كتاب الكنّاش في فنّي النّحو والصّرف - ج ١

عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيّوبي [ صاحب الحماة ]

كتاب الكنّاش في فنّي النّحو والصّرف - ج ١

المؤلف:

عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيّوبي [ صاحب الحماة ]


المحقق: الدكتور رياض بن حسن الخوّام
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
ISBN: 9953-34-369-1
ISBN الدورة:
9953-34-369-1

الصفحات: ٤١٥
الجزء ١ الجزء ٢

و «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» (١)(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)(٢) أي سماعك وصومكم.

قوله : مجرّد عن العوامل اللفظيّة ، احترز به عن أسماء إنّ وكان وما ولا المشبّهتين بليس ، وعن المفعول الأوّل من باب علمت ، والثاني من باب أعلمت ، وعلم من احترازه عن العوامل اللفظيّة خاصة أنّه لا يحترز عن العوامل المعنويّة ، فإنّ المبتدأ لم يتجرّد عنها ، وقوله : مسندا إليه ، احترز به عن الخبر ، لأنّه مجرّد ، ولكن غير مسند إليه ، وعن مثل الأصوات نحو : غاق ، وألفاظ العدد ، وحروف التهجّي فإنّها مجرّدة ولكن ليست مسندا إليها ، لأنّها غير معربة لفقد التركيب ، وقوله : أو الصفة الواقعة بعد حرف الاستفهام أو حرف النفي رافعة لظاهر ، إنّما أفردها بالذكر لأنّها لم تدخل في رسم المبتدأ لكونها غير مسند إليها ، ولم تدخل في رسم الخبر ، لأنّ فاعلها سدّ مسدّ الخبر ، وذلك نحو قولك : أقائم الزيدان (٣) وقوله : رافعة لظاهر ، معناه أنّ هذه الصفة لا تقع مبتدأ إلّا بشرط أن تتجرّد عن الضمير المستكنّ فيها ، لترفع الظاهر الذي بعدها ، لأنّها كالفعل إذا رفع الظاهر (٤) واحترز بقوله : رافعة لظاهر عن الرافعة للمضمر نحو : أقائمان الزيدان ، وأقائمون الزيدون ، فإنّ قائمان وقائمون متعيّن للخبر (٥) لأنّ كلّا منهما رافع لضمير متّصل مستقرّ فيه لا للظّاهر الذي بعده لأنّ أقائمان وأقائمون لو كان مبتدأ ، لم يثنّ ولم يجمع ، لأنّ الفعل وشبهه إذا أسند إلى الظّاهر لم يثنّ ولم يجمع على مذهب الأكثر ، لكن يجوز ذلك على لغة أكلوني البراغيث وهي لغة ضعيفة (٦) ، فيجوز عليها أن يقع قائمان وقائمون مبتدأ مجرّدا عن المضمر ، رافعا للظّاهر الذي بعده ويكون الزيدان والزيدون فاعلا سدّ مسدّ الخبر (٧).

__________________

وهمع الهوامع ، ١ / ٩٣ وشرح الأشموني ، ١ / ٨٨.

(١) وروي : لأن تسمع ، وأن تسمع ، وهو مثل يضرب لمن خبره خير من مرآه ، انظره في جمهرة الأمثال للعسكري ، ١ / ١٨٦ وفصل المقال ، للبكري ١٢١ والمستقصى للزمخشري ، ١ / ٣٧٠.

(٢) من الآية ١٨٤ من سورة البقرة.

(٣) همع الهوامع ، ١ / ٩٤.

(٤) شرح الوافية ، ١٧١ وشرح ابن عقيل ، ١ / ١٨٩.

(٥) شرح الوافية ، ١٧١.

(٦) وهي لغة طيء أو أزد شنوءة أو بلحارت ، المغني ، ٢ / ٣٦٥.

(٧) شرح الكافية ، ١ / ٨٦ ، وتسهيل الفوائد ، ٤٤ وشرح ابن عقيل ، ١ / ١٩٩ ، وشرح الأشموني ، ١ / ١٩٢.

١٤١

واعلم أنّه قد قيل : ينبغي أن يزاد في رسم الصفة المذكورة لفظة مستغنى به فيقال : رافعة لظاهر مستغنى به ، لئلا يرد النّقض بمثل : أقائم أبوه زيد ، فإنّها رفعت ظاهرا وهو أبوه ومع ذلك ليست مبتدأ ، فإنّ المبتدأ في المثال المذكور هو زيد ، لا أبوه المرفوع بالصّفة المذكورة (١) ، وإذا طابقت الصفة المذكورة مفردا نحو : أقائم زيد وما قائم زيد / جاز (٢) أن تكون الصّفة حينئذ (٣) مبتدأ وما بعدها فاعلها ، وجاز أن تكون خبرا مقدّما وما بعدها المبتدأ ، وإذا كانت خبرا كان فيها ضمير مستكنّ ، وإنّما خصّص مطابقتها للمفرد بذلك ، لأنّها إذا طابقت مثنّى أو مجموعا نحو : أقائمان الزيدان وما قائمون الزيدون ، لم يجز الأمران عند الأكثر ، بل تتعين الصفة حينئذ للخبر وتكون رافعة للمضمر المستتر فيها ، ويتعيّن الظاهر الذي بعدها للمبتدأ ، وأما على لغة أكلوني البراغيث فلا يتعيّن ذلك ، وجاز أن تكون مبتدأ وتكون حينئذ مجرّدة عن الضّمير المستتر رافعة لما بعدها حسبما تقدّمت الإشارة إليه ، وقد أشكل منع الشّيخ أبي عمرو بن الحاجب (٤) تثنية الصّفة وجمعها في هذا الباب ، وتجويزه ذلك على ضعف في النّعت حيث قال الشيخ (٥) : «وحسن قام رجل قاعد غلمانه وضعف قاعدون غلمانه» فيتأمّل.

ذكر الخبر (٦)

وهو المجرّد المسند به المغاير للصّفة المذكورة ، قوله : المجرّد ، احترز به عن

__________________

(١) لعلّ القائلين بذلك قد اعتمدوا على ما قاله ابن مالك في شرح التسهيل ، ١ / ٢٦٩ : واحترزت بكون المرفوع مغنيا من نحو : أقائم أبوه زيد ، فإن الفاعل فيه منفصل مرتفع بوصف سابق إلا أنه غير مغن إذ لا يحسن السكوت عليه فليس مما نحن فيه بل زيد مبتدأ وقائم خبر مقدم وأبوه مرتفع به» وانظر المساعد ، ١ / ٢٠٥.

(٢) غير واضحة في الأصل.

(٣) غير واضحة في الأصل.

(٤) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المعروف بابن الحاجب الكردي الأصل ، الإسنائي المولد ، برع في الفقه المالكي ، والقراءات والعربية والأصول توفي ٦٤٦ ه‍ انظر ترجمته في وفيات الأعيان ، ٣ / ٢٤٨ والبلغة ، ١٤٠ والبغية ، ٢ / ١٣٤ وشذرات الذهب ، لابن العماد ٥ / ٢٣٤.

(٥) في الأصل : الشرح ، قال في الكافية ، ٤٠٠ «حسن قام رجل قاعد غلمانه ، وضعف قاعدون غلمانه».

(٦) الكافية ، ٣٨٦.

١٤٢

خبر إنّ وكان ونحوهما ، فإنّه مسند به وليس مجرّدا عن العوامل اللفظيّة ، وإنما قال : المجرّد ، ولم يقل : الاسم المجرّد ، لأنّ خبر المبتدأ قد يكون غير اسم ، وقوله : المسند به ، احترز به عن المبتدإ الذي هو المسند إليه ، وقوله : المغاير للصّفة المذكورة ، احترز به عن الصّفة الواقعة بعد حرف الاستفهام وحرف النفي المقدّمة الذكر مع المبتدإ نحو : أقائم أخواك ، والمراد بالمغايرة للصّفة المذكورة (١) إمّا أن لا يكون صفة ك «زيد غلامك» ، أو يكون صفة ولا يكون بعد حرف النفي أو ألف الاستفهام ك «زيد قائم» ، أو يكون صفة واقعة بعد أحدهما ، ولا تكون رافعة لظاهر ، كأقائمان الزيدان.

ذكر أنّ أصل المبتدإ التقديم (٢)

الأصل أن يقدّم المبتدأ على الخبر لأنّ المبتدأ محكوم عليه وحقّ المحكوم عليه أن يكون متقدّما على المحكوم به ، ومن ثمّ جاز : في داره زيد ، لأنّ زيدا وإن كان متأخرا عن في داره لفظا فهو متقدّم تقديرا ، وامتنع أن يقال : صاحبها في الدّار ، لأنّه إضمار قبل الذكر لفظا ومعنى ، لأنّ الضمير في صاحبها يعود إلى الدّار وهو متقدّم على الدّار لفظا ومعنى ، أمّا لفظا فظاهر ، وأمّا معنى فلأنّ صاحبها مبتدأ وحقّه أن يكون متقدّما على الخبر (٣).

ذكر وجوب تقديم المبتدأ (٤)

يجب تقديم المبتدإ إذا تضمّن معنى الإنشاء نحو : من أبوك؟ وما صناعتك؟ وكذلك إذا كان الخبر فعلا للمبتدأ نحو : زيد قام ، واعلم أنه لو قال : (٥) فعلا له مفردا لكان أولى ، لئلّا يرد عليه : الزيدان قاما ، والزيدون قاموا ، فإنّ الفعل هنا

__________________

(١) غير واضحة في الأصل.

(٢) الكافية ، ٣٨٦.

(٣) شرح الوافية ، ١٧٢ وانظر شرح المفصل ، ١ / ٨٥ ، وشرح الكافية ، ١ / ٨٨.

(٤) الكافية ، ٣٨٦ ـ ٣٨٧.

(٥) في الأصل : قيل ، وفي الكافية : «أو كان الخبر فعلا له» وفي شرح الوافية ، ١٧٣ ، ومنها أن يكون الخبر فعلا له.

١٤٣

للمبتدإ ، ولا يجب تقديم المبتدأ عليه بل يجوز : قاما الزيدان وقاموا الزيدون على أنّ قاما وقاموا خبران مقدّمان ، ويجب التّقديم أيضا إذا استوى المبتدأ والخبر في المعنى نحو : زيد الأفضل (١).

ذكر وجوب / تقديم الخبر (٢)

يجب تقديم الخبر إذا تضمّن معنى الإنشاء نحو : أين زيد؟ ومتى السّفر؟ وأما إذا كان الخبر جملة نحو : زيد متى خروجه؟ فإنّه لا يجب تقديم الخبر حينئذ لكونه جملة وقد وقع الاستفهام في صدرها على بابه ، وكذلك يجب تقديم الخبر إذا كان مصحّحا للمبتدإ نحو : في الدّار رجل فإنّه لو قدّم المبتدأ حصل الابتداء بالنكرة من غير تخصيص ، وكذا يجب تقديمه إذا كان المبتدأ أنّ المفتوحة مع ما في حيّزها نحو : عندي أنّك قائم ، وفي ظنّي أنّك مسافر ، فلو قدّمت بقيت عرضة لدخول إنّ عليها (٣) ، وكذا يجب تقديمه إذا كان في (٤) المبتدأ ضمير راجع إلى شيء من الخبر نحو : على التّمرة مثلها زبدا ، فلو قدّم المبتدأ الذي هو مثلها رجع الضمير إلى غير مذكور لا لفظا ولا معنى (٥).

ذكر الابتداء بالنّكرة (٦)

للمبتدإ والخبر من جهة التعريف والتنكير أربعة أقسام : أحدها : أن يكون المبتدأ معرفة (٧) والخبر نكرة وهو الأصل نحو : زيد قائم ، والثاني : أن يكونا معرفتين نحو :

__________________

(١) بعدها في شرح الوافية ، ١٧٣ «فجعل المتقدم مبتدأ ، هو المستقيم لأنه الأصل فلا حاجة إلى تقدير تقديم وتأخير من غير فائدة» وانظر المغني ، ٢ / ٤٥١ وشرح التصريح ، ١ / ١٧١ وهمع الهوامع ، ١ / ٥٥ وحاشية الصبان ، ١ / ٢٠٩.

(٢) الكافية ، ٣٨٧.

(٣) شرح الوافية ، ١٧٤ وبعدها «وهم يكرهون مثل ذلك فأوجبوا تقديم الخبر ليصح دخول إن كقولك : إن في ظني أنك مسافر ونحوه وهذا قول الأكثرين».

(٤) في الأصل إذا كان المبتدأ ضمير ... وانظر شرح الوافية ١٧٤.

(٥) شرح الوافية ، ١٧٤ وانظر شرح الكافية ١ / ٩٩ وشرح التصريح ١ / ١٧٦ وشرح الأشموني ، ١ / ٢١٢.

(٦) الكافية ، ٣٨٧.

(٧) الكتاب ، ١ / ٣٢٨ والمقتضب ، ٤ / ١٢٧ وشرح المفصل ، ١ / ٨٥ وتسهيل الفوائد ، ٤٦.

١٤٤

زيد أخوك ، والثالث : أن يكونا نكرتين نحو : رجل حسن قائم ، والرابع : أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة وهو عكس الأصل. كقول الشّاعر : (١)

أهابك إجلالا ومالك قدرة

عليّ ولكن ملء عين حبيبها

فملء عين مبتدأ وهو نكرة وحبيبها خبر وهو معرفة ، وقد جاء مثل ذلك مع العوامل ، كقول الشّاعر : (٢)

وربّ سبيئة من بيت رأس

يكون مزاجها عسل وماء

فعسل نكرة وهو اسم كان ومزاجها معرفة وهو الخبر ، والظّاهر أنّ هذا القسم إنّما يجوز في ضرورة الشعر (٣).

ولا يجوز الابتداء بالنكرة إلّا إذا تخصّصت بوجه ما (٤) ، لأنّها بالتخصيص تقارب المعرفة ، وتخصيصها بأحد أمور عشرة :

١ ـ الوصف نحو : رجل عالم في الدار.

٢ ـ الاستفهام نحو : أرجل في الدار أم امرأة.

٣ ـ النفي نحو : ما أحد خير منك.

٤ ـ أن تقع النكرة بمعنى الفاعل المثبت بعد نفي نحو «شرّ أهرّ ذا ناب» ، أي : ما أهرّ ذا ناب إلّا شر (٥).

__________________

(١) البيت لنصيب بن رباح الأكبر مولى بني مروان ، نسب له في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ، ٣ / ١٣٦٣ وشرح الشواهد ، ١ / ٢١٣ وشرح التصريح ، ١ / ١٧٦ وورد من غير نسبة في عمدة الحافظ ، ١ / ٧٨ ، وشرح ابن عقيل ، ١ / ٢٤١ وشرح الأشموني ، ١ / ٢١٣.

(٢) البيت لحسّان بن ثابت ورد في ديوانه ٧١ برواية كأن خبيئة ، وروي البيت منسوبا له في كل من الكتاب ، ١ / ٤٩ والمقتضب ، ٤ / ٩٢ برواية كأن سلافة ، والمحتسب ١ / ٣٧٩ والحلل في شرح أبيات الجمل ، للبطليوسي ٤٦ وشرح المفصل ، ٧ / ٩١ ـ ٩٣. ولسان العرب ، سبأ ، ومغنى اللبيب ٢ / ٤٥٣ ـ ٦٩٥ ـ وشرح شواهد المغني ، ٢ / ٨٤٩ ورواه السيوطي في همعه ، ١ / ١١٩ من غير نسبة برواية كأن سلافة ورواه جميعهم وكأن مكان ورب ، السبيئة : الخمر ، بيت رأس : اسم لقريتين في كل واحدة منهما كروم كثيرة إحداهما بالبيت المقدس ، والأخرى من نواحي حلب معجم البلدان ، ١ / ٥٢٠.

(٣) الكتاب ، ١ / ٤٨ والمقتضب ، ٤ / ٩١.

(٤) الكافية ، ٣٨٦.

(٥) مثل يضرب عند ظهور أمارات الشرّ ومخايله انظر المستقصى ، ٢ / ١٣٠ ومجمع الأمثال للميداني ،

١٤٥

٥ ـ تقديم ظرف هو الخبر نحو قولك : في الدار رجل.

٦ ـ الدعاء نحو : سلام عليك ، وويل له ، وعزّ لمولانا.

٧ ـ الاستغراق نحو : من يقم أقم معه.

٨ ـ الجواب نحو : أن يقال لك : من عندك؟ تقول : رجل ، أي عندي رجل وهو راجع إلى تقديم الخبر وهو ظرف.

٩ ـ التعجب نحو : ما أحسن زيدا ، فعند سيبويه ما مبتدأ نكرة وهي بمعنى شيء خلافا للأخفش فإنّه يقول إنّ ما في ما أحسن زيدا ، موصولة فتكون معرفة (١).

١٠ ـ الإضافة نحو قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد» (٢) وغلام رجل في الدار لتخصيصه بالإضافة ، والظاهر أنّ التخصيص لا ينحصر في الأمور العشرة المذكورة فإنّ / التصغير مخصص نحو : رجيل عندك ، وليس هو من الأمور العشرة (٣).

ذكر الجملة الخبرية (٤)

الكلام إن احتمل الصّدق والكذب فهو الخبر كقولنا : زيد كاتب ، زيد ليس بكاتب ، وإن لم يحتمل الصّدق والكذب فهو الإنشاء وهو الأمر ، والنّهي ، والسؤال والالتماس والتمني والترجّي والقسم والنداء والتعجّب والاستفهام ، لأنّ الإنشاء إن دلّ على طلب الفعل دلالة وضعية فهو مع الاستعلاء أمر نحو : اضرب ، ومع الخضوع سؤال : كاللهمّ اغفر لي ، ومع التساوي التماس نحو : تمهّل يا رفيقي ، وإنّ لم يدلّ على طلب الفعل دلالة وضعية ، فإن دلّ على طلب ترك الفعل فهو النهي وإلّا فهو

__________________

١ / ٣٧٠ ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، وانظر حاشية الصبان ، ١ / ٢٠٥.

(١) الكتاب ، ١ / ٧٢ ـ المقتضب ، ٤ / ١٧٧.

(٢) انظره في موطأ الإمام مالك ، ١ / ١٥٣ ، وسنن أبي داود ، ٢ / ٦٢ ، وسنن النسائي ، ١ / ٢٣٠ ، وسنن ابن ماجه ، ١ / ٤٢٧ ـ ٥٢٦ ، وفي ط. محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٤٤٨ وانظر شرح الجامع الصغير للمناوي ، ٢ / ٧.

(٣) شرح الوافية ، ١٧٦ وانظر شرح المفصل ، ١ / ٨٥ وشرح الكافية ، ١ / ٨٨ وشرح التصريح ، ١ / ١٦٨ وهمع الهوامع ، ١ / ١٠١ وشرح الأشموني ، ١ / ٢٠٤ وحاشية الحضري ، ١ / ١٠٠.

(٤) الكافية ، ٣٨٦.

١٤٦

التمني والترجّي والقسم والنّداء والتعجّب والاستفهام (١) إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الجملة الخبريّة هي التي تقع خبرا غالبا ، وأمّا الجمل الإنشائيّة فلا تقع خبرا للمبتدأ إلّا بتأويل نحو : زيد أكرمه وزيد لا تضربه ، والتقدير زيد مقول فيه أكرمه ولا تضربه (٢) ، ولنرجع إلى الجملة الخبريّة فنقول : تكون إسميّة نحو : زيد أبوه قائم ، وتكون فعليّة نحو : زيد قام ، ويلزم أن يكون في الجملة ضمير يعود إلى المبتدأ ، إلّا أن تكون الجملة هي نفس المبتدأ في المعنى كما في ضمير الشأن نحو : (هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(٣) أو يقوم مقام العائد شيء كقوله تعالى : (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ)(٤) وقد يحذف العائد إذا كان معلوما نحو : السّمن منوان بدرهم أي منوان منه بدرهم (٥) وكذلك البرّ الكرّبستين (٦) ، فالسّمن مبتدأ ومنوان مبتدأ ثان وبدرهم خبر عن منوين والجملة خبر السمن ، و «منه» المحذوفة في موضع رفع صفة لمنوين ليصحّ الابتداء بالنكرة ، وأما «منه» في قولهم : البرّ الكرّبستين ، ففي موضع نصب على الحال من الكرّ المعرفة (٧) وما وقع من الظروف خبرا نحو : زيد في الدار ، زيد عندك ، والخروج يوم الجمعة ، فالأكثر ، أنّه مقدّر بجملة (٨) لأنّ الظرف معمول لغيره والأصل في العمل للفعل ، والتقدير : زيد استقرّ أو حصل عندك فحذف الفعل للعلم به لاستحالة كون زيد عنده من غير حصول واستقرار ، ونقل الضمير المستكنّ في ذلك الفعل إلى الظّرف ، فصار

__________________

(١) مفتاح العلوم للسكاكي ، ٧٩.

(٢) شرح الوافية ، ١٧٦ وانظر الخلاف حول جواز مجيء الجملة الخبرية إنشائية في تسهيل الفوائد ، ٤٨ وشرح الكافية ، ١ / ٩١ وحاشية الصبان ، ١ / ١٩٥.

(٣) من الآية ١ من سورة الإخلاص.

(٤) من الآية ٢٦ من سورة الأعراف ، على أن ذلك مبتدأ ثان ، وخير خبره.

(٥) منوان تثنية منا ، وهو الذي يكال به السمن وغيره ، وقيل الذي يوزن به رطلان ، والجمع أمناء مثل سبب وأسباب ، وفي لغة تميم منّ بالتشديد والجمع أمنان والتثنية منّان على لفظه المصباح المنير منا.

(٦) البر بالضم ، القمح ، الواحدة برة ، والكر : كيل معروف والجمع أكرار مثل قفل وأقفال ، وهو ستون قفيزا ، والقفيز ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف ، المصباح المنير برر ، وكرر.

(٧) ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في الخبر ، والعامل فيه الخبر أي البر الكركائن بستين كائنا منه ، انظر شرح الكافية ، ١ / ٩١ وشرح التصريح ، ١ / ١٦٤ ـ ١٦٥ وشرح الأشموني ، ١ / ١٩٦.

(٨) الكافية ، ٣٨٦.

١٤٧

الضمير مرفوعا بالظرف كما كان مرفوعا بالفعل ، وصار الظرف مع الضمير جملة فلذلك قدّر بجملة (١) وقال قوم : (٢) التقدير زيد مستقر في الدّار ، فيكون الخبر مفردا (٣).

ذكر أمور مشتركة بين المبتدأ والخبر (٤)

قد يتضمّن المبتدأ معنى الشّرط فيصحّ دخول الفاء في الخبر ، والذي يتضمّن ذلك من المبتدآت الاسم الموصول بفعل أو ظرف ، والنكرة الموصوفة بأحدهما وإنّما يشتمل المبتدأ على معنى الشّرط بأمرين : وهما العموم والإبهام ، لأنّ الموصول إذا لم يكن للعموم وكان لشيء (٥) معهود امتنع دخول الفاء في خبره / فلو قلت : الذي بعته من عبيدي فله درهم ، لم يجز ، وكذا إذا لم تشتمل النكرة الموصوفة على العموم لم يجز دخول الفاء في خبرها فلو قلت : رجل ظريف فله درهم ، لم يجز لفوات العموم ، فإذا قلت : كلّ رجل يأتيني فله درهم صحّ لوجود العموم والإبهام ، أما العموم فظاهر لأنّ كلّ رجل عام يصلح لكلّ واحد واحد من الناس ، وأمّا الإبهام فهو جواز أن يقع وأن لا يقع ، وفائدة دخول هذه الفاء في الخبر أنّها تؤذن (٦) بأنّ ما بعدها مستحق بالفعل المتقدّم ، أو بالظّرف المتعلّق بالفعل المقدّر ، وإذا لم تدخل الفاء لم يتعيّن ذلك ، مثاله قولك : الذي يأتيني فله درهم ، فالدّرهم (٧) مستحقّ بالإتيان ، وهو سبب استحقاقه ، فإذا سقطت الفاء لم يتعيّن أن يكون الدّرهم مستحقا بالإتيان ، بل يحتمل أن يكون الدّرهم ملكه على الإطلاق كما في قولك : زيد له درهم ، فالذي مبتدأ ،

__________________

(١) جرى أبو الفداء وراء البصريين في مذهبهم القائل إن العامل هو الفعل ، وذهب الكوفيون إلى أن الظرف ينتصب على الخلاف ، الإنصاف ، ١ / ٢٤٥ وشرح المفصل ، ١ / ٩٠ وشرح الكافية ، ١ / ٩٢ وهمع الهوامع.

(٢) منهم ابن مالك ، المساعد ، ١ / ٢٣٥.

(٣) بعدها في شرح الوافية ، ١٧٨ «والصحيح الأول».

(٤) الكافية ، ٣٨٧.

(٥) غير واضحة في الأصل.

(٦) غير واضحة في الأصل.

(٧) «فالدرهم» زيادة يستقيم بها الكلام.

١٤٨

ويأتيني صلته ودرهم مبتدأ ثان وله خبره ، وهو متقدّم عليه ليصح الابتداء بالنكرة ، والجملة خبر الذي ، والعائد من الجملة إلى المبتدأ هو الهاء في له (١) ومثال الظرف : الذي في الدّار فله درهم ، ومثال النكرة العامّة : كلّ رجل يأتيني فله درهم ومثال النّعت بالظرف : كلّ رجل عندي فله درهم (٢) وإذا دخلت ليت أو لعلّ على المبتدأ لم يصحّ دخول الفاء في خبره باتفاق (٣) لأنّ ما تضمّن معنى الشّرط إخباري ، وخبر ليت ولعلّ إنشائي (٤) وإن دخلت إنّ المكسورة فالصحيح ، جواز دخول الفاء في الخبر إذا قصد معنى السببيّة (٥) كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(٦) وكقوله تعالى : (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ)(٧) وجوّز الأخفش زيادة الفاء في الخبر (٨) وأنشد : (٩)

لا تجزعي إن منفسا أهلكته

فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي

أي فاجزعي عند ذلك ، فالفاء الداخلة على عند زائدة ، وسيبويه يتأوّل ذلك (١٠).

__________________

(١) شرح الوافية ، ١٧٩.

(٢) الكتاب ١ / ١٣٩ والمقتضب ، ٣ / ١٩٥ وشرح المفصل ، ١ / ١٠٠ ـ ١٠١ وشرح الكافية ، ١ / ١٠٢ وهمع الهوامع ، ١ / ١٠٩.

(٣) الكافية ، ٣٨٧.

(٤) وبعدها في شرح الوافية ، ١٧٩ ولا يستقيم أن يكون شيء الواحد إنشائيا خبريا وانظر شرح الكافية ، ١ / ١٠٣ والهمع ، ١ / ١١٠.

(٥) بعدها في شرح الوافية ، ١٧٩ لأنّ خبرها ليس إنشائيا فلا منافاة بين الجزاء وبينه. وانظر شرح المفصل ، ١ / ١٠١ والمغني ، ١ / ١٦٥.

(٦) من الآية ١٣ سورة الأحقاف.

(٧) من الآية ٨ من سورة الجمعة.

(٨) المفصل ، ٢٧ وشرح المفصل ، ١ / ١٠١.

(٩) البيت للنمر بن تولب ورد منسوبا له في الكتاب ١ / ١٣٤ والكامل ، ٣ / ٣٠٠ وأمالي ابن الشجري ١ / ٣٣٢ ـ ٣٤٦ وشرح المفصل ، ١ / ٨٢ وشرح الشواهد ، ٢ / ٧٥ وشرح شواهد المغني ، ١ / ٤٧٢ ـ ٢ / ٨٢٩ وخزانة الأدب ، ١ / ٣١٤ ـ ٣٢١. ومن غير نسبة في المقتضب ، ٢ / ٧٤ ـ ٧٦ ومغنى اللبيب ، ١ / ١٦٦ ـ ٢ / ٤٠٣ وشرح ابن عقيل ، ٢ / ١٣٣ وشرح الأشموني ، ٢ / ٧٥ ، لا تجزعي : لا تحزني ، والمنفس اسم فاعل من أنفس لغة في نفس بضم الفاء نفاسة والمراد به المال النفيس ، والإهلاك ، الفناء.

(١٠) نصّ ابن يعيش وابن هشام وصاحب الخزانة على أن سيبويه لا يثبت زيادة الفاء في الخبر وقد زيدت في هذا البيت للضرورة. وانظر الكتاب ، ١ / ١٣٨ وشرح المفصل ، ١ / ١٠٠ والمغني ، ١ / ١٦٦ وخزانة الأدب ، ١ / ٣١٥.

١٤٩

ذكر جواز حذف المبتدإ والخبر (١)

يجوز حذف كلّ من المبتدأ والخبر عند قيام القرينة الدّالة على خصوصهما ، فمن أمثلة حذف المبتدأ قول المستهلّ : الهلال والله ، والمعنى : هذا الهلال ، ومثال حذف الخبر ، خرجت فإذا السبع ، والمعنى فإذا السبع موجود ، لأنّ هذه ، «إذا» للمفاجأة (٢) يحذف الخبر بعدها إذ لا يفاجأ الشيء إلّا بعد وجوده (٣).

ذكر وجوب حذف الخبر (٤)

ويحذف الخبر وجوبا في كلّ موضع ينضمّ إلى القرينة الدّالّة عليه لفظ يلتزم في موضعه نحو : لو لا زيد لكان كذا ، فلو لا ، تدلّ على امتناع ما بعدها لوجود ما / قبلها فهي تدلّ على الوجود المستلزم للخبر ، الذي هو موجود ، وقد التزم في موضع الخبر ، جواب لو لا الذي هو لكان كذا ، فقد حصل الأمران ، القرينة الدّالة ، واللفظ الملتزم ، فلو أثبتّ الخبر وقلتّ : لو لا زيد موجود لكان كذا ، لم يجز (٥) وكذلك : لعمرك لأفعلنّ ، فلعمرك تدلّ على أنه مقسم به ، والمشعر بقسمي هو الخبر ، وجواب القسم الذي هو لأفعلنّ ، لفظ التزم موضع الخبر ، فحصل الأمران فوجب الحذف فلو أثبتّ الخبر وقلت : لعمرك قسمي لأفعلنّ لم يجز (٦) وكذلك يحذف الخبر وجوبا في قولهم : ضربي زيدا قائما ، فضربي في تقدير الرفع بالابتداء وقد أضيف إلى الفاعل ، وزيدا مفعول ضربي ، وقائما ، لفظ التزم موضع الخبر وتقديره ضربي زيدا حاصل إذا وجد قائما ، فحذف الخبر الذي هو حاصل قياسا كما تحذف متعلّقات الظروف ثم حذف

__________________

(١) الكافية ، ٣٨٧.

(٢) كذا في الأصل وفي شرح الوافية ، ١٨٠ «وهذه إذا التي للمفاجأة».

(٣) لكونها دالة على الوجود ، ولا تحصل المفاجأة إلا بعد الوجود ويرى المبرد أنها ظرف وليست حرفا ، انظر شرح الوافية ، ١٨٠ المقتضب ، ٣ / ١٧٨ وشرح الكافية ، ١ / ١٠٣ والمغني ، ١ / ٨٧.

(٤) الكافية ، ٣٨٧.

(٥) شرح الوافية ، ١٨٠ والإنصاف ، ١ / ٧٠ وشرح المفصل ، ١ / ٩٥ وشرح الكافية ، ١ / ١٠٤.

(٦) شرح الوافية ، ١٨٠ وشرح التصريح ، ١ / ١٨٠.

١٥٠

الذي هو «إذا وجد» لدلالة معموله الذي هو «قائما» عليه فقائما دالّ على الظرف ، والظرف دال على متعلّقه الذي هو «حاصل» والدّالّ على الدّال على الشيء ، دال على ذلك الشيء فقائما دالّ على حاصل ، وهو أيضا اللّفظ الذي التزم موضعه (١) وإذا كان الخبر بمعنى «مقترن» وحصل ما يدلّ عليه حذف وجوبا ، نحو : كلّ رجل وضيعته ومعنى ضيعته : حرفته (٢) وقد علم أنّ كلّ رجل مقترن مع حرفته ، فحذف الخبر الذي هو مقترن للعلم به ، ولأنّ الواو بمعنى مع فتدلّ على خصوصية الخبر ، وهي المقارنة وضيعته لفظ التزم مع الخبر فحصلت القرينة واللفظ الملتزم ، فوجب الحذف (٣).

ذكر وجوب حذف المبتدأ (٤)

وهو يحذف وجوبا فيما قطع خبره عن الوصفيّة نحو : الحمد لله الحميد برفع الحميد ، فالمبتدأ المحذوف «هو» لأنّ التقدير هو الحميد ، وكذلك يحذف إذا كان خبره مصدرا واقعا موضع الفعل نحو قوله تعالى : (طاعَةٌ)(٥) أي أمرنا يطاع وكذلك يحذف إذا كان خبره هو المخصوص بالمدح أو الذمّ نحو : نعم الرّجل زيد ، وبئس الرجل عمرو ، أي لما فيها من القرائن الدّالة عليه والتزام ما في موضعه.

ذكر تعدّد الخبر (٦)

وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا نحو : هذا حلو حامض ، أي جامع للطعمين وتلخيصه : هذا حلو بعضه ، وحامض بعضه ، وإلّا لزم التناقض في هذه المسألة (٧)

__________________

(١) شرح الكافية ، ١ / ١٠٥.

(٢) وصناعته وتجارته ، القاموس المحيط صنع.

(٣) شرح الوافية ، ١٨١ بتصرف يسير.

(٤) لم يذكر هذا المبحث صاحب المفصل (٢٣ ـ ٢٧) ولا صاحب الكافية ، ٣٨٦ ـ ٣٨٨ فهو من مباحث متفرقة.

(٥) من الآية ٨١ من سورة النساء ، وأولها : ويقولون طاعة.

(٦) المفصل ، ٢٧.

(٧) حاشية الصبان ، ١ / ١٢٢.

١٥١

وقد يكون له ثلاثة أخبار ، وأربعة أخبار ، كقول الشاعر : (١)

من يك ذا بتّ فهذا بتّى

مقيّظ مصيّف مشتّى

فهذا مبتدأ ، وبتّى خبر أول ، ومقيّظ خبر ثان ، ومصيّف خبر ثالث ، ومشتّى رابع ، وجاز ذلك لأنّ الخبر حكم ، وجاز أن يحكم على شيء واحد بأحكام كثيرة ولكن إن كان الخبران متضادّين / فليس كلّ منهما خبرا مستقلا بل هما نائبان عن واحد جامع للمعنيين كما قلنا في : هذا حلو حامض (٢).

ذكر خبر إنّ (٣)

المراد بخبر إنّ ، خبر اسم إنّ وهو المسند بعد دخول إنّ وأخواتها ، وشأن خبر إنّ كشأن خبر المبتدأ في أصنافه وأحواله وشرائطه ، أما أصنافه ، فمثل كونه مفردا وجملة ، وأما أحواله ، فمثل كونه نكرة ومعرفة ومشتقا وجامدا ومقدّما ومؤخّرا ومحذوفا ، وأمّا شرائطه ، فمثل كونه يلزمه الضمير إذا كان جملة أو مشتقا ، ولا يحذف إلّا لقرينة ، ولا يجوز أن يكون خبر اسم إنّ أمرا ولا نهيا ولا اسما مفردا في معنى الاستفهام كأين وكيف لوجوب التقديم ، وخبر إنّ لا يجوز أن يتقدّم على اسمها إلّا إذا كان ظرفا نحو : إنّ في الدّار زيدا للاتساع في الظروف ، لأنّه ما من اسم وفعل إلّا وهو في زمان أو مكان (٤).

ذكر خبر لا التي لنفي الجنس (٥)

وهو المسند بعد دخول لا التي لنفي الجنس ، واحترز بقوله بعد «لا» التي لنفي

__________________

(١) الرجز لرؤبة بن العجّاج ديوانه ٣ / ١٨٩ وورد منسوبا له في شرح الشواهد ١ / ١٢٢ وشرح شواهد ، ابن عقيل ، للجرجاوي ٤٢ وفتح الجليل ، للعدوي ، ٤٢ ومن غير نسبة في الكتاب ٢ / ٨٤ وأمالي بن الشجري ، ٢ / ٢٥٥ والإنصاف ، ٢ / ٧٢٥ وشرح المفصل ، ١ / ٩٩ ولسان العرب ، بتت وشرح ابن عقيل ، ١ / ٢٥٧ وشرح الأشموني ، ١ / ٢٢٢ وهمع الهوامع ، ١ / ١٠٨. البتّ كساء غليظ مهلهل ، مربّع أخضر ، والقيظ شدة الحرّ.

(٢) همع الهوامع ، ١ / ١٠٨.

(٣) الكافية ، ٢٨٧.

(٤) شرح الوافية ، ١٨١ ـ ١٨٢ وانظر شرح المفصل ، ١ / ١٠٢ وشرح الكافية ، ١ / ١١١.

(٥) الكافية ، ٣٨٧ ـ ٣٨٨.

١٥٢

الجنس عن المسند بعد دخول «لا» المشبّهة بليس نحو : لا غلام خيرا منك برفع غلام ونصب خيرا منك ، فإنّ خيرا منك ، مسند بعد دخول «لا» باعتبار لفظ «لا» وهما أمران متميّزان ، وأما مثال خبر لا التي لنفي الجنس فنحو : قولك : لا غلام رجل ظريف بنصب غلام ورفع ظريف ، والنحويون يمثّلون في هذا الموضع بقولهم : لا رجل ظريف (١) ، وليس يحسن في التمثيل لاحتمال أن يكون ظريف صفة لرجل ، وقد رفعت حملا على محلّه بخلاف : لا غلام رجل ظريف فإنّه لا يحتمل غير الخبريّة لأنّ المضاف المنفي ، لا يوصف إلا بمنصوب فوجب أن لا يكون ظريف المرفوع صفة له ، ويتعيّن أن يكون خبرا ليس إلّا (٢) وأهل الحجاز يحذفون خبر لا التي لنفي الجنس كثيرا نحو : لا إله إلّا الله والتقدير : لا إله في الوجود إلّا الله (٣) وكذلك القول في : (٤)

لا سيف إلّا ذو الفقار

ولا فتى إلّا علي

وبنو تميم لا يثبتونه لفظا في كلامهم ، فإذا قلت : لا رجل أفضل منك ورفعت أفضل تعيّن للخبر على لغة أهل الحجاز ، وأمّا بنو تميم فلا يرفعونه أصلا ، لئلّا يتعين للخبريّة بل ينصبونه على الصّفة ويكون الخبر محذوفا تقديره في الوجود (٥).

__________________

(١) ومنهم ابن جني في اللمع ، ٤٦ وابن مالك في شرح التسهيل ، ٢ / ٦٨ وابن عقيل في شرح الألفية ، ٢ / ١٧.

(٢) هذا ما ذكره ابن الحاجب في شرح الكافية ، ١ / ١٧٠ مفضلا تمثيله في الكافية ، ب «لا غلام رجل ظريف فيها» على تمثيل النحويين بلا رجل ظريف قال : والنحويون يمثلون في هذا الموضع بقولهم : «لا رجل ظريف» وليس يحسن في التمثيل لأمرين :

أحدهما : أنه في الظاهر صفة ، ولا يليق بذي الفهم أن يمثل بمثال ظاهر في غير ما قصد تمثيله ، وأقله الاحتمال فيكره أيضا لذلك ، وهذا المثال «لا غلام رجل ظريف» لا يحتمل أن يكون ظريف إلّا خبرا لأن المضاف المنفي لا يوصف إلّا بمنصوب فوجب أن لا يكون صفة فزال الاحتمال عنه فحسن التمثيل به.

الثاني : هو أنا نقول بعد ذلك : وبنو تميم لا يثبتون الخبر مع «لا» فإذا كان التمثيل ب «لا رجل ظريف» غلب على الظن امتناع هذه في لغتهم فيوقع ذلك في الخطأ لأنهم يقولون بها» والظاهر أن الرضي أيضا في شرح الكافية ، ١ / ١١١ قد نقل ذلك.

(٣) شرح الوافية ، ١٨٢ وانظر شرح التصريح ، ١ / ٢٤٦.

(٤) روي هذا الرجز من غير نسبة في المقاصد الحسنة للسخاوي ٤٦٦ وكتاب الطيب من الخبيث للشيباني ١٩٣.

(٥) شرح الوافية ، ١٨٣ وانظر شرح المفصل ، ١ / ١٠٧ وتسهيل الفوائد ، ٦٧ وشرح الكافية ، ١ / ١١٢ وشرح

١٥٣

ذكر اسم ما ولا المشبّهتين بليس (١)

وهو المسند إليه بعد دخولهما ، وهما يرفعان الاسم وينصبان الخبر كقوله تعالى : (ما هذا بَشَراً)(٢) وقوله تعالى : (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ)(٣) و «ما» أكثر مشابهة لليس من «لا» لكونها لنفي الحال كليس ، ولا للنفي المطلق ، ولذلك تعمل «ما» في المعرفة والنكرة ، و «لا» ، لا تعمل إلّا في النكرة (٤) ولذلك كان عمل «لا» قليلا ، وقد جاء في الشعر (٥).

من صدّ عن نيرانها

فأنا ابن قيس لا براح

أي ليس لي براح.

ذكر المنصوبات (٦)

المنصوب ما اشتمل على علم المفعوليّة وهي : المفعول المطلق ثم المفعول به ، وهو أربعة أقسام / : ١ ـ السّماعيّ ، ٢ ـ المنادى ٣ ـ ما أضمر عامله على شريطة التفسير ٤ ـ التحذير ، ثم بعد المفعول به ، المفعول فيه ، ثم المفعول له ، ثمّ الحال ، ثم التمييز ، ثم المستثنى ثم خبر كان ، ثم اسم إنّ ، ثم منصوب لا التي لنفي الجنس ، ثمّ خبر ما ولا المشبّهتين بليس.

__________________

التصريح ، ١ / ٢٤٦ وشرح الأشموني ، ٢ / ١٧.

(١) الكافية ، ٣٨٨.

(٢) من الآية ٣١ من سورة يوسف.

(٣) من الآية ٢ من سورة بالمجادلة.

(٤) شرح المفصل ، ١ / ١٠٨ ـ ١٠٩.

(٥) البيت لسعد بن مالك القيسيّ ورد منسوبا له في الكتاب ، ١ / ٥٨ والحلل ، ٣٢٥ وأمالي ابن الشجري ، ١ / ٢٨٢ ـ ٣٢٣ ، وشرح التصريح ، ١ / ١٩٩ وشرح شواهد ، المغني ، ٢ / ٥٨٢ ـ ٦١٢ وشرح الشواهد ، للعيني ، ١ / ٣٥٤ وخزانة الأدب ، ١ / ٤٦٧ ـ ٢ / ١٧٢ ومن غير نسبة في المقتضب ، ٤ / ٣٦٠ والإنصاف ، ١ / ٣٦٧ وشرح المفصل ، ١ / ١٠٨ وشرح الكافية ، ١ / ١١٢ ورصف المباني ، ٢٦٦ ومغنى اللبيب ، ١ / ٢٣٩ ـ ٢ / ٦٣١ وهمع الهوامع ، ١ / ١٢٥ وشرح الأشموني ، ١ / ٢٥٤. صد : أعرض والضمير في نيرانها يرجع إلى الحرب.

(٦) الكافية ، ٣٨٨.

١٥٤

ذكر المفعول المطلق (١)

وإنّما سمّي بذلك لأنّه غير مقيّد بحرف كالمفعول به وله ومعه وفيه ، ورسمه بأنّه اسم ما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه نحو : ضربت ضربا ، وقعد جلوسا ومات موتا ، واحترز بقوله : اسم عمّا فعله فاعل فعل مذكور بمعناه وليس باسم نحو : ضرب الثاني في قولنا : ضرب ضرب ، وبقوله : مذكور عن كرهت القيام ، فإنّ القيام ليس مفعولا مطلقا إذ ليس فعل فاعل القيام مذكورا ، وبقوله : بمعناه ، عن مثل كرهت قيامي ، فقيامي وإن صدق عليه أنّه بمعناه لأنّ معنى القيام غير معنى الكراهة (٢) والمفعول المطلق إن لم يكن مدلوله زائدا على مدلول الفعل فهو للتأكيد كضرب ضربا ، وإن كان زائدا بأن دلّ على هيئة (٣) صدور الفعل فهو للنوع كجلست جلسة بكسر الجيم ، ومنه ما يدلّ على النّوع باسم خاصّ نحو : رجع القهقرى ، والقهقرى الرجوع إلى خلف : فإذا قلت : رجعت القهقرى فكأنّك قلت : رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم ، ومن المفعول المطلق ما يدلّ على النوع بالصفة نحو : ضربت ضربا شديدا وضربت أيّ ضرب ، أو الضّرب الذي تعرفه ، أو ضربت ضرب الأمير ، وإن دلّ على مرة أو مرات صدور الفعل فهو للعدد ، كجلست جلسة بفتح الجيم وجلسات (٤).

واعلم أنّ المفعول المطلق الذي هو للتأكيد لا يثنّى (٥) ولا يجمع لأنّه للحقيقة المشتركة ولا كثرة فيها ، وأمّا الذي للنوع فيثنّى ويجمع ، لأنّه يمكن اجتماع نوعين وأنواع نحو : جلست جلستين أي على هيئتين من الجلوس وكذلك ضربت الضربتين اللذين تعرفهما ، وكذلك الذي للعدد يثنّى ويجمع أيضا ، لأنّه إذا اجتمع مرّتان أمكن تثنيته وإذا اجتمع مرات أمكن جمعه قولك : جلست جلستين بفتح الجيم ، أي جلست

__________________

(١) الكافية ، ٣٨٨.

(٢) شرح الكافية ، ١ / ١١٤.

(٣) غير واضحة في الأصل.

(٤) شرح المفصل ، ١ / ١١١ وشرح التصريح ، ١ / ٣٢٣.

(٥) غير واضحة في الأصل.

١٥٥

دفعتين أو مرّتين.

ذكر جواز حذف الفعل (١)

وقد يحذف الفعل عند قيام قرينة دالّة عليه كقولك للقادم من سفره : خير مقدم ، أي قدمت خير مقدم (٢).

ذكر وجوب حذف الفعل (٣)

ويجب حذف الفعل الناصب للمفعول المطلق ، وذلك على ضربين : الأول : سماعي ، وهو مصادر كثر استعمالها فحذفت أفعالها تخفيفا / نحو : حمدا وشكرا وسقيا ورعيا ، فإنه (٤) لو كان ذكر الفعل مع المصدر جائزا لوقع ، ولو وقع لنقل ولمّا لم ينقل دلّ على أنّه لم يقع ، ولمّا لم يقع دلّ على أنّه غير جائز (٥) والثاني : قياسي في أبواب : (٦)

منها : أن يكون المصدر مثبتا بعد نفي ، أو معنى نفي ، داخل على اسم بشرط ألّا يصحّ أن يكون خبرا عن الاسم المتقدّم نحو : ما زيد إلّا سيرا ، فإذا وجد ذلك ، وجب حذف الفعل لحصول القرينة على خصوص الفعل ، ووقوع لفظ إلّا أو ما يقوم مقامها في موضع الفعل المحذوف ، ومعلوم أنّ سيرا مصدر مثبت بعد نفي ، ولا يصحّ أن يكون خبرا عن الاسم المتقدم الذي هو زيد ، ومثال الواقع بعد معنى النفي : إنّما أنت سيرا لأنّ معناه ما أنت إلّا سيرا ، واحترز بقوله : مثبت عن مثل : ما زيد سيرا ، وبقوله : بعد نفي ، عن زيد سيرا ، وبقوله : لا يصحّ أن يكون خبرا ، عن نحو : ما سيري إلّا سير (٧).

__________________

(١) الكافية ، ٣٨٨.

(٢) بعدها في شرح الوافية ، ١٨٦ «وجاز حذف قدمت لدلالة القرينة الحالية عليه».

(٣) الكافية ، ٣٨٨.

(٤) غير واضحة في الأصل.

(٥) شرح الوافية ، ١٨٦ والتشابه تام. وانظر شرح المفصل ، ١ / ١٤ والهمع ، ١ / ١٩٠ ـ ١٩١.

(٦) الكافية ، ٣٨٨.

(٧) شرح الوافية ، ١٨٦ بتصرف يسير.

١٥٦

ومنها : أن يقع المفعول المطلق مكرّرا في موضع خبر عن اسم ولم يصلح أن يكون خبرا عنه ، نحو : زيد سيرا سيرا والتقدير يسير سيرا ، ومعلوم أنّ سيرا لا يصلح أن يكون خبرا عن زيد فالقرينة حاصلة والمصدر الأوّل لفظ التزم موضع الفعل المحذوف (١).

ومنها : أن تتقدّم جملة لها آثار وتذكر الآثار بلفظ المصدر (٢) كقوله تعالى : (فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً)(٣) فشدّوا الوثاق ، جملة متقدّمة لها في الوجود آثار ، وهي المنّ والفداء والاسترقاق والقتل ، فإذا ذكر (٤) هذه الآثار وجب حذف الفعل لأنّ الجملة تدلّ على آثارها ، وقد وقع لفظها في موضع الفعل فوجب حذفه (٥).

ومنها : أن يقع المفعول المطلق للتشبيه بعد جملة مشتملة على اسم بمعنى المفعول المطلق ، وعلى صاحب ذلك الاسم كقولك : لزيد صوت صوت حمار (٦) واحترز بقوله : للتشبيه عن مثل : لزيد صوت صوت حسن ، فإنّ الثاني مرفوع على البدل (٧) واحترز بقوله : بعد جملة ، عن مثل : الصوت صوت حمار ، وبقوله : مشتملة على اسم بمعنى المفعول المطلق ، عن نحو : مررت بزيد فإذا له ضرب صوت حمار ، فإنّ الضّرب ليس بمعنى الصوت. وبصاحب الاسم عن مثل : في الدار صوت صوت حمار ، ووجب حذف الفعل لأنّ في الكلام قرينة تدلّ عليه ، والجملة لفظ التزم موضعه (٨) وتقديره : مررت فإذا هو يصوّت صوت حمار.

ومنها : (٩) أن يقع المفعول المطلق مضمون جملة لا احتمال لتلك الجملة غير

__________________

(١) شرح الوافية ، ١٨٧ وشرح التصريح ، ١ / ٣٣٢.

(٢) الكافية ، ٣٨٨.

(٣) من الآية ٤ من سورة محمد.

(٤) كذا في الأصل وفي شرح الوافية ، ١٨٧ فإذا ذكرت هذه الآثار.

(٥) شرح الوافية ، ١٨٧ والتشابه تام.

(٦) الكافية ، ٣٨٨.

(٧) لأنه غير تشبيهي. وانظر شرح التصريح ، ١ / ٣٣٤.

(٨) أي في موضع الفعل المقدر ، شرح الوافية ، ١٨٨.

(٩) الكافية ، ٣٨٨ ـ ٣٨٩.

١٥٧

ذلك المفعول المطلق ، أو يقع المفعول المطلق مضمون جملة لها احتمال غير ذلك المفعول المطلق.

فمثال الأول : له عليّ ألف درهم اعترافا ، فله عليّ ألف درهم جملة لا احتمال لها غير الاعتراف ويسمّى هذا القسم توكيدا لنفسه ، لأنّه يؤكّد مضمون الجملة الذي / هو عين الاعتراف (١) ومثال الثاني : زيد قائم حقّا ، فحقّا وقع مضمون زيد قائم ، وهو يحتمل أن يكون حقا وغير حقّ ، فحقّا أكّد أحد احتماليه ، ويسمّى هذا القسم توكيدا لغيره ، وحقّا منصوب بفعل مضمر ، والتقدير أحقّ ذلك حقّا ، قال الزجاج : (٢) ولا يجوز تقديم حقّا ، كقولك : حقّا زيد قائم ، قال فإن وسّطته فقلت : زيد حقّا قائم ، جاز وذلك لأنّك لما ذكرت الكلام الذي يجوز أن تكون فيه شاكّا ، وأن تكون متيقنا ، جاز لك حينئذ أن تضمر اللّفظ الدّال على أحد الأمرين وهو أحقّ حقّا (٣) ولم يذكر سيبويه امتناع تقديمه (٤) ومن التأكيد لغيره قولهم : قد فعل ذلك البتّة ، قال سيبويه (٥) ولا يستعمل إلّا بالألف واللام ، وهو من بتّ كذا يبتّه إذا قطعه.

ومنها : أن يقع المفعول المطلق مثنّى للتكثير ، ومن أحكامه أنّه لا يستعمل إلّا مضافا غالبا نحو : لبّيك وسعديك ودواليك وهذاذيك إذا كانت التثنية لغرض تأكيد الكثرة لا لقصد التثنية المحقّقة (٦) ، أمّا لو قصدت التثنية من غير نظر إلى الكثرة نحو قوله تعالى : (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ)(٧) لم يجب حذف الفعل ، ومما جاء مثنّى قولهم : حذ اريك أي احذر حذرا بعد حذر ، وحواليك ، ومعناه الإحاطة من جميع الجهات وقد

__________________

(١) ولذا يسميه النحويون توكيدا لنفسه ، شرح الكافية ، لابن الحاجب ١ / ١٨٩.

(٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل ، كان من أكابر أهل العربية ، حسن العقيدة ، جميل الطريقة صنّف مصنفات كثيرة منها : كتاب المعاني في القرآن وكتاب الفرق بين المؤنث والمذكر وغير ذلك ، توفي ٣١١ ه‍. انظر ترجمته في الفهرست ، ٩٠ ونزهة الألباء ، ٢٤٤ وإنباه الرواة ، ١ / ١٥٩ وبغية الوعاة ، ١ / ٤١١ والأعلام ، ١ / ٣٣.

(٣) انظر رأي الزجاج في شرح المفصل ، ١ / ١١٦ ، وشرح الكافية ، ١ / ١٢٥.

(٤) وقد أشار إلى جواز ذلك سيبويه بقوله : أجدّك لا تفعل كذا وكذا ، كأنه قال : أحقّا لا تفعل كذا وكذا.

الكتاب ، ١ / ٣٧٩ وشرح المفصل ، ١ / ١١٦.

(٥) الكتاب ، ١ / ٣٧٩.

(٦) شرح الوافية ، ١٨٩ وانظر شرح المفصل ، ١ / ١٨.

(٧) من الآية ٤ من سورة الملك ، وفي الأصل فارجع.

١٥٨

استعملوا واحده فقالوا : حوالك ، ومنه : حنانيك أي تحنّنا بعد تحنّن ، قال طرفة : (١)

أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا

حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض

ولبّيك وسعديك لا يفرد فيهما الواحد لأنّهما وضعا بلفظ التثنية للتكثير ، ولم يستعمل منهما مفرد ، ولبّيك مأخوذ من ألبّ على كذا ، إذا داوم عليه (٢) فكأنّه قال : دواما على طاعتك مرّة بعد مرّة ، وسعديك معناه مساعدة لك بعد مساعدة ، فقام لبّيك وسعديك مقام دواما ومساعدة ، وإذا قال الملبّي : لبّيك اللهمّ وسعديك فمعناه دواما على طاعتك ومتابعة لأمرك فهذا منصوب بفعل من معناه ، لا من لفظه بخلاف سقيا ورعيا وبخلاف حنانيك أيضا ، فإنّ الفعل يمكن تقديره من لفظه نحو : تحنّن أي ارحم وهذا مما يقوّي إفراده (٣) ودواليك من المداولة قال الشّاعر : (٤)

إذا شقّ برد شقّ بالبرد مثله

دواليك حتّى كلّنا غير لابس

وهو في موضع الحال ، أي متداولين ، وهذا ذيك : معناه السّرعة ويقال ذلك في الضّرب (٥) قال الشّاعر : (٦)

__________________

(١) طرفة بن العبد ، كان من أشعر الناس ومن أحدث الشعراء سنّا ، وأقلهم عمرا قتل وهو ابن عشرين سنة انظر أخباره في طبقات فحول الشعراء ، ١ / ١١٧ ومعجم الشعراء ، ١٤٦ ، والبيت ورد في ديوانه ، ٦٦ وورد منسوبا له في الكتاب ١ / ٣٤٨ وشرح التصريح ، ٢ / ٣٧ وهمع الهوامع ، ١ / ١٩٠ ، ومن غير نسبة في المقتضب ، ٣ / ٢٢٤ ، وكتاب الحلل ، ٢٤٨ وشرح المفصل ، ١ / ١١٨. وأبو منذر كنية عمرو بن هند.

(٢) تاج العروس ، ألب.

(٣) شرح المفصل ، ١ / ١١٩.

(٤) البيت لسحيم عبد بني الحسحاس ، ورد في ديوانه ، ١٦ ونسب له في الكتاب ، ١ / ٣٥٠ وكتاب الحلل ، ٣٥٥ وشرح المفصل ، ١ / ١١٩ وشرح المفصل ، ١ / ١١٩ وشرح التصريح ، ٢ / ٣٧ وخزانة الأدب ، ٢ / ٩٩ ومن غير نسبة في مجالس ثعلب ، القسم الأول ، ١٣٠ ـ والخصائص ، ٣ / ٤٥ وهمع الهوامع ، ١ / ١٨٩ ، وكثير ممن روى البيت رواه مكسور الروي ويروى «ما لذا البرد لابس» ففيه إقواء انظر حاشية الكتاب ، ١ / ٣٥٠. البرد : الثوب من أي شيء كان وشقّ البرد ، معناه أنّ العرب كانوا يقولون : إنّ المتحابين إذا شقّ كلّ واحد منهما برد صاحبه دامت مودّتهما.

(٥) الهذّوالهذذ : سرعة القطع ، وسرعة القراءة يقال : ضربا هذا ذيك أي هذّا بعد هذّ ، يعني قطعا بعد قطع.

هذذ لسان العرب.

(٦) الرجز للعجّاج ، وقبله :

حتّى يقضّي الأجل المقضّى.

ورد في ديوانه ، ٢ / ٣٦ ورد منسوبا له في المحتسب ، ٢ / ٢٧٩ والحلل ، ٣٥٤ وشرح المفصل ، ١ / ١١٩

١٥٩

ضربا هذا ذيك وطعنا وخضا

أي هذّا بعد هذّ من كلّ وجه أي إسراعا بعد إسراع ، وهذّ في القراءة وغيرها أي أسرع.

ذكر المفعول به (١)

وحدّه بأنّه الذي يقع عليه فعل الفاعل ، والمراد بالوقوع التعلّق / ليدخل نحو : ما ضربت زيدا ، والمراد بالتعلّق هو تعلّق الفعل بشيء لا يعقل الفعل إلّا بعد أن (٢) يعقل ذلك الشيء (٣) واحترز بقوله : يقع عليه ، من باقي المفاعيل فإنّ الفعل يقع في الظرف أي يحدث فيه ، ويقع لأجل المفعول له ، ومع المفعول معه ، وأما المفعول المطلق فهو نفس المعنى الواقع من الفاعل ، وقد يتقدّم المفعول به على الفعل العامل فيه (٤) ، لأنّ الفعل قوي في العمل ، نحو : زيدا ضربت ، وقد يحذف المفعول به وهو مراد نحو : (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ)(٥) أي رحمه ، وقد يجعل نسيا نحو : فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع ، وقد يحذف الفعل الناصب للمفعول به جوازا لقرينة تدلّ عليه كقولك : زيدا ، لمن قال : من أضرب؟ أي : اضرب زيدا (٦).

ذكر ما يجب حذفه من الأفعال

ويجب حذف الفعل النّاصب للمفعول به في أربعة أبواب الأول : سماعيّ ، والثلاثة الباقية قياسية وهي : المنادى ، وما أضمر عامله على شريطة التفسير ، والتحذير.

__________________

وشرح التصريح ، ٢ / ٣٧ وخزانة الأدب ، ٢ / ١٠٦. ومن غير نسبة في الكتاب ، ١ / ٣٥٠ ومجالس ثعلب القسم الأول ، ١٣٠ وشرح الكافية ، ١ / ١٢٦ ولسان العرب ، هذذ ، وهمع الهوامع ، ١ / ١٨٩ الوخض : أن يدخل الرمح في الجوف ولا ينفذ.

(١) الكافية ، ٣٨٩ وانظر المفصل ، ٣٤ وشرح الوافية ، ١٨٩.

(٢) زيادة يستقيم بها الكلام.

(٣) شرح الكافية ، ١ / ١٢٧ وشرح شذور الذهب ، ٢١٣ وعزاه ابن هشام في شرح القطر ، ٢٨٠ لابن الحاجب.

(٤) الكافية ، ٣٨٩.

(٥) من الآية ٤٣ من سورة هود. و «من أمر الله» سقط من الأصل.

(٦) شرح الوافية ، ١٨٩.

١٦٠