الهجرة إلى الثقلين

محمّد گوزل الحسن الآمدي

الهجرة إلى الثقلين

المؤلف:

محمّد گوزل الحسن الآمدي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-293-8
الصفحات: ٤٥٠
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وأخرج أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى والطبراني والبزّار والذهبي وعن ابن طهمان عن أم سلمة أنها قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إن من أصحاب من لا يراني بعد أن أفارقه » .

فخرج عبد الرحمان بن عوف فلقي عمر ، فأخبره بالذي قالت أم سلمة ، فدخل عليها عمر ، فقال : بالله أمنهم أنا ؟ فقالت : لا ، ولا أبرئ أحداً بعدك .

أورده الهيثمي بثلاثة ألفاظ في مجمعه ، ففي موضع عزاه لأحمد وأبي يعلى والطبراني في الكبير ، وفي آخر عزاه لأحمد وأبي يعلى ، وفي ثالث وقال : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح . وقال المحشي لمسند أبي يعلى : إسناده صحيح . وفي هامش مسند ابن راهويه : صحيح رجاله ثقات كلّهم . وفي هامش سير أعلام النبلاء : ورجاله ثقات(١) .

وأخرج ابن عساكر والطبراني والبزار وأبو إسماعيل الأنصاري وعن يعقوب بن سفيان عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لألفينَّ ما نوزعت أحداً منكم عند الحوض فأقول : هذا من أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟! » .

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط والبزَّار ورجالهما ثقات . وقال في

_____________________

١٩٦ ح : ٢٢ ، المعجم الكبير : ٢٣ / ٢٩٧ و ٤١٣ ـ ٤١٤ ح : ٦٦١ ـ ٦٦٢ و ٩٩٦ ـ ٩٩٧ ، المعجم الأوسط : ٩ / ٣٢٦ ح : ٨٧٠٩ ، كنز العمال : ١٤ / ٤١٩ و ٤٣٦ ح : ٣٩١٣٠ و ٣٩١٩٣ ، النهاية في الفتن والملاحم : ٣٤٤ ، المصنف لابن أبي شيبة : ٧ / ٤٥٥ ح : ٣٧١٦٨ ، ذم الكلام وأهله : ٥ / ٢٨ ـ ٢٩ ح : ١٣٦٢ .

١ ـ مسند أحمد : ٦ / ٢٩٠ و ٣٠٧ و ٣١٧ ، مسند ابن راهويه : ٤ / ١٤٠ ح : ١٩١٣ ، مسند أبي يعلى : ١٢ / ٤٣٦ ح : ٧٠٠٣ ، مجمع الزوائد : ١ / ١١٢ و ٩ / ٧٢ ، سير أعلام النبلاء : ١ / ٨٢ ، وعن ابن طهمان في مشيخته ( ١٤٣ ) ، والاستيعاب : ٦ / ٧٩ و ٨٠ .

١٨١

موضع آخر : رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح(١) .

وأخرج مسلم وأحمد عن عائشة تقول : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ـ وهو بين ظهراني أصحابه ـ : « إني على الحوض أنتظر من يرد عليّ منكم ، فو الله ليقتطعن دوني رجال فلأقولن : أي ربي ، مني ومن أمتي ! فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، ما زالوا يرجعون على أعقابهم »(٢) .

وأخرج البخاري ومسلم وأحمد والحاكم وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري ، أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « فأقول : أصحابي أصحابي !! فقيل : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟ قال : فاقول : بُعداً بُعداً » أو قال : « سُحْقاً سُحقاً لمن بَدَّل بعدي » .

وجاء في لفظ لأحمد والحاكم وصحّحه مع الذهبي : « ولكنكم أحدثتم بعدي ورجعتم ـ أو ارتددتم ـ على أعقابكم القهقرى »(٣) .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي عاصم وأبو إسماعيل عن أبي بكرة ،

_____________________

١ ـ مجمع الزوائد : ٩ / ٣٦٧ و ١٠ / ٣٦٥ ، كنز العمال : ١٣ / ٩٤ ح : ٣٦٢١ و ٣٦٣٢٢ و ١٤ / ٤٣٥ ح : ٣٩١٩٠ ، ذمّ الكلام وأهله : ٥ / ٣٥ ـ ٣٦ ح : ١٣٦٧ .

٢ ـ صحيح مسلم : ١٥ / ٦١ ـ ٦٢ ح : ٢٨ م : ٢٢٩٤ ، كنز العمال : ١٤ / ٤١٩ ح : ٣٩١٢٩ ، الفتح الرباني : ١ / ١٩٦ ح : ٢١ ، مسند أحمد : ٦ / ١٢١ ، النهاية في الفتن والملاحم : ١ / ٣٤٣ ، صحيح الجامع الصغير : ١ / ٤٨٤ ح : ٢٤٦٧ .

٣ ـ صحيح البخاري كتاب الرقاق باب الحوض : ٤ / ٢٠٦ ح : ٦٥٨٤ وكتاب الفتن باب واتقوا فتنة لا تصيبن الخ ... : ٤ / ٣١٢ ح : ٧٠٥١ ، مسند أحمد : ٣ / ١٨ و ٢٨ و ٣٩ و ٦٢ ، الفتح الرباني : ١ / ١٩٥ ح : ١٩ ، صحيح مسلم : ١٥ / ٦٠ م : ٢٢٩١ ، مجمع الزوائد : ١٠ / ٣٦٤ ، كنز العمال : ١٤ / ٤٣٤ ح : ٣٩١٨٦ ، مسند أبي يعلى ٧ / ٤٣٤ ح : ٤٤٥٥ ، المستدرك : ٤ / ٧٤ ـ ٧٥ ، جامع الأحاديث للسيوطي : ٨ / ٥٠٠ ـ ٥٠١ ح : ٣٠٢٩١ ـ ٣٠٢٩٣ .

١٨٢

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ليرِدَنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني ، فإذا رُفِعوا إليّ ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولن : أصيحابي أصيحابي !! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟! »(١) .

أخرج نعيم بن حمّاد عن هشام بن حسّان عن الحسن نحوه(٢) .

وروي في ذلك عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء وزيد بن خالد(٣) .

وأخرج البخاري عن علاء بن المسيّب عن أبيه ، قال : لقيت البراء بن عازب ، قلت له : طوبى لك صحبت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده(٤) .

قال الواقدي : وكان طلحة بن عبد الله وابن عباس وجابر بن عبد الله يقولون : صلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قتلى أُحُد وقال : « أنا على هؤلاء شهيد » ، فقال أبو بكر : يا رسول الله أ ليس إخواننا أسلموا كما أسلمنا ، وجاهدوا كما جاهدنا ؟ قال : « بلى ، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئاً ، ولا أدري ما تحدثون بعدي » ، فبكى أبو بكر ، وقال : إنّا لكائنون بعدك ؟!

_____________________

١ ـ مسند أحمد : ٥ / ٤٨ ، ٥٠ ، الفتح الرباني : ١ / ١٩٥ ح : ١٨ ، كتاب السنة : ٣٤٢ ح : ٧٦٥ و ٧٦٦ ، المصنف لابن أبي شيبة : ٦ / ٣١٠ ـ ٣١١ ح : ٣١٦٦٤ ، ذم الكلام وأهله : ٥ / ٣٦ ـ ٣٧ ح : ١٣٦٩ .

٢ ـ الفتن لنعيم بن حماد : ١ / ٩٤ ح : ٢٢٢ .

٣ ـ كتاب السنة : ٣٤٢ ـ ٣٤٣ و ٣٤٤ ح : ٧٧١ ، كنز العمال : ١٤ / ٤٢٧ و ٤٢١ ح : ٣٩١٦٦ و ٣٩١٣٧ ، مجمع الزوائد : ١٠ / ٣٦٤ ، البحر الزخار : ١ / ٣١٤ ح : ٢٠٤ .

٤ ـ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية : ٣ / ١٣٠ ح : ٤١٧٠ .

١٨٣

ورواه الامام مالك في الموطأ(١) .

قال أحمد بن محمّد المغربي : وخرّج مالك والبخاري ومسلم حديث الحوض الّذي حُكي عن مالك أنه قال : ما ندمت على حديث أدخلته في [ الموطأ ] إلّا هذا الحديث . وعن الشافعي أنه قال : ما علمنا في كتاب مالك حديثاً فيه إزراء على الصحابة إلّا حديث الحوض ، ووددنا أنه لم يذكره ، أو نحو هذه العبارة(٢) .

فيتعجب المرء ـ عند سماع هذا الكلام ـ من صنيع هذين الإمامين ومن تأسفهما على رواية هذا الحديث ! فتأسفهما في الواقع ليس على نقل الحديث فحسب ، بل مآل هذا التأسف هو التأسف على إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به ؛ لأنّ الحديث ثبت عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطرق مستفيضة صحيحة بل متواترة ، كما لاحظت .

وكان على هذين الإمامين التأسّف على وقوع هذه الحادثة فيما بين الصحابة ، لا على إخبار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بها ، ولا على تدوينها في كتبهم الحديثية .

فندمُ مالك وتأسّفُ الشافعي ـ لو صحت الحكاية ـ دليل على أن صون مكانة الصحابة أهم لهما من حماية دين الله ووقاية سنة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأن الجدال عن الذين يختانون أنفسهم والخصام للخائنين يكون سبباً لتشويش الإسلام وتغطية الباطل ، فإننا نأخذ جميع مبادئ ديننا من هؤلاء الصحابة ، فإذا لم نستطع أن نميّز المحقّ من المبطل فسنكون متمسّكين بروايات جماعة من الذين أنبأ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بارتدادهم من بعده ومقتدين بسنتهم بحسبان أنها من الحق من دون أن نشعر بأنها عين الباطل .

_____________________

١ ـ الموطأ كتاب الجهاد باب الشهداء في سبيل الله : ٢ / ٤٦١ ـ ٤٦٢ ح : ٣٢ ، المغازي : ١ / ٣١٠ .

٢ ـ فتح الملك العلي / ٩١ ـ ٩٢ .

١٨٤

وجود المنافقين قبل موت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ما ذكرنا من النصوص كانت متعرضة لحال الصحابة بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وأمّا حالهم في حياته ، فلا شبهة في وجود منافقين كثيرين فيما بين أصحابه ، ولا عِلْمَ لجميع الصحابة بهؤلاء المنافقين ، بل قال الله تبارك وتعالى : ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )(١) .

قال فخر الدين الرازي : والمعنى أنهم تمردوا في حرفة النفاق فصاروا فيها أستاذين ، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك .

ونقل أبو حيان الأندلسي في البحر قريباً من كلامه عن الزمخشري(٢) .

ولا يخفى أنّه إذا كان حال المنافقين مجهولاً بهذا الشكل في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسيكون مجهولاً ومخفياً على التابعين بطريق أولى ، وهم يحسبونهم من الصحابة وأهل السبق والفضل عليهم ، ويروون عنهم الأخبار عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معتمدين عليهم من دون أن يعلموا بأحوالهم ، إلّا القليل من الذين أنعم الله عليهم بالتمسّك بميزان الفصل بين الحق والباطل ومعيار الفرق بين الإيمان والنفاق ، وهو حبّ عليٍّ عليه‌السلام كما تقدم عن أبي سعيد الخدري وجابر

_____________________

١ ـ سورة التوبة : ١٠١ .

٢ ـ مفاتيح الغيب : ١٦ / ١٧٣ ، البحر المحيط : ٥ / ٤٩٦ .

١٨٥

بن عبد الله وأبي ذر الغفاري وأبي الدرداء أنهم قالوا : ما كنا نعرف المنافقين إلّا ببغضهم عليّاً .

وما روي عن علي عليه‌السلام وجابر بن عبد الله أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « لولاك ياعلي ما عُرف المؤمنون من بعدي »(١) .

وقد قال أصحاب السير والتاريخ : أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما خرج إلى معركة أحد في ألف نفر من أصحابه انفصل منهم من المنافقين ثلاثمائة نفر ، ورجعوا إلى المدينة بقيادة عبد الله بن أبي بن سلول .

ونقل ابن كثير الشامي عن البيهقي : أن المشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل ، ثم قال : كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري(٢) .

هذا مضافاً إلى وجود مرضىٰ القلوب والسمّاعين للمنافقين فيما بين أصحابه ، وقد نطق بذلك القرآن العظيم في عدّة مواضع ، قال الله عز وجل : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا )(٣) .

وقال : ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ )(٤) .

_____________________

١ ـ جواهر المطالب : ١ / ٢٥١ ، الرياض النضرة : ٢ / ١٧٣ ، المناقب لابن المغازلي / ٧٠ ، ٢٣٨ ح : ١٠١ و ٢٨٥ ، كنز العمال : ١٣ / ١٥٢ ح : ٣٦٤٧٧ .

٢ ـ الكامل في التاريخ : ١ / ٥٤٩ ، البداية والنهاية : ٤ / ١٥ ، تاريخ الطبري : ٢ / ٦٠ ، السيرة النبوية لابن هشام : ٣ / ٦٨ ، المغازي للواقدي : ١ / ٢١٩ .

٣ ـ سورة الاحزاب : ١٢ .

٤ ـ سورة المائدة : ٤١ .

١٨٦

فيتسائل المرء في نفسه : أين ذهب هؤلاء الجمّ الغفير من أهل النفاق بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ هل آمن جميعهم بعد موت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ أو هل انقطع النفاق بانقطاع الوحي ؟ أم هل كان موت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبباً لإيمانهم وعدالتهم ؟!

بل في بعض الآيات إشعار بخلاف ذلك ، كما في قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ )(١) .

_____________________

١ ـ سورة آل عمران : ١٤٤ .

١٨٧

١٨٨

مواقف الصحابة أمام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

هذا ، مع أن الذين نحسبهم من أهل الفضل والإخلاص من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قد تمرّدوا على أمره وأبوا عن امتثاله واجتهدوا أمام نصوصه في كثير من المقامات ، فإليك بعض الأمثلة ، منها :

١ ـ يوم الحديبية :

قد تقدّم صدر الحديث الذي أخرجه عبد الرزاق والبخاري وأحمد بن حنبل وغيرهم في قصة صلح الحديبية ، فإليك ما بقي منها :

فلمّا فرغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكتاب الذي كتب يومئذ في الصلح ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه : « قوموا فانحروا ثم احلقوا » ، قال : فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أمّ سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله أتحبّ ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلّم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج فلم يكلّم أحداً منهم بشيء ، حتى فعل ذلك : نحر بدنة ودعا حالقه فحلق رأسه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غماً » .

وجاء في بعض الروايات أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « عجباً يا أم سلمة إني قلت

١٨٩

للناس : انحروا واحلقوا وحلّوا مراراً فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك ، وهم يسمعون كلامي وينظرون في وجهي !! »(١) .

فلما وقفتُ على هذه القصة الأليمة سالت الدموع من العين وغشى الحزن والكمد على قلبي ، وتعجبت كثيراً من صنيع الصحابة ومن قلّة انقيادهم لأمر نبيّهم وهو خاتم الأنبياء صلوات الله عليه ، ومن وسيع صبره وتحمله لتلك الآلام الكبيرة .

٢ ـ يوم حج التمتع :

أخرج الشافعي وأحمد والأوزاعي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والحميدي وابن حبان : وابن ماجه والطحاوي والطبراني وابن حزم وغيرهم عن جابر بن عبد الله : أنّه حجَّ مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عام ساق معه الهدي ـ وقد أهلّوا بالحج مفردا ـ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أحِلُّوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصِّروا وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحج واجعلوا التي قدّمتم متعة » ـ أي عمرة التمتع ـ قالوا : كيف نجعلها متعة وقد سمّينا الحج ؟! قال : « افعلوا ما آمركم به ، فإني

_____________________

١ ـ صحيح البخاري كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد : ١ / ٢٨٢ ـ ٢٨٣ ح : ٢٧٣١ ـ ٢٧٣٢ ، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب صلح الحديبية (٣٤) : ١٢ / ٣٨٢ م : ١٧٨٥ ، مسند أحمد : ٤ / ٣٣٠ ـ ٣٣١ ، المصنف لابن أبي شيبة : ٧ / ٣٨٣ ، ٣٨٧ ـ ٣٨٩ ح : ٣٦٨٢٩ و ٣٦٨٤٤ ، دلائل النبوة للبيهقي : ٤ / ١٠٦ ـ ١٠٧ ، سبل الهدى والرشاد : ٥ / ٥٦ ، المغازي للواقدي : ١ / ٦١٣ ، السيرة الحلبية : ٣ / ٢٣ ، كنز العمال : ١٠ / ٤٨٨ ـ ٤٩٦ ح : ٣٠١٥٤ ، المصنف لعبد الرزاق : ٥ / ٣٣٠ ـ ٣٤٢ ح : ٩٧٢٠ ، الكامل في التاريخ : ١ / ٥٨٦ ، البداية والنهاية : ٤ / ٢٠٠ .

١٩٠

لولا أني سقت الهدي لفعلتُ مثل الذي أمرتكم به ، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محلّه » .

وجاء في أكثر روايات هؤلاء : أن سراقة بن مالك قام فقال : يا رسول الله ، هي لنا أو للأبد ؟ فقال : « لا ، بل للأبد » .

وجاء في بعض ما رواه البخاري ومسلم وأبو عوانة وأحمد والطبراني وغيرهم عن جابر بن عبد الله وابن عباس وسراقة بن مالك : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة » .

بل وجاء في رواية عمر نفسه الذي نهى عن هذه المتعة في زمن خلافته ، كما روى عنه البخاري في عدة مواضع من صحيحه ، وأحمد والطحاوي وابن حزم وأبو داود وابن ماجة والبزّار والدارقطني والبيهقي واللفظ له : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « أتاني جبريل عليه‌السلام وأنا بالعقيق ، فقال : صلِّ في الواد المبارك ركعتين ، وقل عمرة في حجة ، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة » .

وجاء في بعض ما رواه البخاري ومسلم والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس ، أنه قال : كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ، يقولون : إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر ، وكانوا يسمّون المحرم صفراً ، فقدم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه لصبح الرابعة مهلِّين بالحجّ ، فأمرهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يارسول الله أي الحل ؟! قال : « الحلّ كلُّه » يعني يحلّون من كل شيء .

وجاء في بعض ما رواه مسلم وأبوعوانة وغيرهما عن جابر ، أنه قال : أهللنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحجّ ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحلّ ونجعلها

١٩١

عمرة ، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا ، فبلغ ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... .

وفي لفظ الطبراني عنه أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « أتتهموني وأنا أمين أهل السماء وأهل الأرض » .

وجاء في عدّة روايات أخرجها البخاري ومسلم وأحمد وأبو عوانة وأبو داود والطحاوي وابن حبان والحميدي وابن ماجه وابن سعد والطبراني وغيرهم : أنّ بعضهم قال : ننطلق إلى منى وذَكَرُ أحدِنا يقطر منياً .

قال القرطبي : والقائل عمر وابن مسعود أو أحدهما(١) .

_____________________

١ ـ صحيح البخاري : ١ / ٤٧٤ ح : ١٥٣٤ وباب التمتع والقران والافراد بالحج : ١ / ٤٨٣ ـ ٤٨٤ ح : ١٥٦٤ و ١٥٦٨ وباب نقض الحائض المناسك كلها : ١ / ٥٠٦ ح : ١٦٥١ وباب عمرة التنعم : ١ / ٥٤٠ ح : ١٧٨٥ و ٢ / ١٥٧ ح : ٢٣٣٧ وكتاب الشركة باب الاشتراك في الهدي : ٢ / ٢٠٨ ح : ٢٥٠٥ و ٢٥٠٦ وكتاب المغازي باب بعث علي بن أبي طالب وخالد إلى اليمن : ٣ / ١٦٣ ح : ٤٣٥٢ و ٤٣٥٤ و ٤ / ٣٧٠ ح : ٧٣٤٣ وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب نهي النبي على التحريم : ٤ / ٣٧٥ ح : ٧٣٦٧ وباب التمني باب لو استقبلت من أمري ... : ٤ / ٣٤٩ ـ ٣٥٠ ح : ٧٢٣٠ ، صحيح مسلم باب بيان وجوه الاحرام : ٨ / ٤١٢ ـ ٤١٧ ح : ١٤١ و ١٤٣ و ١٤٤ من باب ١٧ م : ١٢١٦ ، مسند أحمد : ١ / ٢٥٣ و ٣ / ٢٩٢ و ٢٩٣ و ٣٠٥ و ٣١٧ و ٣٦٦ و ٣٨٨ ، سنن أبي داود باب افراد الحج : ٢ / ١٥٥ و ١٥٦ ح : ١٧٨٧ و ١٧٨٨ و ١٧٨٩ ، سنن البيهقي باب من اختار الافراد : ٥ / ٣ ـ ٦ و ١٣ و ١٨ ـ ١٩ و ٢٣ ـ ٢٤ و ٤ / ٣٣٨ و ٣٤٥ و ٣٤٦ و ٣٥٢ و ٣٥٦ ، زاد المعاد فصل في إحلال من لم يكن ساق الهدي : ٢ / ١٥٦ ـ ١٦٥ و ١٨٧ و ١٨٨ ، صحيح ابن حبان : ٩ / ١٠٠ ـ ١٠١ و ٢٢٧ و ٢٣٢ و ٢٣٤ و ٢٣٥ و ٢٥٠ ـ ٢٥٧ ح : ٣٧٩١ و ٣٩١٩ و ٣٩٢١ و ٣٩٢٤ و ٣٩٥٣ و ٣٩٤٤ ، مسند الحميدي : ٢ / ٥٤١ ح : ١٢٩٣ ، سنن ابن ماجه كتاب المناسك باب فسخ الحج : ٢ / ٩٩١ ـ ٩٩٣ ح : ٢٩٧٧ و ٢٩٨٣ ، المعجم الكبير : ٧ / ١٠٧ ـ ١٠٩ و ١١٩ ـ ١٢٨

١٩٢

الظاهر أن القائل هو أحدهما ؛ لأنّنا ما رأينا أمثال هذه المواقف من عبد الله بن مسعود أمام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد تقدم مَنْعُ عمر لهذه العمرة على رغم الكتاب والسنة ، لأجل تلك العلّة .

نعم ، هذا هو الإجتهاد ! الإجتهاد في مقابل النصّ ، ولا بأس به على مذهب ابن حجر الهيتمي وابن تيمية الحراني وابن كثير الشامي وأمثالهم !! .

وأخرج أحمد بن حنبل وأبو يعلى وابن ماجه وابن حزم عن البراء بن عازب ، قال : خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه ، فأحرمنا بالحج ، فلما قدمنا مكة قال : « اجعلوا حجكم عمرة » ، فقال الناس : يا رسول الله ، قد أحرمنا

_____________________

و ١٣٠ ـ ١٣١ و ١٣٦ ح : ٦٥١٣ ـ ٦٥١٥ و ٦٥٦٢ ـ ٦٥٨٧ و ٦٥٩٤ ـ ٦٥٩٧ و ٦٦٠٤ ، بذل المساعي / ٨٣ ـ ٨٤ ح : ٨٠ ، سنن الأوزاعي / ٣٠٨ ـ ٣٠٩ ح : ٩٩٦ و ٩٩٧ ، مسند أبي عوانة : ٢ / ٣٣٣ ـ ٣٣٥ و ٣٤١ ح : ٣٣٢٧ و ٣٣٢٨ و ٣٣٣٥ و ٣٣٦٠ ، شرح معاني الآثار : ٢ / ١٤٦ و ١٩٠ ـ ١٩٢ ح : ٣٦٨٤ و ٣٨٧٧ و ٣٨٨٢ و ٣٨٨٤ ، مسند الامام الشافعي / ٣٦٦ ، السنن للشافعي : ٢ / ٩٣ و ١٠٤ ـ ١٠٩ و ١٢٨ ح : ٤٥١ و ٤٦٣ ـ ٤٦٥ و ٤٨١ ، الجامع لأحكام القرآن : ٢ / ٣٩٣ و ٣٩٤ ـ ٣٩٥ ، الدر المنثور : ١ / ٥٢١ ـ ٥٢٢ ، المحلّى : ٧ / ٥٥ ـ ٥٦ ، كنز العمال : ٥ / ٤٣ ـ ٤٥ و ٤٦ ح : ١١٩٧٣ ـ ١١٩٧٥ و ١١٩٨٣ ـ ١١٩٨٤ و ١١٩٨٩ ـ ١١٩٩٢ ، مجمع الزوائد : ٣ / ٢٣٥ ـ ٢٣٧ ، شرح السنة للبغوي : ٤ / ١٧٢ ـ ٢٧٢ ح : ١٨٧٨ ، حجة الوداع لابن حزم / ١٥٩ و ١٦٠ و ٣٣٥ و ٤٠٣ و ٤٠٩ ـ ٤١٠ ح : ٧٠ و ٧٢ و ٧٣ و ٣٦٠ و ٤٥٩ و ٤٧٠ و ٤٧٢ ، سنن أبي داود : ٢ / ١٥٩ ح : ١٨٠٠ و ١٨٠١ ، معرفة السنن والآثار : ٧ / ٦٨ و ٧٠ و ٧٦ ح : ٩٣١٥ و ٩٣٢٣ و ٩٣٤٤ ، الطبقات الكبرى لابن سعد : ١ / ٤٧٨ وفي طبع : ٢ / ١٣٤ ، نصب الراية : ٣ / ١٠٠ ـ ١٠٧ و ١١٣ ـ ١٢٣ ، البداية والنهاية : ٥ / ١٣١ و ١٣٤ و ١٤٦ ، البحر الزخار : ١ / ٣١٢ ـ ٣١٣ ح : ٢٠١ و ٢٠٢ ، العلل للدارقطني : ٢ / ٨٨ س : ١٣١ ، المسند المستخرج على صحيح مسلم : ٣ / ٣٤١ ـ ٣٤٩ ح : ٢٨٧٢ ـ ٢٨٩٥ وراجع باب : ٣٩٣ و ٣٩٥ منه .

١٩٣

بالحج فكيف نجعلها عمرة ؟! قال : « انظروا ما آمركم به ، فافعلوا » ، فردّوا عليه القول ، فغضب ، فانطلق ثم دخل على عائشة غضبان ، فرأت الغضب في وجهه ، فقالت : من أغضبك أغضبه الله ؟! قال : « ما لي لا أغضب وأنا آمر أمراً فلا أُتَّبع » .

وأورده الهيثمي في مجمعه عن أبي يعلى وقال : رجاله رجال الصحيح(١) .

وأخرج مسلم وأبو عوانة وابن حبان وابن خزيمة وأبو داود الطيالسي والبيهقي عن عائشة أنها قالت : قدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس ، فدخل عليّ وهو غضبان ، فقلت : من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار ، قال : « أو ما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يتردّدون » . وزاد الطيالسي : قال الحكم : كأنهم خشب مسنّدة(٢) .

قال ابن القيم : وقد رَوى عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأمرَ بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه ، وأحاديثهم كلُّها صحاحٌ ، وهم :

١ ـ عائشة .

٢ ـ وحفصة أُمَّا المؤمنين .

_____________________

١ ـ مسند أحمد : ٤ / ٢٨٦ ، سنن ابن ماجه ، باب فسخ الحج : ٢ / ٩٩٣ ح : ٢٩٨٢ ، مجمع الزوائد باب فسخ الحج الى العمرة : ٣ / ٢٣٣ ، زاد المعاد : ٢ / ١٦٠ ، مسند أبي يعلى : ٣ / ٢٣٣ ـ ٢٣٤ ح : ١٦٧٢ ، المحلى لابن حزم : ٧ / ٥٥ ـ ٥٦ ، حجة الوداع له أيضاً / ١٦٣ ح : ٨٠ .

٢ ـ صحيح ابن حبان : ٩ / ٢٤٨ ح ٣٩٤١٦ ، صحيح مسلم باب وجوه الاحرام : ٨ / ٤٠٥ ح : ١٣٠ من باب ١٧ ، صحيح ابن خزيمة : ٤ / ١٦٥ ـ ١٦٦ ح : ٢٦٠٦ ، سنن البيهقي باب من اختار التمتع : ٥ / ١٩ ، عن مسند الطيالسي : ٢١٦ ح : ١٥٤٠ ، مسند أبي عوانة : ٢ / ٣٤٢ ح : ٣٣٦٣ و ٣٣٦٤ .

١٩٤

٣ ـ وعلي بن أبي طالب .

٤ ـ وفاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٥ ـ وأسماء بنت أبي بكر الصدّيق .

٦ ـ وجابر بن عبد الله .

٧ ـ وأبو سعيد الخدري .

٨ ـ والبراء بن عازب .

٩ ـ وعبد الله بن عمر .

١٠ ـ وأنس بن مالك .

١١ ـ وأبوموسى الأشعري .

١٢ ـ وعبد الله بن عباس .

١٣ ـ وسبرة بن معبد الجهني .

١٤ ـ وسراقة بن مالك المدلجي .

ونحن نشير إلى هذه الأحاديث ... ثم شرع ابن القيّم في سرد الأحاديث في ذلك ، فمن أراد فليراجع كتابه : [زاد المعاد](١) .

وذكر ابن حزم الأندلسي أحاديث هؤلاء في [ حجة الوداع ] ثم قال : فهؤلاء أربعة عشر من الصحابة ـ وذكر أسمائهم ـ كلّهم رووا أمرَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفسخ الحج لمن لم يسق الهدي وإلزامهم التمتع بعمرة ثم حجة(٢) .

وقال أبوبكر الرازي في الأحكام : وقد وردت آثار متواترة في أمر

_____________________

١ ـ زاد المعاد : ٢ / ١٥٦ ـ ١٦٥ .

٢ ـ حجة الوداع لابن حزم / ٣٤٤ .

١٩٥

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه في حجة الوداع بفسخ الحج(١) .

٣ ـ يوم الجمعة :

قال الله تبارك وتعالى : ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّـهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّـهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )(٢)

أخرج البخاري ومسلم وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن خزيمة والدارقطني وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والواحدي والبيهقي في سننه من طرق عن جابر بن عبد الله ، واللفظ للبخاري ، قال : أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فثار الناس إلّا اثنى عشر رجلاً ، فأنزل الله : ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) .

وفي لفظ أبي يعلى عن جابر : بينما النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب يوم الجمعة ، فقدمت عير إلى المدينة ، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى لم يبق مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا اثنا عشر رجلا ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً » ، ونزلت هذه الآية .

وفي لفظ ابن مردويه عن ابن عباس : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لو خرجوا كلّهم لاضطرم المسجد عليهم نارا » .

والقصة معروفة مروية عن جماعة من الصحابة والتابعين ، وعاتبهم الله على ذلك العمل في كتابه الكريم .

_____________________

١ ـ أحكام القرآن للجصاص : ١ / ٣٩٨ .

٢ ـ سورة الجمعة : ١١ .

١٩٦

وعن البيهقي : أن ذلك الموقف صدر منهم ثلاث مرات ، ويؤيده أنه جاء في رواية لابن عباس وغيره : أن الباقين في المسجد كانوا اثنى عشر رجلاً ، وفي رواية أخرى له : أن الباقين كانوا ثمانية رجال ، وفي رواية ثالثة له : أن الباقين كانوا سبعة رجال(١) .

إن هذا لشيءٌ عجيب جدّاً ، فإذا كان حال الجيل المثالي هكذا ، وهم في خير القرون ـ على حد تعبير أهل السنة والجماعة ـ فكيف يكون حال أهل القرون المتأخرة ؟ فكأنّ اللهو والتجارة أهمّ من خطبة النبي وكلامه صلوات الله عليه وآله .

٤ ـ يوم أمارة أسامة بن زيد :

خلاصة القصة : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هيّأ سريّة لغزو الروم وأَمَّر عليها أسامة ابن زيد ـ وهو لم يبلغ العشرين من عمره ـ وعبّأ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه السرية وجوهَ المهاجرين والأنصار ، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص ، فَعقَد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لواء أسامة بيده الشريفة ، ثم قال : « اغز باسم الله وفي سبيل الله وقاتِلْ من كفر بالله » ، فخرج وعسكر بالجرف ، ثم تثاقلوا هناك

_____________________

١ ـ صحيح البخاري الجمعة : ١ / ٢٩٦ ح : ٩٣٦ والبيوع : ٢ / ٧٦ و ٧٨ ح : ٢٠٥٨ و ٢٠٦٤ والتفسير : ٣ / ٣٠٩ ح : ٤٨٩٩ ، صحيح مسلم الجمعة : ٢ / ٤٩٤ ح : ٨٦٣ ب : ١١ ، صحيح ابن خزيمة : ٣ / ١٧٤ ح : ١٨٥٢ ، سنن الدارقطني : ٢ / ٤ ـ ٥ ح : ١٥٦٧ و ١٥٦٨ ، السنن الكبرى للبيهقي باب الخطبة قائمة : ٣ / ١٩٧ ، الدر المنثور : ٨ / ١٦٥ ـ ١٦٧ ، الجامع لأحكام القرآن : ١٨ / ١٠٩ ـ ١١١ ، جامع البيان : ١٤ / ١٠٣ ـ ١٠٥ ، تفسير القرآن العظيم : ٤ / ٣٩٢ ، مسند أبي يعلى : ٣ / ٤٠٥ ـ ٤٠٦ و ٤٦٨ ـ ٤٦٩ ح : ١٨٨٨ و ١٩٧٩ ، وعن الترمذي في التفسير برقم ٣٣٠٨ ، والواحدي في أسباب النزول برقم ٣١٩ و ٣٢٠ .

١٩٧

فلم يبرحوا ، وطعن قوم منهم في تأمير أسامة وأكثروا في ذلك ، حتى غضب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فخرج معصّب الرأس مدّثراً بقطيفته محموماً ألماً ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : « أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة ، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله إن كان لخليقاً بالإمارة وأن ابنه من بعده لخليق بها » ، وحضَّهم على المبادرة والتعجيل وهم يتثاقلون .

ثم ثقل في مرضه ، فجعل يقول : « انفذوا جيش أسامة ، أرسلوا بعث أسامة » ، يكرر ذلك وهم متثاقلون ، حتى قال ـ كما في بعض الروايات ـ : « لعن الله من تخلف عن جيش أسامة » .

ثم أمر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسامة بالسير قائلاً له : « اغد على بركة الله تعالى » ، وفي يوم البعدي إذا بأسامة قد رجع ومعه عمر وأبو عبيدة ، من دون أن يسيروا حيث أمرهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانتهوا إليه وهو يجود بنفسه ، فتوفّي صلوات الله وسلامه عليه وآله(١) .

إذا تفكر المرء في ما تقدّم من تركهم لجنازة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدم حضورهم عند دفنه ، كأن لا علاقة بينه وبينهم ، يفهم أن حال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما كان فيه

_____________________

١ ـ تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٩٣ ، مختصر تاريخ دمشق : ٤ / ٢٤٨ و ٢٥٠ و ٩ / ١٢٨ ـ ١٢٩ ، تاريخ ابن الأثير : ٢ / ٥ ، تاريخ الطبري : ٢ / ٢٢٤ ـ ٢٢٥ ، المغازي للواقدي : / ١١١٧ ـ ١١٢٠ ، كنز العمال : ١٠ / ٥٧٠ ـ ٥٧٨ ح : ٣٠٢٦٤ ـ ٣٠٢٦٧ ، شرح نهج البلاغة : ١ / ١٥٩ ـ ١٦٠ و ٦ / ٥٢ ، السيرة الحلبية : ٣ / ٢٠٧ ، سيرة زيني دحلان بهامشه : ٢ / ٣٣٩ ، أنساب الأشراف : ٢ / ١١٤ ـ ١١٥ ، منتخب الكنز : ٤ / ١٨٠ ، ١٨٣ ، أسد الغابة : ١ / ٦٦ ، المصنف لابن أبي شيبة ٦ / ٣٩٥ ح : ٣٢٢٩٥ ، الطبقات الكبرى : ١ / ٤٨٠ ـ ٤٨١ و ٥٢١ ـ ٥٢٢ ، المنتظم في التاريخ : ٤ / ١٦ .

١٩٨

من الوجع والألم لم يكن مهمّاً لهؤلاء ، فتثاقلهم وعدم امتثالهم لأمره لم يكن لأجل ذلك ، بل كان لأجل ما هو أهمّ لديهم من جميع ذلك ، فذهبوا إلى السقيفة وتنازعوا حوله ، ألا وهو الإمارة والرئاسة !!

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا )(١) .

_____________________

١ ـ سورة الأحزاب : ٣٦ .

١٩٩

٢٠٠