقد انتهى منه عام ٧٢٧ ه‍. والمهم أن إطلاق لفظة «الكناش» كانت في هذا العام ، فلعل هذه القطع والأجزاء الطبية التي أطلق عليها الكناش هي من الكتب التي كان أبو الفداء سيجمعها في كناشه فيما بعد.

٤ ـ أن لدى أبي الفداء إحساسا بأنه لن يعيش أكثر من ستين سنة ، قال الكتبي : «ومن الغريب أن السلطان رحمه‌الله كان يقول ما أظن أني أستكمل من العمر ستين سنة فما في أهلي يعني بيت تقي الدين من استكمله» (١) وحقا لقد مات أبو الفداء وعمره ستون عاما فإذا كان أبو الفداء قد فرغ من كناش النحو والصرف عام ٧٢٧ ه‍ وتوفي سنة ٧٣٢ ه‍ ، فهل يعقل ـ ما دام لديه هذا الإحساس ـ أن يصرح بأنه عازم على تأليف سبعة كتب خلال خمس سنوات ، نعم يعقل إذا كانت هذه الكتب صغيرة الحجم ، ولا دليل على ذلك بل إن كبر حجم الكناش الذي نقوم بتحقيقه ، ما يدفع ذلك ، ثم يجب علينا أن لا ننسى أن أبا الفداء ملك على حماة ، وكثرة الصوارف والشواغل بشؤون الحكم لن تسمح له بتأليف مثل هذه الكتب خلال خمس سنوات ، زد على ذلك أنه فرغ من تأليف الكناش ٧٢٧ ه‍ وفرغ من تأليف المختصر ٧٢٩ ه‍ أي بعد سنتين من الكناش ، فإذا كان المختصر قد استغرق سنتين ، فكم ستستغرق بقية الكتب التي أشار إليها في خطبة الكناش ، كل ذلك يدفعنا إلى القول إنّ أبا الفداء كان عازما على ضم ما ألّف من كتب في هذا الكناش ، ولا أستبعد أن يكون المختصر واحدا منها لأنه قد انتهى منه كما ذكرنا ٧٢٩ ه‍ ، أي بعد إطلاق أبي الفداء للفظة الكناش بسنتين ، كما أني لا أستبعد أيضا أن أبا الفداء كان عازما بعد جمع مؤلفاته ، في هذا الكناش أن يكتب مقدمة عامة لهذا الكناش غير أن المنيّة قد حالت دون هذه الخطبة ، ودون هذا الجمع ، فبقيت هذه الكتب تحمل عناوينها ومقدماتها الخاصة بها مستقلة منفردة عما كان متوقعا لها ..

والسؤال الذي يتردّد في الذهن هو لم عزف النحويون الخالفون عن النقل من كناش أبي الفداء (النحو والصرف) أو الإشارة إليه مع كونه يتعلق بمتون مهمّة كثرت

٦٦

الشروح والحواشي عليها.

والجواب يتضح مما يأتي.

١ ـ ندرة الكتاب : فقد قال الشيخ أحمد الصابوني في كتابه «تاريخ حماة» بعد ذكره للكناش إنه نادر عزيز الوجود» (١). ومما يؤكد قوله أننا لم نعثر إلا على هذه النسخة الوحيدة.

٢ ـ أنه قد بات في أذهان النحويين فيما يبدو أن كتب الكناش للاستذكار الشخصي تسجل فيها الفوائد والشوارد ولا تتّسم بصفة التأليف العلمي لكون أصحابها يجمعون الآراء وينقلون الأفكار من غير مناقشة أو نسبة أو تعليق أو تفضيل رأي على آخر ، وهذا التصور مردود ـ إن كان ـ لأن الذي يكتب لنفسه لا شك أنه يطّلع على عدد كبير من كتب سالفيه ، فيصطفي منها ويختار ما يقتنع به ويرضاه ، ولا ريب أن في ذلك فوائد قيمة ، فهي من جهة تساعدنا على كشف جوانب كثيرة من ثقافة المصطفي ، وتغنينا أحيانا من جهة ثانية عن الاطّلاع على كتب قد لا يتاح لنا أن نطلع عليها نتيجة فقدها أو ندروها.

__________________

(١) تاريخ حماة ، ١٢٦.

٦٧

الفصل الثاني

توثيق نسبة الكتاب إلى أبي الفداء

ثمة عدة دلائل تدل على أن كتاب الكناش ألفه أبو الفداء وهي :

١ ـ أن عددا من المصادر قد ذكرت أن أبا الفداء صنف كتاب الكناش ، ووصفت هذه المصادر الكتاب بأنه يقع في مجلدات كثيرة (١).

٢ ـ أنه قد كتب على الورقة الأولى من المخطوطة أن هذا «كتاب الكناش للملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن علي الشهير بصاحب حماة المتوفى ٧٣٢ ه‍» (٢).

٣ ـ أن هناك تشابها واضحا بين كتابيه المختصر في أخبار البشر وتقويم البلدان من جهة ، وكتابه الكناش من جهة ثانية ، وذلك من حيث :

أ ـ استعماله الزائجات والجداول فقد استعملهما في كتابيه المذكورين (٣) كما استعملهما في كتابه الكناش (٤).

ب ـ استخدامه لفظة «ذكر» لعنونة بعض الموضوعات في كتابيه السالفين (٥)

__________________

(١) انظر الوافي بالوفيات ، ٩ / ١٧٤ وفوات الوفيات ، ١ / ٢٩ والمنهل الصافي لابن تغري بردي ، الورقة ، ٢١٠ ظ ، وشذرات الذهب ، ٦ / ٩٩ وإيضاح المكنون ، ٢ / ٣٨٢ ، والأعلام ، ١ / ٣١٧ وتاريخ آداب اللغة العربية ، ٣ / ١٨٩ وتاريخ حماة ، للصابوني ، ١٢٦ ومعجم المؤلفين ، ١ / ٢٨٢.

(٢) انظر المخطوطة ، الورقة أو.

(٣) انظر المختصر ، ١ / ٦ ـ ٧ ـ ١٢٩ ـ ١٣٠ وتقويم البلدان ، ٣٩٢ ـ ٤٨٨.

(٤) الكناش ، ١ / ٢٣٧ ـ ٢٤٨ ـ ٣٣٧ ٢ / ١٣٣.

(٥) انظر فهرستي المختصر في أخبار البشر وتقويم البلدان.

٦٨

كما استخدمها أيضا في عنونة كثير من الموضوعات التي تحدث عنها في كتابه الكناش.

ولا شك أن هذا التشابه يدل على أن المصنف واحد ، ومن هذه الدلائل مجتمعة نجزم بأن كتاب الكناش هو لأبي الفداء إسماعيل بن علي المتوفى ٧٣٢ ه‍.

٦٩

الفصل الثالث

وصف النسخة

المخطوطة التي بين أيدينا تقع في ١٦٤ ورقة من الحجم المتوسط ، وفي كلّ صفحة ٢٥ سطرا وفي كل سطر ١٥ كلمة. وقد عثرت على هذه النسخة الوحيدة في دار الكتب المصرية تحت رقم ٨٨٢ نحو ، وقام بتصويرها معهد المخطوطات العربية (ميكرو فيلم) تحت رقم ١٢٩ ، وحاولت جاهدا أن أعثر على نسخة ثانية فلم يتوفّر لي ذلك حتى هذا الوقت ، وأحسب أنه لا توجد لأني قد اطّلعت على أكثر الفهارس العامة والخاصة فلم أجد اسما لهذا الكتاب أو ما يشير إلى وجوده في أية مكتبة.

كتبت هذه النسخة بيد ناسخ مجهول ، وبخطّ جميل أسود ، والعناوين بمداد أحمر. وضبط الناسخ بعض الكلمات والأوزان الصرفية بالشكل. ويبدو أن هذه النسخة كتبت في عهد المؤلف وعرضت عليه لأنه كتب عند رأس بعض العناوين عبارة (بلغ مقابلة بين يدي مؤلفه أدام الله أيامه) مما يدل أن الناسخ كان يعرض على المؤلف ما كان ينسخه ، ويؤكد ذلك أن الناسخ استعمل أيضا علامة الإلحاق وهي عبارة عن سهم كان يثبته بين الكلمات للتنبيه على وجود كلمات ساقطة خارج سطور الكتاب وكان يسجل الكلمات الساقطة في الحاشية ويكتب بجانبها كلمة (صح).

وسبقت المخطوطة بورقتين أعطيت الأولى رمز (أ) وكتب على وجهها («كتاب الكناش للملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيوبي الشهير بصاحب حماة المتوفى ٧٣٢ ه‍ ذكره العلامة الكتبي (١) في ذيل ابن خلكان في ترجمة الملك المذكور ، أما صاحب كشف الظنون فقد ذكره إلا أنه قال لم أقف على

__________________

(١) فوات الوفيات ، ١ / ٢٩.

٧٠

مؤلفه (١) ويظهر أنّ هذه النسخة كانت ملكا لصاحب الكشف المذكور كما يرشدنا إليه الخطّ الواقع عليها المشابه لخطه إذا قد عاينته في بعض مصنفاته بدار الخلافة العثمانية العلية ولتعلم أن هذه النسخة هي نسخة المصنف (٢) وهي الكتاب الأول في فنّي النحو والصرف من الكتاب المشار إليه بما أنه مرتّب على سبعة كتب كما تراه في الخطبة ولست أدري إن كان المؤلف أتم الكتاب كله أو مات قبل ذلك والله أعلم ، غرة شعبان ١٣٠٦ كتبه الفقير إليه سبحانه وتعالى خيري بن عمر المصري عفي عنهما» ولم يكتب شيء على ظهر هذه الورقة.

أما الورقة الثانية فكان ظهرها ابتداء للكناش وكتب على وجهها من الأعلى ما يلي : «٦١ من كتب أحمد حمدي أحمدية ١٢٤٤ مختار الصحاح». وفي وسطها «ملك أفقر الورى إليه سبحانه صالح مصطفى عفى عنهما ..» وتحتها «مشترى من علي أفندي خيري ، رمضان في أول أكتوبر ١٨٨٩ نمرة ٨٠ يومية ٢٤١٥٧ عمومية ٨٨٢ خصوصية نحو» وكتب في وسط الورقة أمام ذلك ما يلي «مما ساقه سائق التقدير إلى سلك ملك الفقير إليه سبحانه وتعالى مصطفى بن عبد الله الداخل في زمرة المدرجين الداخلين ، رب يسر مراده في الدنيا والآخرة آمين بحرمة رسولك الأمين ثم آمين عفي عنهما».

وكتب على الورقة الأخيرة «وكان الفراغ من جمعه وتأليفه في العشر الأول من شهر شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مائة هجرية نبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسّلام بالمشيرفة من ظاهر حمص الشرقي الشمالي الحمد لله رب العالمين.

__________________

(١) انظر كشف الظنون ، لحاجي خليفة ، (الطبعة الأولى ١٣١٠ مطبعة العالم دار سعادات) ، ٢ / ٣٣١.

وإيضاح المكنون ، للبغدادي ، ٢ / ٣٨٢.

(٢) يبدو أن الذي دفعه إلى هذا القول ما وجده مكتوبا عند رأس بعض العناوين «بلغ مقابلة بين يدي مؤلفه أدام الله أيامه» ، وأرى أن ذلك ليس دليلا بل يدلنا على أنها كتبت في أيام المؤلف.

٧١

الفصل الرابع

منهج التحقيق

تلخّص عملي في تحقيق هذه المخطوطة بما يأتي :

١ ـ حرصت على إخلائها من التصحيف والتحريف.

٢ ـ أشرت إلى مواضع ما شرحه أبو الفداء من المفصل أو الكافية أو الشافية وذلك بوضع رقم إزاء العناوين الرئيسة ـ وأحيانا ضمن الشرح ـ وأحلت في الهامش إلى رقم الصفحة من كل متن ، مراعيا في هذه النسبة مدى التشابه الحرفي بين نصوص هذه المتون وكلام أبي الفداء.

٣ ـ ذكرت من قبل أن الناسخ استعمل علامة الإلحاق للتنبيه على بعض العبارات أو الكلمات الساقطة من أصل النص ، وقد وضع بجانبها كلمة «صح» فجعلت ذلك من أصل النص.

٤ ـ سجلت أرقام الآيات القرآنية ، واسم السورة ، وإذا كان ثمة آية وردت فيها قراءة فكنت أشير إلى كتب القراءات التي وردت فيها القراءة وأدلّ على صاحبها.

٥ ـ قمت بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة ، وبيّنت مكانها في كتب الحديث.

٦ ـ ضبطت الأبيات الشعرية بالشكل ، وأتممت أنصاف الأبيات في الهامش ونسبتها إلى أصحابها وعينت أماكن وجودها ـ سواء في الديوان إن وقفت على ديوان الشاعر ـ أو في كتب اللغة والنحو والمعاجم ، محددا إن كانت هذه المراجع قد نسبت البيت لقائله أم لا.

٧٢

واعتمدت في ذلك كله على كتاب معجم شواهد العربية للأستاذ محمد عبد السّلام هارون رحمه‌الله.

٧ ـ خرّجت أقوال العرب وأمثالهم من الكتب المعنية بذلك.

٨ ـ أحلت ما نقله أبو الفداء من نصوص نحوية أو صرفية أو لغوية إلى الكتب التي نقل عنها وحدّدت أماكن وجودها في تلك الكتب وأرقام صفحاتها ، وكنت أشير دائما إلى أسماء الكتب التي تتحدث عن المسألة التي يذكرها في كناشه ، وأسجل أرقام صفحاتها ليسهل الرجوع إليها لمن يريد التوسع في دراستها ، وأشرت إلى الكتب التي رأيت أن أبا الفداء ينقل عنها ، وأتممت أحيانا بعض النصوص التي نقلها أبو الفداء من هذه الكتب ، لأن الفائدة تكمل بذلك.

٩ ـ عرّفت بالأعلام الواردة في النص وأشرت إلى أماكن ترجمتها وأخبارها في كتب التراجم.

١٠ ـ ضبطت النص كلّه بالشكل ، وقد ضبط المصنف بعض الألفاظ الغريبة وشرحها ، وأحيانا كان يقع التخالف بين ما ضبطه المؤلف وما ضبطته المعاجم فكنت أشير إلى ذلك.

١١ ـ عيّنت ما ذكره المصنف من أسماء الأماكن والمواضع وحددت أماكن وجودها في معاجم البلدان.

١٢ ـ أنهيت التحقيق بصنع فهارس فنية للآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية الشريفة ، والأمثال ، والأقوال ، والأشعار ، والأرجاز ، والألفاظ اللغوية ، والأعلام ، والقبائل والطوائف والأمم والبلدان ، والمواضع والكتب.

أما فهرس الموضوعات الواردة في الكناش فقد وضعت بجوار رقم الصفحة الحرف (م) ليدل على أن ما يشرحه أبو الفداء فيه هو من المفصل والحرف (ك) ليدل على كافية ابن الحاجب ، والحرف (ش) ليدل على الشافية ، وبذلك يسهل التمييز بين ما شرحه أبو الفداء من المفصل وما شرحه من الكافية والشافية (١).

__________________

(١) والحق أن الفصل بين نصوص المفصل ، ونصوص الكافية والشافية ، فيه صعوبة في كثير من الأحايين

٧٣

وختمت الفهارس بثبت للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في دراسة وتحقيق كتاب الكناش.

__________________

للمشابهة بينها ، لذا فالإحالة إلى أحدها في بعض المواضع ليس قطعيا ، والمهم أننا حاولنا بما لمسنا من تشابه بين النصوص أن نميز بين هذه النصوص لما في ذلك من خدمة للكناش وللقارىء أيضا.

٧٤

الفصل الخامس

طبعة قطر

والنخبة المتميّزة من السّرّاق

وقع إلي كتاب الكنّاش في النحو والصرف لأبي الفداء المؤرخ إسماعيل بن علي المتوفى سنة ٧٣٢ ه‍ ، مطبوعا بتحقيق نخبة متميزة من الأساتذة كما ورد في المقدمة وهم : د. علي الكبيسي ، ود. صبري إبراهيم السيد ومراجعة أ. د. عبد العزيز مطر.

وهذا الكتاب في الأصل مخطوط انتهيت من دراسته وتحقيقه عام ١٩٨٤ م ، ونلت به درجة الدكتوراة بتقدير «الشرف الأولى» وذلك من جامعة الإسكندرية ، بإشراف الأستاذ الدكتور طاهر حمودة ـ حفظه الله ، ونوقشت الرسالة من قبل الأستاذ عبد السّلام هارون يرحمه‌الله. والأستاذ الدكتور عبده الراجحي ـ أمدّ الله في عمره ـ وقلت لنفسي حين قرأت العنوان : لعل النخبة قد عثرت على نسخة أخرى غير النسخة الوحيدة التي اعتمدت عليها ، تلك التي عثرت عليها في دار الكتب المصرية ، مما دفعها إلى تحقيقه مرة ثانية ، وألفيت بعد المقارنة أن هذه النخبة قد اعتمدت على النسخة نفسها ، وقامت بالسطو على رسالتي بعجرها وبجرها وفق خطة محكمة حيكت بليل مظلم ، فأتت على أركان الرسالة العلمية دون وازع من دين أو خلق ، وقد بيّنت النخبة في المقدمة دور كل واحد منها ، فزعمت أن توزيع العمل قد تم على النحو الآتي :

١ ـ قام الدكتور علي الكبيسي بكتابة ترجمة للمؤلف ، ونبذة عن الكتاب ، وحقق المخطوطة من أولها إلى نهاية القسم الأول من أفعال المقاربة ، وصنع الفهرس الخاص بهذا القسم ، شواهد وموضوعات.

٢ ـ وقام الدكتور صبري إبراهيم السيد بنسخ المخطوطة كاملة ، وتحقيق الجزء

٧٥

الذي يبدأ من أفعال المقاربة ، إلى آخرها ، وصنع الفهرس الخاص بهذا القسم ، ونسقنا بين القسمين كما قالوا.

٣ ـ قام الأستاذ الدكتور عبد العزيز مطر بمراجعة التحقيق والفهارس.

والذي وصلت إليه بعد اطلاعي على عملهم ، ومقارنته بصنعي في الرسالة هو أن الجميع مشترك في هذه الجريمة ، لأن أدلة السرقة تطولهم جميعا ، وتطوّق أعناقهم كلهم ، وقد نشرت هذه الأدلة موجزة في جريدة المدينة (ملحق التراث) عام ١٤١٦ ه‍ ـ ١٩٩٦ م ثم تقدمت بها مفصّلة إلى دار المجد في الرياض ، التي عزمت على إنشاء موسوعة السرقات العلمية ، مرفقا معها نماذج مصورة ، ونسخة من رسالة الدكتوراه ، وصورة من الكتاب المطبوع في قطر ، وصورة من مخطوط الكناش ، وبعد عرض هذه الأدلة على أربعة محكمين (١) ، فازت بالجائزة الثانية ، وارتأيت أن أنشرها فاختصرتها (٢) على النحو الآتي :

الدليل الأول

أن ثمة اتفاقا بيننا في أرقام الأجزاء والصفحات ، وذلك في المصادر التي اتفقنا في الإحالة إليها ، في حين أن طبعات هذه المصادر مختلفة ، مثال ذلك : أنني في الصفحة ٢ / ١١٥ من الرسالة خرّجت بيت جرير :

تعدون عقر النيب أفضل مجدكم

 ......

البيت فقلت : البيت في ديوانه : ٣٣٨ ، ثم سردت بقية المصادر ، وفي الصفحة ٣٦٠

__________________

(١) صحيفة الرياض ـ العدد ١٠٣٣٨ ـ الأحد «١» جمادى الآخرة ١٤١٧ ه‍.

(٢) والأدلة كاملة مفصلة تراها في موسوعة السرقات ، والحق أنه ما كان بودي أن أنشر هذه الأدلة المقتضبة في صدر هذا الكتاب لو لا أمران :

أولهما : أن فضح السرّاق قد يخفف من وقوع السرقات العلمية التي باتت وباء خطيرا يهدد مجتمعاتنا العلمية بفروعها المختلفة.

ثانيهما : أن غيري ممن قد يبتلى بسرّاق نهّاب ، قد يستفيد مما أذكره له إذ به قد يتهدّى إلى طرق السّرّاق ودروبهم وأحابيلهم الخبيثة ، خاصة أن سرّاقي قد وصلوا إلى الغاية في هذه الصنعة ، فهم يجيدون فنّ اللعب والغش ، وطرق الإغارة ، وأساليب الاستلاب ، ولقد استغرق جمع هذه الأدلة أكثر من سنة لكثرة حيلهم وتنوع طرقهم التي سلكوها تغطية على سرقتهم .. وأبت الحقيقة إلا أن تظهر جلية واضحة كالشمس في رابعة النهار.

٧٦

من الكتاب المطبوع قالوا بأنه روي في ديوانه : ٣٣٨ ، أي اتفقنا ، ومثل ذلك بيته المشهور :

أقلّي اللوم عاذل ...

 ......

البيت فقد ذكرت في هامش الصفحة ٢ / ١٢٥ بأنه قد ورد في ديوانه : ٦٤ ، فألفيت ذلك عندهم أيضا في الصفحة ٣٦٩ ، إذ نصوا على أنه في ديوانه ٦٤.

أقول : كيف تتفق الأرقام مع أن الطبعتين مختلفتان ، فقد اعتمدت في عملي على طبعة الصاوي ، في حين أنكم اعتمدتم على الطبعة المحققة من قبل د. نعمان محمد أمين طه (ينظر فهرس المصادر عندهم).

وفي الصفحة ٢ / ١٠٣ من الرسالة عرض أبو الفداء رأي الأخفش المجيز وقوع الفاء زائدة في الخبر ، فنقلت من المغني لابن هشام ، ١ / ١٦٥ ما نصه :

«وأجاز الأخفش زيادتها في الخبر مطلقا ، وحكي «أخوك فوجد» ، وقيد الفراء والأعلم وجماعة الجواز بكون الخبر أمرا أو نهيا ، قال ابن برهان : تزاد الفاء عند أصحابنا جميعا كقوله :

لا تجزعي ...

 ......

البيت وفي الصفحة ٣٥٠ من كتابهم نقلوا النصّ الذي ذكرته إلى قول ابن هشام : «أو نهيا» وأحالوا إلى المغني ، ١ / ١٦٥ ، وهذا يفيد أن الاتفاق قد حصل أيضا في رقم الجزء والصفحة ، وما فطن القوم أن الطبعتين مختلفتان ، فقد اعتمدت على طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه‌الله في حين أنهم اعتمدوا على طبعة الدكتور مازن المبارك وزميليه ، فكيف حصل هذا الاتفاق والطبعتان مختلفتان؟؟

هل ستزعمون أن طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه‌الله قد سقطت أيضا من قائمة مصادركم؟؟ لا أستبعد ذلك فذاك هو الملجأ الذي يفزع إليه السّراق حين تضيق بهم السبل.

الدليل الثاني

أ ـ ذكرت في الهامش (٤) من الصفحة ١ / ٣٨١ معنى لفظة «الخرنوب» ونقلت

٧٧

من لسان العرب مادتي (صعفق وخرب) ما نصه : «الخرنوب والخرّوب بالتشديد نبت معروف ، والفصحاء يضمونه ويشددونه مع حذف النون ، وإنما يفتحه العامة».

وفي كتابهم ٣٤٠ الهامش (٥) سجلوا ما يأتي : «الخرنوب شجر ينبت في جبال الشام ، ويسمى القثاء الشامي ، وقد تحذف نونه وتضعف الراء فيقال له : الخرنوب». وأحالوا إلى لسان العرب مادة (خرنب) فقط.

أقول : المذكور في لسان العرب مادة (خرنب) هو إلى قولكم : «القثاء الشامي» أما تتمة القول : «وقد تحذف ... الخ» فلم يذكره ابن منظور البتة ، فمن أين أتيتم بهذه التتمة؟؟

إنها من أدنى تأمل ـ صياغة جديدة مزوّرة لما ذكرته في تعليقي ، ولم يفطن القوم أن تعليقي هو من مادتين ، وأن قولي : والفصحاء يضمونه ... إلخ هو من مادة صعفق ، لقد حاولوا التغيير والإبهام فذهبوا إلى مادة خرنب ، غير أنهم وقعوا فيما فروا منه.

الدليل الثالث

أحلت في الصفحة ٢ / ٧٠ الهامش (٧) من الرسالة إلى كتاب مجمع الأمثال ، وذلك لتوثيق المثل المشهور «إن البغاث بأرضنا يستنسر» وذكرت أنه في ١ / ١٢ ، وفي الكتاب المطبوع ص : ٣٢٠ وجدت الرقم نفسه وهو ١ / ١٢ ، والطبعة التي اعتمدت عليها هي من تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ـ رحمه‌الله ـ وهي نفسها التي اعتمدوا عليها ، ولو أنهم حقا رجعوا إلى المصدر المذكور لعلموا أن الرقم الصحيح هو ١ / ١٠ وليس ١ / ١٢ فبم يفسّرون ذلك؟؟

ب ـ ويندرج تحت هذا أنني في الهامش (١) من ١ / ٢١٥ خرجت بيت ذي الرمة :

وهيل يرجع التسليم ...

 ......

البيت فذكرت بأنه قد روي من غير نسبة في المقتضب ٢ / ١٧٤ ، ٤ / ١٤٤ (١) فاكتفوا

__________________

(١) صوبنا الآن كل الأخطاء التي ذكرت في هذه الأدلة.

٧٨

في الصفحة ٩٣ وعلى عادتهم حين أذكر موضعين ـ بالموضع الأول فقالوا : وبلا نسبة في المقتضب ٢ / ١٧٤ وتركوا الموضع الثاني ، ولو أنهم رجعوا فعلا إلى المقتضب ٢ / ١٧٤ لألفوا أن المبرد قد نسبه إلى ذي الرمة في هذا الموضع ، ولم ينسبه إليه في الموضع الثاني الذي تركوه تمويها.

ج ـ ويمكن أن يندرج في هذا الدليل ما التقطناه عندهم حول الدائرة التي صنعها أبو الفداء لأحكام الصفة المشبهة ، فقد جعل أبو الفداء نواتها دائرة صغيرة ، قسمها إلى قسمين بخط في وسطها ، ذكر في القسم الأعلى منها : «الصفة مجردة عن اللام (حسن)» وذكر في القسم الأسفل منها «الصفة باللام (الحسن)» قمت ـ لكوني طالبا ـ بتصويرها من المخطوط مع تكبيرها ، ثم وضعتها في ورقة مستقلة ذات رقم (٢٧٠ من الرسالة) ، ١ / ٣٣٧ والذي حصل أن «المجلّد» للرسالة جعل عاليها سافلها ، فلم تفطن النخبة المتميزة إلى ذلك ، فرأيت هذا القلب عندهم أيضا وذلك في الصفحة ٢٠٠ ، لا ريب أنهم سيزعمون أن المجلّد عندهم قد عكسها أيضا؟؟ ولم يفطنوا إلى ذلك.

الدليل الرابع

ثمة أخطاء وقعت في عملي ، يرجع بعضها إلى قراءة غير سليمة لكلمات المخطوط ، وبعضها الآخر يعود إلى سرعة الضبط والتشكيل وثالثها يعود إلى سرعة الطابع ، بعضها تنبّهت إليه فأشرت إليه في الهامش ، وبعضها الآخر لم أتنبه إليه إلّا بعد مراجعتي للمخطوط ، ووجدت ذلك كله عندهم بغثّه وسمينه من غير أن يشيروا إليه في الهامش وهذا جدول مجتزأ من جدول «كبير» نتبين منه كل هذه الأنواع :

٧٩

٨٠