كتاب الكنّاش في فنّي النّحو والصّرف - ج ١

عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيّوبي [ صاحب الحماة ]

كتاب الكنّاش في فنّي النّحو والصّرف - ج ١

المؤلف:

عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيّوبي [ صاحب الحماة ]


المحقق: الدكتور رياض بن حسن الخوّام
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
ISBN: 9953-34-369-1
ISBN الدورة:
9953-34-369-1

الصفحات: ٤١٥
الجزء ١ الجزء ٢

ذكر السّماعي

وهو نحو قولهم : امرأ ونفسه (١) ، أي اترك امرأ ونفسه وأهلا وسهلا (٢) ، أي أتيت مكانا مأهولا ومكانا سهلا ، وكقوله تعالى : (انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ)(٣) أي انتهوا عن التثليث واقصدوا خيرا لكم فالفعل المحذوف المقدّر اقصدوا (٤).

ذكر المنادى (٥)

المنادى هو القسم الثاني من أقسام المفعول به الذي حذف فعله الناصب له بضابط قياسي ، وحدّ المنادى : أنه المطلوب إقباله بأحد الحروف النائبة مناب أدعو لفظا نحو : يا زيد ، معناه أدعو زيدا ، فهو مفعول به بفعل مقدّر لا يجوز إظهاره ووجب الحذف للقرينة الدّالّة ، ولوقوع حرف النداء موقع الفعل أو تقديرا كقوله تعالى : (يُوسُفُ أَعْرِضْ)(٦) والمنادى يبنى على ما يرفع به إن كان مفردا معرفة ، وإنّما بني لشبهه بالمضمر (٧) ، لأنّه لا ينفكّ في المعنى عن كونه مخاطبا معيّنا ، وحكم المخاطب أن يكون مضمرا (٨) والمراد بالمفرد ما لم يكن مضافا ولا مشابها

__________________

(١) الكتاب ، ١ / ٢٩٧.

(٢) الكتاب ، ١ / ٢٩٥.

(٣) من الآية ١٧١ من سورة النساء.

(٤) هذا ما ذهب إليه الخليل وسيبويه ، ومذهب الكسائي وأبي عبيدة هو خبر ليكن محذوفة ، ومذهب الفراء انتهاء خيرا لكم فهو نعت لمصدر محذوف دل عليه الفعل انتهوا ، انظر لذلك الكتاب ١ / ٢٨٢ ومجاز القرآن لأبي عبيدة ومعاني القرآن للفراء ١ / ٢٩٥ وإعراب القرآن ـ م ـ للزجاج ، القسم الأول ١٩ ، والتبيان ١ / ٤١١ ، والبيان للأنباري ، ١ / ٢٧٨ والبحر المحيط ، ٣ / ٤٠٠ ـ ٤٠١ وأنوار التنزيل للبيضاوي ، ١٦١ وفتح القدير ١ / ٥٤٠ ـ ٥٤١.

(٥) الكافية ، ٣٨٩.

(٦) من الآية ٢٩ من سورة يوسف.

(٧) بعدها في شرح الوافية ، ١٩١ «من حيث اللفظ والمعنى أما اللفظ فلكونه مفردا وأما المعنى فلأن المنادى في المعنى لا ينفك ...».

(٨) انظر الإنصاف ، ١ / ٣٢٣ وهمع الهوامع ، ١ / ١٧٢.

١٦١

له ، وقال السّيد : (١) ولا جملة أيضا (٢) ، نحو : يا زيد ، ويا زيدان ويا زيدون ، وقال النّيليّ (٣) وحركة بنائه تشبه حركة الإعراب في كون كلّ منهما طارئة ، فلذلك ثبت تنوينه حال بنائه (٤) في قول الشّاعر (٥) :

أمحمّد ولأنت صنو نجيبة

من قومها والفحل فحل معرق

وإن كان المنادى مضافا نحو : يا عبد الله أو مشبّها بالمضاف نحو : يا طالعا جبلا ، أو نكرة (٦) نحو : يا رجلا لغير معيّن ، بطل البناء لزوال مقتضيه ، وأعربت بالنّصب لأنّ كلّ واحد منها مفعول به ، وأمّا إذا قلت : يا رجل ، لمعيّن فإنك تبنيه على الضم أيضا مثل : يا زيد ، لأنّه يتعرّف بالقصد (٧) / وإن جئت بلام الاستغاثة في المنادى (٨) خفضته لأنّ حرف الجرّ لا يلغى في مثله ، كقولك : يا لزيد ، ولام

__________________

(١) هو الحسن بن محمد بن شرفشاه العلوي الاستراباذي السيد ركن الدين كان عالما بالحكمة والعربيّة وتكلّم في أصول الفقه ودرّس بالمدرسة النوريّة ثم السلطانيّة وشرح مقدمة ابن الحاجب بثلاثة شروح ؛ الكبير ، والمتوسط والصغير وشرح الشافية في التصريف. توفي سنة ٧١٥ ه‍ انظر ترجمته في المختصر ، ٢ / ٢٦٣ وبغية الوعاة ، ١ / ٥٢١.

(٢) قال السيد في الوافية في شرح الكافية المسمى بالشرح المتوسط «والمراد بالمفرد ما لم يكن مضافا ومشابها له ولا جملة» انظر الوافية ، المخطوطة ، الورقة ٨٧ و.

(٣) هو إبراهيم بن الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم بن ثابت الطائي ، تقي الدين النيلي شارح الكافية ، من أهل القرن السابع ، لم تذكر كتب التراجم شيئا عنه سوى ما ذكرناه أنظر بغية الرعاة ، ١ / ٤١٠ ومفتاح السعادة ، ومصباح السيادة ، لطاش كبرى زاده ١ / ١٨٦ وتاريخ الأدب العربي ، لكارل بروكلمان ٥ / ٣٢٤.

ومجلة المورد العراقية ، المجلد الثاني العدد الثاني ، حزيران ، ١٩٦.

(٤) قال النيليّ في شرح الكافية ، «وقوله ـ أي ابن الحاجب ـ يرفع على لفظه أي على لفظ المنادى ، وإنما جاز أن تجري حركة المعرب على حركة المبنيّ ، لأنّ حركته تشبه حركة الإعراب في كونها طارئة كما أن حركة الإعراب طارئة ... ولشبه هذه الحركة بحركة الإعراب نونوه معها قال : أمحمد (البيت) المخطوطة الورقة ، ٥٠ وانظر شرح المفصل ، ١ / ١٢٩ ـ ٢ / ٢.

(٥) البيت لقتيلة (ليلى) بنت النّضر بن الحارث وقد روي منسوبا لها في البيان والتبيين للجاحظ ، ٤ / ٣٤ ـ ٤٤ والسيرة ، لابن هشام ٢ / ٤٧٤ وديوان الحماسة ، لأبي تمام ١ / ٥٦٤ ومعجم البلدان ، ١ / ٩٤ والعقد الفريد ، لابن عبد ربه ٣ / ٢٦٥ ـ ٢٦٦ وحاشية الشيخ ياسين على التصريح ، ٢ / ٢٥٤ وانظر لسان العرب ، مادة عرق.

(٦) الكافية ، ٣٨٩.

١٦٢

الاستغاثة تكون مفتوحة لما ذكرنا من مشابهة المنادى للمضمر ، ففتحت معه كما تفتح مع المضمر في نحو : لك وله فإن عطفت على المستغاث به نحو : يا لزيد ولعمرو ، كسرت لام المعطوف لأنّه يجوز في التوابع ما لا يجوز في المتبوعات والاستغاثة استدعاء مدعوّ طلبا للنصرة والمعونة ، فإن أتيت بألف الاستغاثة نحو : يا زيداه فتحت آخره ، ولا يجمع بين ألف الاستغاثة والّلام فلا يقال : يا لزيداه ، لأنّ اللام توجب كسر آخره والألف توجب فتحه فتدافعا (١).

ذكر إعراب توابع المنادى (٢)

توابع المنادى المبنيّ إذا كانت مفردة ، أو في حكم المفردة نحو : يا زيد العاقل ، ويا زيد الحسن الوجه ، ترفع حملا على لفظه ، وتنصب حملا على محلّه ، فتقول : يا تميم أجمعون وأجمعين (٣) ونحو ذلك ، وأمّا توابع المعرب (٤) نحو : يا عبد الله الظريف فهو بنصب الظريف ، ليس إلّا ، لأنّك إن حملته على اللّفظ فهو منصوب ، وإن حملته على الموضع فهو كذلك ، وأمّا توابع المبنيّ المضافة ؛ فإنّها إن كانت مضافة إضافة حقيقيّة ، نحو : يا زيد غلام عمرو ، وجب نصبها حتما ، وأمّا إذا لم تكن الإضافة حقيقيّة نحو : يا زيد الحسن الوجه فإنّه يجوز فيه الرّفع والنصب ، وإن عطفت على المنادى المبنيّ ما يلزمه الّلام نحو : الصّعق (٥) فنصبه عند المبرّد أوجه (٦) ، نحو : يا زيد والرجل والصّعق بنصبهما ، وإن كان المعطوف فيه اللام ولكن غير لازمة نحو : الحسن فرفعه عنده أوجه ، لأنّه يمكن انتزاع اللام منه وتقدير حرف النّداء فيه فيكون وجود الّلام فيه كعدمه ، بخلاف ما لم يجز انتزاع الألف والّلام فيه

__________________

(١) شرح الوافية ، ١٩١.

(٢) الكافية ، ٣٨٩ ـ ٣٩٠.

(٣) شرح الوافية ، ١٩٣ وشرح التصريح ، ٢ / ١٧٦.

(٤) في الأصل المغرب.

(٥) الصّعق : الشديد الصوت ، والصّعق الكلابي اسمه خويلد أحد فرسان العرب سمّي بذلك لأنه أصابته صاعقة ، وهي صفة تقع على كلّ من أصابه الصّعق ، ولكنه غلب عليه حتى صار بمنزلة زيد وعمر علما كالنجم. لسان العرب ، صعق.

(٦) المقتضب ، ٤ / ٢١٢ ـ ٢١٣ وشرح المفصل ، ٢ / ٣ وشرح الكافية ، ١ / ١٣٩.

١٦٣

نحو : الصّعق والنّجم فإنّه إذا لم يجز انتزاع الّلام منه لم يجز تقدير حرف النداء فيه فلذلك اختار رفع الحسن دون الصّعق ، والخليل يختار في المعطوف الرفع (١) سواء كان مما يلزمه الّلام كالصّعق أو لم يلزمه كالحسن ، وأمّا أبو عمرو (٢) فإنّه يختار النصب فيهما (٣) لأنّه تابع وتابع المبنيّ يكون تابعا لمحلّه ، دون لفظه ، وأمّا إن كان المعطوف بغير لام نحو : يا زيد وعمرو ، أو كان تابع المبنيّ بدلا نحو : يا رجل زيد كان هذا التابع كالمستقلّ ، بحيث يعطى حكم المنادى ، فيضمّ إن كان مفردا ، وينصب إن كان مضافا (٤).

ذكر المنادى المعرّف باللام (٥)

وإذا نودي المعرّف بالّلام لم يجز أن يباشر بحرف النّداء ولكن يتوصّل إليه بالاسم المبهم ، فيقال في ندائه : يا أيّها الرجل أو هذا ، أو ذا الرجل فالمنادى هو الاسم المبهم ، والرجل صفة للمبهم المنادى المذكور ، كأنّهم كرهوا ن يدخلوا حرف / تعريف على حرف تعريف (٦) ، وأمّا الهاء في أيّها (٧) ، فحرف تنبيه زادوه عوضا عمّا تستحقّه أيّ من الإضافة (٨) ، ويجوز الجمع بين أيّ وبين اسم الإشارة نحو : يا أيّهذا الرجل ، فالرجل نعت هذا ، وهذا نعت أيّ ، واسم الإشارة وأيّ ، كلّ منهما مبهم ، وأيّ أوغل في الإبهام لوقوعها على الواحد والجمع بلفظ واحد (٩)

__________________

(١) الكتاب ، ٢ / ١٨٧ والمقتضب ، ٤ / ٣١٢ وشرح المفصل ، ٢ / ٣ وشرح التصريح ، ٢ / ١٧٦ وشرح الأشموني ، ٣ / ١٤٩.

(٢) هو زبان بن العلاء أحد القرّاء السبعة المشهورين ، كان إمام أهل البصرة في القراءات والنحو واللغة قرأ على سعيد بن جبير ، وأخذ عنه أبو عبيدة ، والأصمعيّ توفي سنة ١٥٤ ه‍ انظر ترجمته في : وفيات الأعيان ، ٣ / ٤٦٦. والبلغة ، ٨١ وبغية الوعاة ، ٢ / ٢٣١.

(٣) وكذا يونس وعيسى بن عمر والجرمي ، شرح المفصل ، ٢ / ٣.

(٤) شرح الوافية ، ١٩٣ ـ ١٩٤.

(٥) الكافية ، ٣٩٠.

(٦) شرح الوافية ، ١٩٤.

(٧) غير واضحة في الأصل.

(٨) شرح التصريح ، ٥ / ١٧٤.

(٩) شرح المفصل ، ٢ / ٧.

١٦٤

والتزموا رفع المعرّف بالّلام المذكور لأنّه هو المقصود بالنّداء فجعلوا حركة إعرابه الحركة التي يستحقّها ، لو باشره حرف النداء ، وقيل : التزموا رفعة للفرق بين الصّفة الّلازمة وغير اللازمة ، وعند الأخفش أيّ موصولة بمعنى الذي ، والرجل خبر مبتدأ محذوف (١) ، ويجوز تأنيث أيّ فيقال : يا أيّتها المرأة ، وأجاز المازنيّ (٢) نصب الرجل ، في : يا أيّها الرجل قياسا على صفة غير المبهم ؛ فإنّه أجرى صفة المبهم مجرى الظريف في قولك : يا زيد الظريف ، فكما جاز نصب الظريف حملا على المحلّ جاز نصب صفة المبهم ، نحو : الرجل في يا أيّها الرجل (٣) وقرىء (٤) في الشّاذ : قل يا أيها الكافرين (٥) وإذا أتيت بتوابع لهذا المعرّف بالّلام فلا تكون إلّا مرفوعة لأنه معرب ، والمعرب لا يكون تابعة إلّا على وفق إعرابه. فإذا قلت : يا هذا الرجل ذو المال ، لم يجز في ذو المال إلّا الرفع لأنّه صفة لمرفوع معرب ، مثل : جاءني زيد ذو المال (٦) ، ومنه : (٧)

يا أيّها الجاهل ذو التّنزّي

فرفع الصّفة المضافة ، أعني ذو التنزّي ، وأدخلوا حرف النّداء على الّلام

__________________

(١) شرح الأشموني ، ٣ / ١٥١ وهمع الهوامع ، ١ / ١٧٥ وحاشية الصبان ، ٣ / ١٥١.

(٢) والزجاج كما في شرح الكافية ، ١ / ١٤٢ والمازني هو أبو عثمان بكر بن محمّد بن بقيّة من أهل البصرة أخذ عن أبي عبيدة والأصمعيّ وأخذ عنه المبرّد ، له تصانيف كثيرة أشهرها كتاب التصريف الذي شرحه ابن جني ، وكتاب ما تلحن فيه العامة ، وكتاب العروض ، توفي سنة ٢٤٧ ه‍ انظر ترجمته في الفهرست ، ٨٤ ـ ونزهة الألباء ، ١٨٢ وإنباه الرواة ، ١ / ٢٤٦.

(٣) شرح الكافية ، ١ / ١٤٢ وشرح الأشموني ومعه حاشية الصبان ، ٣ / ١٥٠.

(٤) قال الجاحظ في البيان والتبيين ٣ / ٢٣٣ : ومن اللّحانين الأشراف ابن ضحيان الأزدي ، وكان يقرأ «قل يا أيّها الكافرين» فقيل له في ذلك فقال : قد عرفت القراءة في ذلك ولكنّي لا أجلّ أمر الكفرة. وقال ابن هشام في شرح شذور الذهب ، ٤٥٠ بعد أن أورد القراءة وهذا إن ثبت فهو من الشذوذ بمكان.

(٥) الآية ١ من سورة الكافرون.

(٦) شرح الوافية ، ١٩٥ وانظر الكتاب ، ٢ / ١٩٣ والمقتضب ، ٤ / ٢١٩.

(٧) الرجز لرؤبة بن العجاج وبعده :

لا توعدنّي حيّة بالنّكر

ورد في ديوانه ، ٣ / ٦٣ وورد منسوبا له في شرح المفصل ، ٦ / ١٣٨ وشرح الشواهد ، ٣ / ١٥٢. ومن غير نسبة في الكتاب ، ٢ / ١٩٢ والمقتضب ، ٤ / ٢١٨ وشرح الأشموني ، ٣ / ١٥٢. التنزي : نزع الإنسان إلى الشرّ وأصله نزأت بين القوم : إذا حرّشت بينهم ، والنّكز : اللّسع.

١٦٥

في اسم الله خاصة نحو : يا الله ، إمّا لكثرته وإمّا لأنّ اللام ليست للتعريف ، وقد ورد في الشعر : (١)

من أجلك يا الّتي تيّمت قلبي

 ...

وهو شاذّ لا يعتدّ به ولا بما يأتي من ذلك (٢).

ذكر بقيّة الكلام على المنادى (٣)

إذا نودي العلم الموصوف بابن مضاف إلى علم نحو : يا زيد بن عمرو ، فالمختار فتحه مع جواز الضمّ (٤) ومنهم من يقول : (٥) يجب فتحه لكثرته في كلامهم ، فجعلت الفتحة عوضا من الضّمة لخفتها (٦) وإذا نودي المفرد ثمّ كرّر مضافا (٧) نحو : (٨)

يا تيم تيم عديّ لا أبالكم

لا يلقينّكم في سوأة (٩) عمر

فالثاني ليس فيه إلّا النصب ، وأمّا الأول ؛ فيجوز ضمّه لأنّه منادى مفرد ، ونصبه على تقدير : يا تيم عديّ تيم عديّ ، فحذف عديّ الأول لدلالة الثاني عليه (١٠) ، وإذا

__________________

(١) البيت لم يعرف قائله وعجزه :

وأنت بخيلة بالودّ عنّي

انظره في الكتاب ، ٢ / ١٩٧ والمقتضب ، ٤ / ٢٤١ والإنصاف ، ١ / ٣٣٦ برواية فديتك يا الّتي ، وشرح المفصل ، ٢ / ٨ وشرح الكافية ، ١ / ١٤٤ وهمع الهوامع ، ١ / ١٧٤ وخزانة الأدب ، ٢ / ٢٩٣.

(٢) شرح الوافية ، ١٩٥.

(٣) الكافية ، ٣٩٠.

(٤) وهو مذهب البصريين ، الهمع ، ١ / ١٧٦.

(٥) وهو مذهب الكوفيين وبعض البصريين ، شرح الكافية ، ١ / ٨٤١ وشرح التصريح ، ٢ / ١٦٩.

(٦) شرح الوافية ، ١٩٦.

(٧) الكافية ، ٣٩٠.

(٨) البيت لجرير بن عطيّة يهجو عمر بن لجأ التيمي ، ورد في ديوانه ، ٣٨٥ برواية لا يوقعنّكم مكان لا يلقينكم. وروي منسوبا له في الكتاب ، ١ / ٥٣ ـ ٢ / ٣٠٥ والمقتضب ، ٤ / ٢٢٩ والخصائص ، ١ / ٣٤٥ وكتاب الحلل ، ٢٠٨ وشرح المفصل ، ٢ / ١٠ وشرح الشواهد ، ٣ / ١٥٣ وروي البيت من غير نسبة في الكافية ، ١ / ١٤٦ ومعنى اللبيب ، ٢ / ٤٥٧ وشرح ابن عقيل ، ٣ / ٢٧٠ وشرح الأشموني ، ٣ / ١٥٣.

(٩) في الأصل سوّة والسوأة الفعلة القبيحة.

(١٠) شرح الوافية ، ١٩٧.

١٦٦

نودي المضاف إلى ياء المتكلّم نحو : يا غلامي ، فلهذه الياء في النّداء أربعة أوجه : (١) إثباتها مفتوحة وهو الأصل كقولك : يا غلامي أقبل وقرىء (يا عِبادِيَ)(٢) بالفتح (٣) وإنّما كان كذلك لأنّها اسم على حرف واحد ، فقويت بالحركة ، كما فعلوا بالكاف في غلامك والتاء في رأيت ، والثاني : إسكانها / ، تخفيفا نحو : يا غلامي وقد قرىء : يا عبادي لا خوف عليكم (٤) والثالث : حذفها مع بقاء كسر ما قبلها كقولك : يا غلام بحذف ياء الإضافة (٥) ، وإنّما حذفت تخفيفا لكثرته في كلامهم (٦) والرابع : قلبها ألفا لأنّ الألف أخفّ من الياء ، وليحصل بالألف زيادة مدّ في الصوت (٧) نحو : يا ربّا تجاوز عنّي ، ويا غلاما أقبل ، قال الشّاعر : (٨)

وحديثها كالغيث أبصره

راعي سنين تتابعت جدبا

فرآه يبسط راحتيه له

ويقول يا ربّاه يا ربّا

وإذا وقفت ألحقتها الهاء ، تبيّنا للألف فقلت : يا ربّاه ويا غلاماه ، وإذا نودي ابن المضاف (٩) إلى العمّ أو الأمّ المضافين إلى المتكلّم كقولك : يا بن عميّ يا بن أميّ جاز فيهما جميع ما ذكر في المضاف إلى ياء المتكلّم ، فتفتح الياء من عمّي

__________________

(١) الكافية ، ٣٩٠.

(٢) من الآية ٥٦ من سورة العنكبوت ونصها : يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون.

(٣) وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ، الكشف ٢ / ٢٣٨ ، والنشر ، ٢ / ٣٤٤ والاتحاف ، ٣٤٦.

(٤) من الآية ٦٨ من سورة الزخرف ، وقد قرأها أبو بكر بالفتح ويقف بالياء ، وأسكنها نافع وأبو عمرو وابن عامر ، ويقفون بالياء ، وحذفها الباقون في الوصل والوقف ، الكشف ، ٢ / ٢٦٣ والنشر ، ٢ / ٣٧٠ والاتحاف ، ٣٦٨.

(٥) في الأصل يالإضافة ، وفي حاشية الأصل وقرئت يا عباد وهي قراءة حمزة والكسائي وابن كثير «انظر المصادر السابقة».

(٦) شرح الكافية ، ١ / ١٤٧.

(٧) شرح المفصل ، ٢ / ١١ ، وشرح التصريح ، ٢ / ١٧٧.

(٨) البيتان لم يعرف قائلهما ، وردا في الخصائص ، ١ / ٢٩ ـ ١٢٩ ، وأمالي القالي ، ١ / ٨٣ ورواية الثاني في الأمالي :

فأصاخ يرجو أن يكون حيا

ويقول من فرح هيا ربا

وانظر المغني ، ١ / ٢٠.

(٩) الكافية ، ٣٩٠.

١٦٧

وأمّي ، وتسكّنها وتحذفها وتبدلها ألفا كما قيل في : يا غلامي ، ويجوز فيهما وجه آخر خامس : وهو حذف الألف وإبقاء الفتحة كقولك : يا بن عمّ ويا بن أمّ بفتحهما ، ولا يجوز في غيرهما شيء من ذلك نحو : يا بن غلامي وما أشبهه وإذا كان المنادى المضاف إلى المتكلّم أبا أو أما ، جاز فيه ما ذكر في المضاف إلى المتكلم حسبما قيل في يا غلامي (١) وجاز فيه وجوه أخر ، وهي : يا أبت وأمت بكسر التاء المنقلبة عن الياء ، وفتح التاء فيهما ، وأبتا وأمتا بإثبات الألف والتاء فيهما معا ، ولم يجز : يا أبتي ويا أمتي بإثبات التاء والياء معا ، لأنّ التاء عوض عن ياء المتكلّم ، ولا يجوز الجمع بين العوض والمعوّض منه (٢) بخلاف أبتا وأمتا فإنّ التاء والألف معا بدل عن الياء (٣) وجاز في (يا بُنَيَ)(٤) كسر الياء وهو الكثير ، والفتح لاستثقال الكسرة والسكون مع التخفيف وقرىء في السّبعة (٥) بالجميع (٦).

ذكر التّرخيم (٧)

الترخيم من خصائص المنادى ، وهو حذف في آخر المنادى تخفيفا لا لعلّة ، ويجوز لضرورة الشعر ترخيم غير المنادى كقول الشّاعر : (٨)

ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا

ولا يرى مثلها عجم ولا عرب

__________________

(١) شرح الوافية ، ١٩٧.

(٢) من حاشية الأصل.

(٣) شرح المفصل ، ٢ / ١٢ وشرح الكافية ، ١ / ١٤٨.

(٤) من الآية ٤٢ من سورة هود ونصها : يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين.

(٥) شرح الوافية ، ١٩٨ وشرح الأشموني ومعه حاشية الصبان ، ٣ / ١٥٦.

(٦) قرأ عاصم بفتح الياء والتشديد ، والباقون بكسر الياء والتشديد وقرأ ابن كثير بإسكان الياء والتخفيف في لقمان ، ١٣ «يا بني لا تشرك» أيضا. الكشف ، ١ / ٥٢٩ والنشر ، ٢ / ٢٨٩ والاتحاف ، ٢٥٦.

(٧) قال ابن الحاجب في الكافية ٣٩٠ : «وترخيم المنادى جائز ، وفي غيره ضرورة ، وهو حذف في آخره تخفيفا ، وشرطه أن لا يكون مضافا ولا مستغاثا ولا مندوبا ولا جملة» وفي شرح الكافية للرضي ، ١ / ١٤٩ «ولم يقل ولا مندوبا ، لأن المندوب عنده ليس بمنادى» وقد سقط «ولا مندوبا» من شرح الكافية لابن الحاجب أيضا ١ / ٢٢٥.

(٨) البيت لذي الرّمة ، ورد في ديوانه ٣ ، ونسب له في الكتاب ١ / ٢٨٠ ٢ / ٤٧ برواية مساعفة مكان تساعفنا ، والنوادر ٣٢ وأمالي وقيل : كانت تسمى ميّا ومية ، فلا شاهد عندئذ في البيت.

١٦٨

حذف هاء ميّة ، ولا يجوز ترخيم المستغاث نحو : يا لجعفر (١) لأنّهم يزيدون فيه لغرض رفع الصّوت للمستغاث به ، وكذا لا يرخّم المضاف كعبد الله (٢) ولا الجملة المسمّى بها كشاب قرناها ، لأنّهم لو حذفوا من الثاني حذفوا من غير المنادى ، ولو حذفوا من الأول حذفوا من وسط الكلمة ، وهو غير جائز ، ولأنّ الجملة تحكى على إعرابها الأصلي (٣).

وشرط المنادى (٤) في الترخيم أن يكون الاسم المرخّم إمّا بتاء التأنيث نحو ثبة ، وإمّا علما زائدا على ثلاثة أحرف كجعفر وحارث لا كزيد (٥) ، والحكم ، لأنّ تاء التأنيث زائدة فلا يلزم من حذفها الإجحاف / بالاسم لبقائه على حرفين ، ولذلك شرط في العلم الزيادة على ثلاثة ، لئلّا يحصل الإجحاف بالحذف فيخرج عن أبنية الاسم (٦) ، وكلّ اسم آخره زيادتان في حكم زيادة واحدة (٧) نحو : أسماء وعثمان فإنّه يحذف منه في الترخيم حرفان فتقول : يا أسم ويا عثم ، بحذف ألف التأنيث الممدودة ، والألف والنون (٨) ، وكذلك يحذف حرفان مما في آخره حرف صحيح قبله مدّة ، وهو على أكثر من أربعة أحرف مثل : عمار ومنصور ومسكين ، وقد علم أن ثمود ليس من باب منصور فيحذف من منصور حرفان ، ومن ثمود حرف واحد لعدم زيادته على أربعة (٩).

وإن كان المنادى مركّبا (١٠) نحو : بعلبكّ فإنّه يحذف منه الاسم الأخير للترخيم لأنّه بمنزلة تاء التأنيث فيقال : يا بعل ، وإن كان المنادى المرخّم غير ما ذكر ، فيحذف

__________________

(١) في الأصل وا جعفراه. ولا يستقيم التمثيل بذلك. ولعل مراده أن المندوب لا يرخم أيضا.

(٢) وذهب الكسائي والفراء إلى جوازه. الإنصاف ١ / ٣٤٧ وشرح المفصل ٢ / ٢٠.

(٣) وبعض العرب يرخمها بحذف عجزها ، شرح الكافية ١ / ١٥٠ وشرح التصريح ٢ / ١٨٤ وهمع الهوامع ١ / ١٨١.

(٤) الكافية ، ٣٩٠.

(٥) في الأصل لا لزيد.

(٦) من شرح الوافية ، ١٩٩ بتصرف يسير وانظر الإنصاف ، ١ / ٣٥٦.

(٧) الكافية ، ٣٩٠.

(٨) الزئدتان معا ، شرح الكافية ، ١ / ١٥٠.

(٩) شرح الوافية ، ٢٠٠ وانظر همع الهوامع ، ١ / ١٨٣ وشرح الأشموني ٣ / ١٧٧.

(١٠) الكافية ، ٣٩٠.

١٦٩

منه حرف واحد ، لأنّه الأصل فإنّ الزيادة على حرف كانت بسبب عارض ، وذلك مثل : ثمود وحارث وحامد (١) وفي المرخّم وجهان ؛ أفصحهما : أنّ يقدّر المحذوف موجودا فيبقى ما قبله على ما كان عليه من حركة أو واو أو غير ذلك ، كقولك : يا حار بكسر الراء في ترخيم حارث ، وإذا رخّمت كروان (٢) على أفصح الوجهين قلت : يا كرو ، وفي ثمود يا ثمو ، وأمّا الوجه الثاني : فهو أن يجعل المحذوف نسيا منسيا ، ويعامل الباقي معاملة ما لم يحذف منه شيء ، فتقول : يا حار بالضم ، ويا كرا بالألف لتحرّك الواو وانفتاح ما قبلها ، ويا ثمي فتبدل الضمة كسرة ، والواو ياء ، إذ ليس في كلامهم اسم تام معرب آخره واو قبلها ضمّة (٣).

ذكر المندوب (٤)

المندوب هو المتفجّع عليه بيا أو واو ، والتفجّع إظهار الحزن والجزع للمصيبة ، ويختصّ بوا ، نحو : وا زيد ، وهو كالمنادى في الإعراب والبناء (٥) وأجري مجراه لأنّ كلا منهما مخصوص من بين قومه ، ولك أن تزيد في المندوب ألفا فتقول :وا زيدا ، ولك أن تلحقها هاء السّكت في الوقف فتقول : وا زيداه ، فإن جاء اللّبس من الألف في مثل ندب غلام المخاطبة ، عدلت عن الألف إلى زيادة حرف مجانس لتلك الحركة فتقول : وا غلامكيه (٦) لأنّك لو زدت ألفا وقلت : وا غلامكاه لالتبس بغلام رجل مخاطب فألحق (٧) الياء المناسبة لحركة الكاف وهي الكسرة (٨) وفي غلام جماعة مذكرين تلحق واوا فتقول : وغلامكموا ، لأنّك لو ألحقت ألفا وقلت : وا غلامكما ، التبس بغلام اثنين مخاطبين فألحقت الواو المناسبة للجمع ، ولا يندب

__________________

(١) شرح الوافية ، ٢٠٠ وشرح الكافية ١ / ١٥٣.

(٢) الكروان : طائر ، اللسان كرا.

(٣) شرح الوافية ، ٢٠٠ ـ ٢٠١ وانظر شرح المفصل ١ / ٢١ وشرح الكافية ، ١ / ١٥٥.

(٤) الكافية ، ٣٩٠ ـ ٣٩١.

(٥) شرح الوافية ، ٢٠١.

(٦) في الأصل وا غلامك والتصويب من الكافية وانظر شرح التصريح ٢ / ١٨٢ وشرح الأشموني ، ٣ / ١٧٠.

(٧) كذا في الأصل ، وفي شرح الوافية ٢٠٢ فألحقت الكاف المكسورة ياء لذلك.

(٨) شرح الوافية ، ٢٠٢ وانظر شرح المفصل ٢ / ١٤.

١٧٠

إلّا المعروف لا المنكّر (١) فلا يقال : وا رجلاه لأنّ الندبة إما للإعلام بمن يتفجّع عليه ، أو لتمهيد العذر للمتفجّع / ولا يكون ذلك إلّا أن يكون المندوب معروفا ، وإذا وصفت المندوب فلا تلحق الصفة علامة الندبة فلا تقول : وا زيد الظريفاه ، لأنّ الظريف ليس هو المندوب وهو مذهب الخليل (٢) خلافا ليونس فإنّه يجيز وا زيد الظريفاه (٣) ويجوز حذف حرف النداء من ثلاثة أشياء (٤) وهي : العلم نحو : (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا)(٥) أي يا يوسف والمضاف نحو : عبد الله افعل كذا أي : يا عبد الله ، وأيّ نحو : أيّها الرجل افعل كذا أي : يا أيّها الرجل ، ولا يجوز حذف حرف النداء من اسم الجنس ، والمراد باسم الجنس اسم يصحّ إدخال اللّام عليه وجعله صفة لأي ، نحو : رجل فلا يقال : رجل بمعنى يا رجل (٦) وكذلك لا يجوز حذفه من الإشارة نحو : هذا بمعنى : يا هذا ولا من المندوب ، ولا من المستغاث فلا يقال : زيداه بمعنى وا زيداه ، ولا زيدا أو لزيد مستغيثا به لأنّ كلا من المندوب والمستغاث يناسب التطويل ، فلا يحسن الحذف مع مناسبة التطويل (٧) ، وقد شذّ حذف حرف النّداء في قولهم : (٨) «أصبح ليل» ، بمعنى يا ليل وأطرق كرا (٩) ، أي يا كروان ، وفي أطرق كرا شذوذان : حذف حرف النداء ، والترخيم ، لأن الأمثال يجوز فيها من الحذف والتخفيف ما لا يجوز في غيرها ، فقالوا : «أطرق كرا إنّ النّعام في القرى» (١٠) ، ويجوز حذف المنادى نفسه للقرينة الدّالة عليه كقولك : يا إضرب أي : يا هذا

__________________

(١) وجوز الكوفيون ندبة غير المعروف وشذذه البصريون شرح الكافية ، ١ / ١٥٩.

(٢) الكتاب ، ٢ / ٢٢٥.

(٣) وأيده الكوفيون ، الكتاب ، ٥ / ٢٢٦ وشرح المفصل ، ٢ / ١٤.

(٤) الكافية ، ٣٩١.

(٥) من الآية ٢٩ من سورة يوسف.

(٦) شرح الوافية ، ٢٠٣ وشرح المفصل ، ٢ / ١٥.

(٧) شرح الوافية ، ٢٠٣.

(٨) يضرب هذا المثل في استحكام الغرض من الشيء. انظره في جمهرة الأمثال ١ / ١٣٨ ومجمع الأمثال ١ / ١٤٦ والمستقصى ١ / ٢٠٠.

(٩) يقال للخسيس يتكلم في مجلس فيه من هو أرفع منه. انظره في جمهرة الأمثال ١ / ١٣٩ ومجمع الأمثال ١ / ٤٤٥ والمستقصى ١ / ٢٢١ ـ ٢٢٢.

(١٠) في الكتاب ، ٢ / ٢٣١ وليس هذا بكثير ولا بقوي.

١٧١

إضرب ، ومنه قراءة الكسائي : ألا يا اسجدوا (١) أي : ألا يا هؤلاء اسجدوا (٢).

ذكر المفعول به الذي أضمر عامله

على شريط التفسير (٣)

وهو القسم الثالث من أقسام المفعول الذي يجب حذف فعله بضابط قياسي وحدّه : أنّه كلّ اسم بعده فعل أو شبهه مشتغل عنه بضميره أو بمتعلّقه لو سلّط عليه هو أو مناسبه لنصبه ، نحو : زيدا ضربته ، فزيد اسم بعده فعل مشتغل عن زيد بضمير زيد ، وتقديره : ضربت زيدا ضربته (٤) ، فالثاني مفسّر للأوّل ، ولا يجمع بين المفسّر والمفسّر ولذلك وجب الحذف (٥). ومثال ما يسلّط عليه مناسب الفعل : زيدا حبست عليه ، وزيدا مررت به ، فإنّه في هاتين الصورتين لو سلّط الفعل المشتغل أعني حبست ومررت على الاسم لم ينصبه لكنّ مناسبه وهو جاوزت ولازمت ، لأنّ من حبست عليه فقد لازمته ، ومن مررت به فقد جاوزته ، ومثال ما هو مشتغل عنه بمتعلّقه : زيدا ضربت غلامه لأنّ الفعل مشتغل بمتعلّق زيد وهو غلامه وتقديره أهنت زيدا ، لأنّ من تضرب غلامه فقد أهنته وإذا تقدّم عليه (٦) جملة فعليّة (٧) كقولك : قام زيد وعمرا أكرمته ، جاز رفع عمرو / والنّصب أحسن لأنّه على تقدير النّصب يلزم عطف جملة فعلية على جملة فعلية ، وهو أنسب من الرّفع ، لأنه يلزم عطف جملة اسميّة على جملة فعليّة (٨) ، ولذلك يختار النصب بعد حرف الاستفهام نحو : أزيدا ضربته ، لأنّ الاستفهام غالبا إنما يكون عن الفعل ، وبعد إذا الشرطيّة لأنّ الأولى أن يليها الفعل

__________________

(١) من الآية ٢٥ من سورة النمل. ونصها : ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون.

(٢) بهمزة مفتوحة ، وتخفيف اللام. والباقون بالهمزة وتشديد اللام. الكشف ٢ / ١٥٦ ـ ١٥٧ والنشر ٢ / ٣٣٧ والإتحاف ، ٣٣٦ وانظر الإنصاف ، ١ / ٩٩.

(٣) الكافية ، ٣٩١.

(٤) الناصب له عند الكسائي والفراء ، الفعل بعده ، الإنصاف ، ١ / ٨٢ وشرح التصريح ، ١ / ٢٩٦.

(٥) شرح الوافية ٢٠٦.

(٦) عليه زيادة يستقيم بها الكلام والمراد «أن تتقدم هذه الجملة جملة فعلية» شرح الوافية ٢٠٦.

(٧) الكافية ، ٣٩١ ـ ٣٩٢.

(٨) شرح الوافية ، ٢٠٧.

١٧٢

بخلاف التي للمفاجأة ، وبعد حيث ، لأنّها مثل إذا في اقتضائها الفعل بعدها (١) وبعد حرف النفي ، فإنّك إذا قلت : ما زيدا ضربته ، فالنفي لضرب زيد لا لذاته فلما كان الفعل بعده كان النّصب أولى (٢). وإذا وقع بعده فعل معناه الطّلب كان أقواها سببا في اختيار النّصب (٣) ، وكذلك شبه الفعل نحو : زيدا دراكه ، لأنّه على تقدير الرفع يلزم وقوع الطلب وهو الأمر والنهي والدعاء خبرا عن المبتدأ وهو بعيد ، لأنّ الخبر ما يحتمل الصّدق والكذب ، والإنشاء لا يحتمل ذلك ، وإنّما جاز على تأويل ، وهو أن يقدّر زيد مقول فيه اضربه أو لا تضربه ، وعلى تقدير النّصب لا يلزم إلّا حذف الفعل وهو كثير غير بعيد للمبتدأ المرفوع ، وكأنّك قلت : زيد أنت مأمور بضربه أو زيد مقول فيه اضربه (٤) وكذلك المصدر الذي بمعنى الطّلب فإنّ حكمه حكم الطّلب الصريح في اختيار النّصب نحو : أمّا زيدا فجدعا له ، وأما جعفرا فسقيا له ، لأنّك تريد : جدعه الله جدعا ، وسقاه الله سقيا ، وإذا كان الدّعاء بغير فعل ولا في تقدير الفعل لم ينصب الاسم الأول نحو : أمّا زيد فسلام عليه ، وأمّا الكافر فويل له (٥) ويختار الرّفع عند عدم قرينة خلافه (٦) كقولك : زيد ضربته ، لأنّه يرتفع بالابتداء فيكون غير محتاج إلى تقدير ، والنصب يحتاج إلى تقدير الفعل الناصب فكان الرّفع أولى (٧) ، وكذلك يختار الرّفع مع أمّا وهي تغلب غير الطلب من قرائن النّصب فيكون الرفع بعدها أولى لاقتضائها المبتدأ بعدها غالبا ، فإن جاء الطلب معها ، قدّم اعتباره عليها فيصير النّصب أولى ، وكذلك إذا التي للمفاجأة كقولك : قام زيد وإذا عبد الله تضربه لاقتضائها المبتدأ بعدها غالبا (٨) ومثال غلبة أمّا مع قرينة النّصب قولك : قمت وأمّا جعفر فقد

__________________

(١) في الكتاب ١ / ١٠٦ ومما يقبح بعده ابتداء الأسماء ... إذا وحيث تقول : إذا عبد الله تلقاه فأكرمه ، وحيث زيدا تجده فأكرمه وانظر شرح التصريح ١ / ٣٠٣ وشرح الأشموني ٢ / ٧٨.

(٢) شرح المفصل ، ٢ / ٣٤ ـ ٣٦.

(٣) شرح الوافية ، ٢٠٧ والنقل منه.

(٤) شرح التصريح ، ١ / ٣٠٧ وهمع الهوامع ، ٢ / ١١١.

(٥) شرح المفصل ٢ / ٣٨.

(٦) الكافية ، ٣٩١.

(٧) في شرح الوافية ، ٢٠٨ ويختار الرفع إذا فقدت قرائن النصب كقولك : زيد ضربته ...

(٨) شرح الوافية ، ٢٠٨ وشرح الكافية ، ١ / ١٧١.

١٧٣

ضربته ، ولو لا (١) أمّا لكان النّصب أولى ليكون عطف جملة فعليّة ، على جملة فعليّة فقدّم اعتبار أمّا فكان الرّفع أولى (٢) ومثال غلبة الطلب قولك : قمت وأمّا عمرا فاضربه ، بنصب عمرو ، وإنّما قدّم الطلب على قرينة الرفع التي هي : أمّا وإذا لأنّك إذا رفعت وجب رفعه على الابتداء ووقع الطّلب خبرا وهو لا يقع خبرا إلّا بتأويل كما تقدّم ، وأمّا النّصب فلا بعد فيه ، لأنّه ينصب بفعل مقدّر مثله فلا يحتاج إلى تأويل ويستوي / الرّفع والنّصب (٣) إذا تقدمت جملة ذات وجهين نحو : زيد قام وعمرو أكرمته ، فجاز في عمرو الرفع والنّصب من غير ترجيح (٤) لأنّه إن رجّح النصب لقرب المعطوف عليه وهو الجملة الصغرى أعني قام ، رجّح الرفع لعدم حذف العامل فيتعارضان (٥).

واعلم أنّ نصب وعمرا أكرمته عطفا على الجملة الصغرى لا يستقيم إلّا أن يقدّر في الجملة المعطوفة ضمير يعود إلى زيد ، نحو : عنده أو في داره ، بحيث يصير التقدير : زيد قام ، وعمرا أكرمته في داره (٦) لأنّ الجملة المعطوفة إذا لم يكن فيها ضمير يعود إلى المبتدأ ، لا تصحّ أن تكون خبرا عنه ، وإذا لم تصحّ أن تكون خبرا ، لا يصحّ عطفها على خبره لوجوب أن يتحقّق للمعطوف ما يجب ويمتنع للمعطوف عليه ، والأخفش يمنع من جواز هذه المسألة ، لأنّ الجملة الصغرى المعطوف عليها ، لها موضع من الإعراب لوقوعها موقع المفرد ، وموضعها الرّفع لأنّها خبر المبتدأ ، والجملة المعطوفة أعني وعمرا أكرمته ، لا موضع لها من الإعراب ، لأنّ الجمل لا موضع لها من الإعراب ، إلّا إذا كانت في تأويل المفرد ، فلا يصحّ عطف ما لا موضع له على ما له موضع من الإعراب ، وأجاب أبو علي الفارسي (٧) : أنّه لمّا كان

__________________

(١) من قوله : ولو لا ... إلى قوله : ويستوي الرفع والنصب ، الكثير منه مطموس.

(٢) شرح ابن عقيل ، ٢ / ١٣٨.

(٣) الكافية ، ٣٩١ ـ ٣٩٢.

(٤) الكتاب ، ١ / ٩١ والمغني ، ٢ / ٣٨٠ ـ ٣٨٢ وحاشية الصبان ، ٢ / ٨١.

(٥) شرح الوافية ، ٢٠٩.

(٦) شرح التصريح ، ١ / ٣٠٤.

(٧) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي ، نحوي مشهور. توفي ٣٧٧ ه‍. انظر ترجمته في الفهرست ٩٥ ونزهة الألباء ٣١٥.

١٧٤

إعراب الجملة الصغرى غير ظاهر في اللفظ صارت بمنزلة ما لا موضع له من الإعراب ، فصحّ أن يعطف عليها ما لا موضع له من الإعراب (١).

ويجب النّصب بعد حرف التحضيض ، وحرف الشّرط (٢) لأنّهما مخصوصان بالأفعال إذ لا يحضّ إلا على الفعل (٣) ، ولأنّ الشرط إمّا للماضي أو للمستقبل ولا يكون إلّا فعلا كقولك : هلّا زيدا ضربته أو إن زيدا ضربته ضربته ، وإذا وجب تقدير الفعل وجب النّصب (٤) ونحو : أزيد ذهب به ، ليس من هذا الباب ، لأنّ الفعل لم يعمل في ضمير زيد نصبا ، فلو سلّط ذهب على زيد لم ينصبه ولا مناسبه أعني أذهب ، فرفع زيد لازم حينئذ على الابتداء ، والجملة التي بعد خبره (٥) ، وقد أجاز السيرافي (٦) فيه النصب على تقدير : زيد ذهب الذّهاب به ، لأنّك لمّا أسندت الفعل إلى مصدره بقي الجار والمجرور في محلّ النّصب (٧) وهو ضعيف ، لأنّ المصدر لا يقوم مقام الفاعل إلّا إذا تخصّص بوصف أو بغيره لعدم الفائدة في إقامته مقام الفاعل بدون ذلك ، فالقائم مقام الفاعل (٨) هو الجار والمجرور حينئذ لا المصدر (٩) وأمّا قوله تعالى (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ)(١٠) فليس من هذا الباب لأنّك لو حذفت الهاء من فعلوه ، وسلطت الفعل على كلّ ، صار إنّهم فعلوا كلّ شيء في الزّبر ، وهو خلاف المقصود ، لأن المعنى أنّ كلّ شيء يفعلونه فهو في الزّبر ، والزّبر الكتب ، أي إن فعلوا حسنا كتب لهم حسن ، وإن فعلوا قبيحا / كتب كذلك ، ففعلوه صفة

__________________

(١) انظر ذلك كله في شرح المفصل ، ٢ / ٣٣ وشرح الكافية ، ١ / ١٧٥ ـ ١٧٦.

(٢) الكافية ، ٣٩٢.

(٣) في الأصل التفعيل.

(٤) شرح المفصل ، ٢ / ٣٨ ، وشرح الكافية ، ١ / ١٧٧.

(٥) الكتاب ، ١ / ١٠٤ وشرح الوافية ، ٢٠٩.

(٦) أبو سعيد الحسن بن عبد الله المرزبان السيرافي ، صنف تصانيف كثيرة أشهرها : شرح كتاب سيبويه توفي ٣٦٨ ه‍ انظر ترجمته في الفهرست ٩٣ وإنباه الرواة ١ / ٣١٣ والبلغة ، ٦١.

(٧) وإلى ذلك ذهب ابن السراج أيضا ، شرح الكافية ، ١ / ١٧٧.

(٨) في الأصل مقام القاعد.

(٩) شرح المفصل ، ٢ / ٣٥ وتسهيل الفوائد ، ٨٢.

(١٠) من الآية ٥٢ من سورة القمر.

١٧٥

لشيء ، ولا يجوز أن تقدّر ناصبة لما قبل الموصوف (١).

ذكر التّحذير (٢)

وهو القسم الرابع من أقسام المفعول به الذي يجب حذف فعله الناصب له قياسا ، والتحذير قسمان :

أحدهما : معمول بتقدير اتّق ، تحذيرا مما بعده كقولك : إيّاك والأسد ، وإيّاك من الأسد ، وإيّاك وأن تحذف ، وإيّاك من أن تحذف ، فإيّاك ضمير منصوب ، والمعطوف على إياك هو المفعول الذي أضمر الفعل الناصب له المحذوف لفظا والمعنى باعد نفسك عن الأسد والأسد عنك ، واتّق أن تحذف ، واتّق الحذف أن يتعرّض لك (٣) وإنّما لزم حذف الفعل الناصب له ، لأنّ إيّاك لما كثر في استعمالهم ، جعلوه نائبا عن الفعل الناصب الذي هو اتّق أو باعد ، وأقاموه مقامه فلم يجز إظهاره لذلك.

والثاني : معمول بتقدير اتّق أيضا لكن المحذّر منه مكرّر ، كقولك : الأسد الأسد ، والصبيّ الصبيّ ، والمعنى احذر الأسد احذر الأسد ، واحذر إيطاء الصبي إحذر إيطاء الصبي ، ومعنى إيطاء الصبي : إيطاء الدّابة الصبيّ (٤) ، فأقيم الأوّل مقام احذر ، فلزم إضمار احذر ، لأنّه لو أظهر لكان قد أدخل الفعل على ما قام مقامه ، وكان كإدخال الفعل على الفعل (٥) ولك في : إياك من أن تحذف ، عبارة أخرى وهي : إياك أن تحذف ، بحذف من لأن حروف الجر تحذف مع أن وأنّ كثيرا ، لطولهما بالصلة ولا يجوز أن يقال : إياك الأسد ، بتقدير : إيّاك والأسد ، ولا بتقدير إياك من الأسد ، لامتناع حذف حرف العطف ، وامتناع حذف حرف الجرّ من الأسماء الصريحة في مثل هذا الباب (٦) لكن حذف في غير هذا الباب توسّعا في الكلام إذا

__________________

(١) أي لا يجوز جعل «فعلوه» ناصبا لكل. وانظر شرح الوافية ، ٢٠٩ وشرح الكافية ، ١ / ١٧٧ ـ ١٧٨ وشرح التصريح ، ١ / ٣٠٢ وشرح الأشموني ، ٢ / ٨٠.

(٢) الكافية ، ٣٩٢.

(٣) شرح الوافية ، ٢١٢ ـ ٢١٣ وشرح المفصل ٢ / ٢٥.

(٤) وطىء الشيء يطؤه وطئا : داسه ، اللسان ، وطأ.

(٥) شرح الوافية ، ٢١٣ وشرح المفصل ، ٢ / ٢٩.

(٦) شرح الوافية ، ٢١٣ وشرح الكافية ، ٢ / ١٣٨.

١٧٦

علمت تعديته في مثل قوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ)(١).

ذكر المفعول فيه (٢)

وهو ما فعل فيه فعل مذكور من زمان أو مكان ، فيخرج نحو : يوم الجمعة مبارك ، فإنّه وإن كان يقع فيه فعل ، لكنّه غير مذكور فلا يكون مفعولا فيه ، وشرط نصبه أن تكون «في» مقدّرة فيه ، لأنّها لو كانت ملفوظة امتنع نصبه ووجب خفضه ولو لم تكن مقدّرة كان اسما صريحا ولم يكن مفعولا فيه ، وظرف الزمان معيّنا كان أو مبهما فإنّه يقبل النّصب بتقدير «في» وظرف المكان إن كان مبهما قبل النّصب بتقدير «في» خلاف المعيّن مثل : المسجد والسّوق (٣) وإنّما كان كذلك لأنّ الفعل يدلّ على الزمان الخاصّ أي المعيّن من ماض ومستقبل ، وكلّ ما دلّ على الخاصّ دلّ على العامّ لوجوب استلزام الخاصّ العامّ من غير عكس ، وأمّا المكان فالفعل يستلزم مكانا من الأمكنة مبهما ، والعامّ لا دلالة له على الخاصّ فلم يقبل تقدير «في» ، في غير المكان المبهم (٤) والمكان المبهم : هو الجهات : (٥) أمام (٦) وفوق / وتحت ويمنة ويسرة ، وكذلك ما كان بمعناها ، أو ملحقا بها كالميل والفرسخ (٧) وحمل على المكان المبهم : عند ولدى وشبههما ، لإبهامها نحو : دون ومع ، وحمل أيضا على المكان المبهم لفظ مكان في قولك : جلست مكانك مع كونه معيّنا لكثرة استعماله (٨) ، أو أنّه

__________________

(١) من الآية ١٥٥ من سورة الأعراف.

(٢) الكافية ، ٣٩٢.

(٣) المبهم من الزمان ما دل على زمن غير مقدر كحين ، والمعين ما له نهاية تحصره سواء كان معرفة أو نكرة كيوم وليلة وشهر ، والمبهم من المكان هو الذي لا صورة له ، ولا حدود معينة ، نحو : أمام ووراء ، أما المعين فهو الذي له صورة وحدود نحو : الدار والمسجد ، انظر شرح المفصل ، ٢ / ٤١ وشرح الكافية ، ١ / ١٨٤ وشرح الأشموني ، ومعه حاشية الصبان ٢ / ١٢٨ ـ ١٢٩.

(٤) شرح المفصل ، ٢ / ٤٣ وهمع الهوامع ، ١ / ١٩٥.

(٥) الكافية ، ٣٩٢.

(٦) في الأصل وأمام ، وفي شرح الوافية ٢١٥ ما نصه : وأكثر المتقدمين فسروه بالجهات الست وما في معناها مثل : فوق وتحت وأمام ووراء.

(٧) همع الهوامع ، ١ / ١٩٩.

(٨) وحذفت «في» منه تخفيفا شرح الكافية ، ١ / ١٨٤ ـ ١٨٥.

١٧٧

كالجهات لكثرة الأمكنة ، وحملت الأمكنة المعيّنة التي تقع بعد «دخلت» في قولك : دخلت الدّار على الأمكنة المبهمة فنصبت بتقدير «في» على الأصحّ (١). لأنّ المبرّد والجرميّ (٢) ذهبا إلى أنّ دخل متعدّ بنفسه ، فيكون المنصوب بعده مفعولا به لا ظرفا (٣) ، والصحيح أنّ دخل لازم لأنّ مصدره فعول ، وهو من المصادر اللّازمة غالبا (٤) وقد ينصب الظرف بعامل مضمر (٥) عند قيام القرينة كقول القائل : متى سرت؟ فتقول : يوم الجمعة وكذا كم سرت؟ فتقول : يومين ، أي : سرت يوم الجمعة وسرت يومين ، وقد ينصب الظرف بعامل مضمر على شريطة التفسير ، مثل باب : زيدا ضربته نحو : اليوم سرت ، فيختار رفعه ، وقام زيد ، واليوم سرت فيه ، وما اليوم سرت فيه ، واليوم سر فيه ، فيختار النّصب وقس على ذلك ما في الباب في استواء الأمرين فيه ، (٦) ووجوب نصبه إذا وقع بعد حرف الشّرط والتحضيض (٧).

واعلم أنّه قد يجعل المصدر حينا لسعة الكلام (٨) فيقال : كان ذلك مقدم الحاجّ ، وخفوق النّجم وخلافة فلان وصلاة العصر ، فخفوق النّجم بمعنى مغيبه (٩) ، والخلافة والصّلاة مصدران أيضا جعلا حينا توسّعا وإيجازا ، أمّا التوسّع فإنّه جعل المصدر حينا ، وليس من أسماء الزمان ، وأمّا الإيجاز فلحذف المضاف إذ التقدير ، وقت خفوق النّجم ، ووقت صلاة العصر فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه (١٠).

__________________

(١) شرح الوافية ٢١٥ وانظر الكتاب ، ١ / ٣٥.

(٢) هو صالح بن إسحاق أبو عمر الجرميّ ، كان فقيها عالما بالنحو واللغة دينا ورعا حسن المذهب ، أخذ عن الأخفش ويونس وحدّث عن المبرّد وله من التصانيف كتاب الأبنية وغريب سيبويه توفي ٢٢٥ ه‍. انظر ترجمته في الفهرست ٨٤ ـ ٨٥ ووفيات الأعيان ٢ / ٤٨٥ وبغية الوعاة ٢ / ٨.

(٣) المقتضب ٤ / ٦٠ ـ ٣٣٧ ـ ٣٣٩ وشرح المفصل ، ٢ / ٤٤ وشرح الكافية ، ١ / ١٨٦.

(٤) الكتاب ٤ / ١٠ ولسان العرب ، دخل.

(٥) الكافية ، ٣٩٢.

(٦) مثل : زيد قام ،. واليوم سرت فيه ، شرح الوافية ، ٢١٥ ـ ٢١٦.

(٧) مثل : إن اليوم سرت فيه ، وهلّا اليوم سرت فيه شرح الوافية ، ٢١٦ وشرح المفصل ، ٢ / ٤٧.

(٨) انتقل أبو الفداء إلى المفصل ، قال الزمخشري .. وقد يجعل المصدر حينا لسعة الكلام فيقال : كان ذلك مقدم الحاج وخفوق النجم وخلافة فلان وصلاة العصر.

(٩) غير واضحة في الأصل وانظر شرح المفصل ، ٢ / ٤٤.

(١٠) شرح المفصل ، ٢ / ٤٤ ـ ٤٥.

١٧٨

ذكر المفعول له (١)

وهو ما فعل لأجله فعل مذكور ، مثل : ضربته تأديبا ، وقعد عن الحرب جبنا ، فالتأديب فعل لأجله فعل مذكور ، وهو الضّرب ، فالمفعول له هو السّبب الحامل للفاعل على الفعل (٢) ، والفعل قد يكون سببا (٣) للمفعول له في الخارج نحو : ضربته تأديبا ، وقد لا يكون نحو : قعد عن الحرب جبنا ، فإنّ القعود ليس سببا للجبن في الخارج.

وشرط نصبه (٤) : أن تكون اللّام مقدّرة ، لأنّها لو كانت ملفوظة لكان مجرورا ، وإنّما يجوز حذف اللّام بشرطين :

أحدهما : أن يكون المفعول له فعلا لفاعل الفعل المعلّل ، كما أنّ التأديب وهو المفعول له فعل لفاعل الضّرب وهو الفعل المعلّل ، والثاني : أن يكون المفعول له مقارنا للفعل في الوجود فإن لم يكن فعلا له لم يجز حذف اللام ، نحو : جئتك للسّمن ، وكذلك إن لم يقارنه ، نحو : جئتك اليوم لمخاصمتك زيدا أمس (٥).

ذكر / المفعول معه (٦)

وهو مذكور بعد الواو لمصاحبة معمول فعل لفظا أو معنى ، واحترز بقوله : بعد الواو ، مما يذكر بعد الفاء وثمّ وغيرهما من حروف العطف لانتفاء معنى المصاحبة منهنّ ، واحترز بقوله : لمصاحبة معمول فعل ، عن المذكور بعد الواو وليس كذلك مثل : زيد وعمرو أخواك ، وكلّ رجل وضيعته ، فإنّه مذكور بعد الواو للمصاحبة لكن لا لمصاحبة معمول فعل ، وعن المذكور بعد معمول فعل ولكن لا للمصاحبة مثل جاءني زيد وعمرو قبله أو بعده فعمرو مذكور بعد الواو وبعد معمول فعل لكن لا

__________________

(١) الكافية ، ٣٩٣.

(٢) شرح التصريح ، ١ / ٣٣٤.

(٣) غير واضحة في الأصل.

(٤) الكافية ، ٣٩٣.

(٥) شرح الوافية ، ٢١٦ وفيها : خرجت اليوم لمخاطبتك زيدا أمس. وانظر شرح الكافية ، ١ / ١٩٣.

(٦) الكافية ، ٣٩٣.

١٧٩

للمصاحبة لتخصيصه بالمجيء قبله أو بعده (١). والفعل العامل في المفعول معه يكون لفظا نحو : جئتك وزيدا ، ويكون معنى نحو : ما لك وزيدا (٢) والمراد بالفعل لفظا : الفعل وشبهه من أسماء الفاعل ، والصفة المشبّهة ، والمصدر ونحوها ، والمراد بالفعل معنى ، أي تقديرا غير ما ذكر مما يستنبط فيه معنى الفعل نحو : ما لك وزيدا ، وما شأنك وعمرا ، لأنّ التقدير ما تصنع وعمرا (٣) فأمّا إذا لم يكن في الكلام فعل ولا معنى فعل فلا يجوز النّصب ، فإذا قلت : ما أنت وعبد الله ، وكيف أنت وقصعة من ثريد ، فالوجه الرفع (٤) لانتفاء الناصب وهو الفعل أو معناه بواسطة الواو بخلاف قولك : قام زيد وعمرا ، بنصب عمرو لوجود الفعل لفظا ، وإن كان لازما لأنّ الواو هي المعدّية له حتى نصبه ، فالواو هنا بمعنى الباء ، والباء تعدّي الفعل فكذلك (٥) الواو ، والمفعول معه قياسيّ كسائر المفاعيل ، وبعضهم يقصره على السّماع فلا يكون قياسيّا (٦) والفعل العامل في المفعول معه إن كان لفظيّا وصحّ العطف جاز النّصب والرفع (٧) نحو : قمت أنا وزيد وزيدا ، فالرفع عطف على المضمر ، لوجود المؤكّد المسوّغ للعطف على المضمر ، والنّصب على أنه مفعول معه لمصاحبة الفعل ، قال الشّاعر (٨) :

وكونوا أنتم وبني أبيكم

مكان الكليتين من الطّحال

فنصب بني أبيكم على المفعول معه ، وإن لم يصحّ العطف نحو : جئت وزيدا ، تعيّن النّصب على المفعول معه على الأصحّ لعدم المؤكّد المنفصل المسوّغ للعطف

__________________

(١) شرح الكافية ، ١ / ١٩٤ ، ١٩٥.

(٢) الإنصاف ، ١ / ٢٤٨ وشرح المفصل ، ٢ / ٤٩ ، وتسهيل الفوائد ، ٩٩ وشرح التصريح ، ١ / ٣٤٣ وهمع الهوامع ، ١ / ٢١٩ وشرح الأشموني ، ٢ / ١٣٤.

(٣) تسهيل الفوائد ، ٩٩.

(٤) الكتاب ، ١ / ٢٩٩ وشرح المفصل ، ٢ / ٥١.

(٥) في الأصل فلذلك.

(٦) انظر آراءهم في ذلك ، في الهمع ١ / ٢١٩.

(٧) الكافية ، ٣٩٣.

(٨) البيت لم يعرف قائله وقد ورد في الكتاب ، ١ / ٢٩٨ ومجالس ثعلب القسم الأول ١٠٣ وشرح المفصل ، ٢ / ٤٨ وشرح الشواهد ، ٢ / ١٣٩ ، وشرح التصريح ، ١ / ٣٤٥ وهمع الهوامع ، ٢٢٠ ـ ٢٢١ وشرح الأشموني ، ٢ / ١٣٩.

١٨٠