الهجرة إلى الثقلين

محمّد گوزل الحسن الآمدي

الهجرة إلى الثقلين

المؤلف:

محمّد گوزل الحسن الآمدي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-293-8
الصفحات: ٤٥٠
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

والمارقين ، وأمرهم أن يقاتلوهم معه(١) .

فقد كان قتاله مع الطائفة الأولى في يوم الجمل ، وقتاله مع الطائفة الثانية في صفين ، وكان قتاله مع الطائفة الثالثة في النهروان .

وما رأيت مبغضاً له سلام الله عليه إلّا هؤلاء وأتباعهم وأشياعهم .

فعند ذلك فهمت بأن المنابع التي كنا نستسقي منها لم تكن صافية ، وأن الرواة الذين أخذنا منهم معالم ديننا وروينا عنهم الأخبار في فضائل بعض ومطاعن البعض الآخر هم أنفسهم محلّ خلل وكدورة ، ومع الأسف نرى أن أساس ديننا كان على هؤلاء ، فإنّ أكثر الأحاديث التي رواها علماؤنا كانت مروية عنهم ، ولو حذفنا مروياتهم من كتبنا لسقط عن الحجية معظم الأخبار التي نعدها من الصحاح ودوَّن منها أصحاب السنن والمسانيد مؤلّفاتهم .

والعجب من علماء أهل السنة والجماعة أنهم يطرحون أخبار كل من طعن فيه أحد من أهل الجرح والتعديل مثل ابن معين والبخاري وابن حبان وغيرهم ، ولا يطرحون أخبار من نص النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على نفاقه وعداوته لله تعالى وأنه من الدعاة إلى النار !! مع صحة تلك النصوص بل تواتر بعضها عندهم .

_____________________

١ ـ مجمع الزوائد : ٦ / ٢٣٥ و ٥ / ١٨٦ و ٧ / ٢٣٨ ، منتخب الكنز : ٥ / ٤٣٧ و ٤٥١ ، تاريخ دمشق : ٤٢ / ٤٦٨ ـ ٤٧٣ ، ميزان الاعتدال : ١ / ٢٧١ و ٥٨٤ م : ١٠١٤ و ٢٢١٥ ، كنز العمال : ١١ / ٣٥٢ ح : ٣١٧٢٠ و ٣١٧٢١ ، أسد الغابة : ٤ / ٣٣ ، تاريخ بغداد : ٨ / ٣٤٠ و ٣٤١ م : ٤٤٤٧ و ١٣ / ١٨٦ و ١٨٧ م : ٧١٦٥ ، المستدرك : ٣ / ١٣٩ و ١٤٠ ، المناقب للخوارزمي / ٨٦ ـ ٨٧ و ١٧٦ و ١٨٩ ـ ١٩٠ ح : ٧٧ و ٢١٢ و ٢٢٤ ـ ٢٢٦ ، كفاية الطالب / ١٤٥ و ١٤٦ و ١٤٩ ، فرائد السمطين : ١ / ٢٨٤ ح : ٢٢٤ و ٢٢٥ ب : ٥٤ .

١٠١

وأعجب من ذلك صنيع ابن حجر الهيتمي حول الحديث المروي عن أمير المؤمنين أنه قال : قال خليلي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضيين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمحين » .

ومثله الحديث المفسر لقول الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )(١) .

قال ابن حجر : أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية لما نزلت قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي : « هو أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوك غضابا مقمحين » ، قال : ومن عدوي ؟ قال : « من تبرّأ منك ولعنك » .

وفي الباب عن بريدة ومعاذ وأبي سعيد وجابر وأبي برزة .

حيث قال في صواعقه : وشيعته هم أهل السنة .. وأعداؤه هم الخوارج ونحوهم من أهل الشام ، لا معاوية ونحوه من الصحابة ، لأنهم متأوّلون ، فلهم أجر ، وله هو وشيعته أجران(٢) .

ولا أدري كيف يمكن أن يكون الأتباع والجنود من الفئة المقاتلة لأمير المؤمنين أعداءاً له سلام الله عليه ويكون رؤساؤهم وقادتهم أصدقاء له ؟! وكيف يقبل ابن حجر على نفسه أن يجعل معارضة النصوص الصريحة تأويلاً

_____________________

١ ـ سورة البينة : ٧ .

٢ ـ الصواعق المحرقة / ١٥٤ ـ ١٦١ ، الفصول المهمة / ١٢٣ ، كنز العمال : ١٣ / ١٥٦ ح : ٣٦٤٣٨ ، مجمع الزوائد : ٩ / ١٣١ ، شواهد التنزيل : ٢ / ٤٥٩ ـ ٤٧٣ ح : ١١٢٥ ـ ١١٤٨ رقم الآية : ٢٠٦ ، الدر المنثور : ٨ / ٥٨٩ ، المناقب للخوارزمي / ٢٦٥ ـ ٢٦٦ ح : ١٤٧ ، جامع البيان : ١٥ / ٢٦٥ ، فرائد السمطين : ١ / ١٥٥ ح : ١١٧ و ١١٨ ، درر السمطين / ٩٢ .

١٠٢

مأجوراً عليه ؟! وهل فكَّر في أنّ الإجتهاد يحتاج إلى مستند وهدف شرعيّين ؟ فما هو المستمسك والغاية لمعاوية بن أبي سفيان وأمثاله حتى سفكوا لأجلها دماء عشرات الآلاف من المسلمين ؟ مع أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وَصَفهم بكونهم « من الدعاة إلى النار » ـ كما رأيت روايته عن البخاري وغيره ـ فهل يستطيع سماحة ابن حجر أن يسلب عنهم ذلك الوصف بوسيلة دفاعه المذكور ؟!

بل إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيّنَ عدوَّه في نفس الحديث بأنَّه « من تبرّأ منك ولعنك » .

وأمْرُ معاوية بلعن علي عليه‌السلام على المنابر شيء معلوم لدى العام والخاص .

قال الأندلسي : ولما مات الحسن بن علي حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن علياً عليه‌السلام على منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقيل له : إن هاهنا سعد ابن أبي وقاص ، ولانراه يرضى بهذا فابعث إليه وخذ رأيه ، فأرسل إليه وذكر له ذلك ، فقال : إن فعلت لأخرجنَّ من المسجد ثم لا أعود إليه ، فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد ، فلما مات لعنه على المنبر وكتب إلى عماله : أن يلعنوه على المنابر ؛ ففعلوا ، فكتبت أم سلمة زوج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى معاوية : إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم ، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه ، وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله ، فلم يلتفت إلى كلامها(١) .

قال الحموي في معجم البلدان حول مدح بلد سجستان : قال الرهني : وأجلّ من هذا كلّه : أنه لعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبر سجستان إلّا مرة ... وأي شرف أعظم من

_____________________

١ ـ العقد الفريد : ٥ / ١١٤ ، ١١٥ .

١٠٣

امتناعهم من لعن أخي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على منبرهم ؟! وهو يُلْعَن على منابر الحرمين مكة والمدينة(١) .

وذكر الزمخشري قصة لعنهم في ربيع الأبرار ، وقال : إن بني أمية لعنوا علياً على منابرهم سبعين سنة(٢) .

وقد عَدّ العلماء من مناقب عمر بن عبد العزيز رفعه لهذه السنة السيئة الشنيعة .

قال علي فاعور : كان بنو اُمية يسبون علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، إلى أن ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز ، فترك ذلك وكتب إلى عماله في الآفاق بتركه ... وقرائة : ( إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) الآية(٣) .

وقال ابن الجوزي نقلا عن الغزالي : إنه استفاض لعن علي عليه‌السلام على المنابر ألف شهر ، وكان ذلك بأمر معاوية . أتراهم أمرهم بذلك كتاب أو سنة أو إجماع .

وهذا الكلام موجود في [ سر العالمين ] للغزالي مع شيء يسير من التفاوت(٤) .

وأخرج البلاذري في الأنساب وذكره الذهبي في أعلام النبلاء : أن عمر بن علي بن الحسين روى عن أبيه قال : قال مروان : ما كان في القوم أدفع عن

_____________________

١ ـ معجم البلدان : ٣ / ٢١٥ م : ٦٢٨٦ ك : سجستان .

٢ ـ ربيع الأبرار : ٢ / ٣٢٠ و ٣٣٠ و ٣٣٥ ب : ٢٧ م : ٥١ و ١٠٨ و ١٣٢ .

٣ ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي / ٢٨٥ في ترجمته ، سيرة عمر بن عبد العزيز / ٤٣ و ٤٤ ، مروج الذهب : ٣ / ١٨٤ حول ترجمته .

٤ ـ تذكرة الخواص الباب الرابع / ٦٥ وفي طبع / ٦٢ ، سر العالمين المقالة الرابعة / ٢٤ .

١٠٤

صاحبنا من صاحبكم ـ يعني علياً عن عثمان ـ قال : قلت : ما بالكم تسبّونه على المنابر ؟ قال : لا يستقيم الأمر إلّا بذلك .

رواه ابن أبي خيثمة بإسناد قوي عن عمر(١) .

قال ابن أبي الحديد : ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ : أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة : اللهم إن أباتراب ألحد في دينك وصدّ عن سبيلك فالعنه لعناً وبيلاً وعذبه عذاباً أليما . وكتب بذلك إلى الآفاق ، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز .

وروى أبو عثمان أيضاً : أن قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين إنّك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن لعن هذا الرجل ! فقال : لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلاً .

وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر من شرحه : أمر مغيرة بن شعبة ـ وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية ـ حجر بن عدي أن يقوم في الناس فيلعن علياً عليه‌السلام ، فأبى ذلك ، فتوعّده ، فقام ، فقال : أيّها الناس إنّ أميركم أمرني أن ألعن علياً فالعنوه ، فقال أهل الكوفة : لعنه الله ، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد .

وقال أبو جعفر : وكان مغيرة بن شعبة يلعن علياً عليه‌السلام لعناً صريحاً على منبر الكوفة ، وكان بلغه عن علي عليه‌السلام في أيام عمر : أنه قال : لئن رأيت المغيرة لأرجمنه بأحجاره ـ يعني واقعة الزنا بالمرأة التي شهد عليه فيها أبو بكرة ، ونكل زياد عن الشهادة ـ فكان يبغضه لذلك ولغيره من أحوال اجتمعت في نفسه(٢) .

_____________________

١ ـ سير أعلام النبلاء الخلفاء الراشدون / ٢١٠ ، أنساب الأشراف ٢ / ٤٠٧ .

٢ ـ شرح نهج البلاغة : ٤ / ٥٦ و ٥٧ و ٦٣ و ٦٩ و ٧١ .

١٠٥

ومن أراد الاطلاع في المسألة بشكل أوسع فليراجع الكتاب القيم للعلامة الأميني رحمه‌الله [ الغدير ] الكتاب الذي لا مثيل له بل هو الوسيلة اللازمة لكل محقق(١) .

ولو قال ابن حجر ـ بدل قوله المذكور ـ : إن الخوارج وأتباع معاوية من أهل الشام كانوا متأولين مأجورين بأجر واحد ، لكان من الممكن قبوله من قبل بعض الجهال والسفهاء ؛ لأن بعض هؤلاء حاربوه باعتقاد أنهم على الحق ، بخلاف من كان عالماً بتلك النصوص ومحارباً لأجل الإمارة والرياسة ، كما اعترف به معاوية في خطبته للكوفيين بعد الصلح مع الحسن عليه‌السلام ، فقال : إني والله ما قاتلتكم لِتُصَلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، انكم لَتفعَلون ذلك ، وانما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون(٢) .

فمعاوية يقول : حاربت لأجل الإمارة ، وأمثال ابن حجر يقولون : لا ، بل حارب لأجل المثوبة !!

وصنيعه الآخر حول النص الصريح في بغي معاوية ، حيث قال في كتابه الذي حرره بأمر السلطان لأجل الدفاع عن معاوية : وجوابه : أن غاية ما يدل عليه هذا الحديث أن معاوية وأصحابه بغاة ، وقد مر أن ذلك لا نقص

_____________________

١ ـ الاصابة في تمييز الصحابة : ١ / ٧٧ م : ٢٩٧ وفي طبع : ١ / ٢٨٧ م : ٢٩٧ ، المستدرك : ١ / ٣٨٥ ، أسد الغابة : ١ / ١٣٤ ، الغدير : ٢ / ١٠٢ و ١٠٣ و ٨ / ١٦٤ و ١٠ / ٢٦٠ ـ ٢٦٦ ، تذكرة الخواص / ٢٧ ـ ٢٨ ، صحيح مسلم : ١٥ / ١٨٤ ح ٣٢ من م : ٢٤٠٤ ، المصنف لابن أبي شيبة : ٦ / ٣٦٩ ح : ٣٢٠٦٩ ، درر السمطين / ١٠٧ .

٢ ـ تاريخ ابن كثير في ترجمة معاوية : ٨ / ١٤٠ ، مقاتل الطالبين / ٤٥ .

١٠٦

فيه ، وأنهم مع ذلك مأجورون(١) .

ولا أدري هل ظنَّ ابنُ حجر أن الله تعالى سيتجاوز عن معاوية ؟! ويهدر دماء عشرات الآلاف من المسلمين الذين قُتِلوا في صفين والنهروان بل ويوم الجمل ، وعشرات الآلاف من الذين قتلهم جلاوزته أمثال بسر بن أرطاة وسمرة بن جندب ، بأمر منه ، والذين قتلهم صبراً وتحت التعذيب من الأتقياء أمثال حجر بن عدي وعمرو بن الحمق ، والذين قتلهم اغتيالاً بالسم أمثال سعد بن أبي وقاص ومالك الأشتر ، ولم يكن لهم ذنب سوى موالاتهم لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم .

وأعظم من جميع ذلك إغتياله للامام المعصوم الحسن السبط سلام الله عليه ؟ .

وهل ظن : ابن حجر أن الله تعالى سيتجاوز عن وبال غير ذلك من الفتن الناجمة عن فتنته الكبيرة إلى يوم القيامة ؟ وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : ( وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا )(٢) ، أم ظن أن المسألة ستنتهي في هذه الدنيا ؟! .

وقد صنع ابن حجر مثل صنيعه هذا حول قصة قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة والمسلمين الآخرين من قومه وفجوره بزوجته في نفس الليلة ، حيث قال : وتزوجه امرأته لعلّه لانقضاء عدتها بالوضع عقب موته ، أو يحتمل أنها كانت محبوسة عنده بعد انقضاء عدتها عن الأزواج على عادة الجاهلية ، وعلى كل حال فخالد أتقى لله من أن يظن به مثل هذه الرذالة التي لا

_____________________

١ ـ تطهير الجنان / ٣٢ .

٢ ـ النساء : ١٠٥ .

١٠٧

تصدر من أدنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه(١) .

هكذا تعمل العصبية عملها ! فعندما تصل النوبة إلى الصحاح المروية في فضائل أهل البيت عليهم‌السلام ترى أمثال الذهبي وابن تيمية الحراني وتلميذه ابن كثير الشامي يطعنون فيها ويرمونها بالوضع والكذب من دون أن يكون فيه علة قادحة إلّا مخالفتها لما في صدورهم .

وأما إذا وصلت النوبة إلى جنايات أمثال معاوية وخالد بن الوليد ترى أمثال ابن حجر وابن العربي كيف يحتالون لتبريرها ويلجأون إلى تأويلات مضحكة ؟!

وقد دار بيني وبين أحد من أهل السنة والجماعة حوار حول مسألة الخلافة ، فقلت له سائلاً : ما تقول في قول النبي صلي الله عليه وآله : « علي مع الحق والحق مع علي لا يفترقان » ؟

فقال : لا شك في صحة ذلك .

فقلت : وما تقول فيما رواه أصحاب الصحاح والسنن : من أن أمير المؤمنين عليه‌السلام ما بايع الخليفة إلّا بعد ستة أشهر ؟ (٢) .

قال : لا شك في صحة ذلك أيضاً .

_____________________

١ ـ الصواعق المحرقة / ٣٦ الشبهة الخامسة .

٢ ـ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر : ٣ / ١٤٢ ح : ٤٢٤٠ ـ ٤٢٤١ ، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا نورث الخ » : ١٢ / ٣٢٠ ـ ٣٢٥ م : ١٧٥٩ ، الامامة والسياسة : ١ / ٣٢ ، مروج الذهب : ٢ / ٣٠٢ ، تاريخ الطبري أحداث سنة : ١١ : ٢ / ٢٣٦ حديث السقيفة ، تاريخ المدينة لابن شبة : ١ / ١١٠ ، شرح نهج البلاغة : ٦ / ٤٦ ، العقد الفريد : ٥ / ١٤ ، تاريخ أبي الفداء : ١ / ٢١٩ .

١٠٨

ثم قلت : ففي المدة التي لم يبايعه علي بن أبي طالب وكان مع الحق ، فهؤلاء كانوا على أي شيء ؟

فتفكر شيئاً ، ثم قال : كانوا على الخطأ .

قلت : لا ، يا شيخ ، فالله يقول : ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ) ، ولم يقل : فماذا بعد الحق إلا الخطأ .

ثم بعد ذلك ، أردت البحث والتحقيق حول بعض الفضائل والمناقب المروية في حق الخلفاء الثلاثة ، فلا بأس بذكر أنموذج من ذلك :

١٠٩

١١٠

هل كان عمر بن الخطاب من أشجع الصحابة ؟

١ ـ كان المشهور بين أهل السنة والجماعة أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كان مشهوراً بالشجاعة والشهامة ، وأنه صار مورداً لقبول دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الله : أن يعز الاسلام بأحد العمرين .

وعندما كنت أطالع كتب السيرة والتاريخ كنت أتفحص فيها المقامات التي كان الخليفة يظهر فيها الجسارة والرجولة ، وأتتبع من بينها كيفية عزة الاسلام به ، ولكن مع الأسف لم أقف في الأسفار على ما يخبر عن شجاعته ، بل على العكس من ذلك ، تدل وقائع التاريخ على جبنه وخوره ، والشاهد على ذلك :

أوّلاً : لا تجد في كتب التاريخ أنه بارز أحدا من المشركين ، ولا قتل واحداً من شجعانهم ، إلّا أننا رأينا أنه عندما كان يؤتى بأحد مكتوف اليدين إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول الخليفة : فاذن لي يا رسول الله أضرب عنقه .

ثانياً : روى أصحاب السيرة والتواريخ : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له ، فقال : يا رسول الله ، إني أخاف قريشاً على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني : عثمان بن عفان .

١١١

وفي لفظ ابن أبي شيبة وابن عساكر : فقال : يا رسول الله ، إني لألعنهم وليس أحد بمكة من بني كعب يغضب لي إن أوذيت .

وفي لفظ الواقدي : فقال : يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي ، وقد عرفت قريش عداوتي لها ، وليس بها من بني عديِّ من يمنعني ، وإن أحببت يارسول الله دخلت عليهم ، فلم يقل له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً .

وأورده الصالحي الشامي في سيرته بهذا اللفظ .

وفي لفظ البيهقي : فقال : يا رسول الله إنّي لا آمنهم ، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت(١) .

فلما وقفت على هذه القصة تعجبت كثيراً وقلت في نفسي : إن المسلمين المعاصرين لو أمرهم أحد المسئولين ـ فضلاً عن كبار رؤسائهم ـ بعملية ولو كانت عملية انتحارية لنفذوا أمره من دون أن يقول واحد منهم إني أخاف على نفسي ، وقد رأينا أمثال تلك البطولات كثيرا في لبنان وفلسطين المحتلة وغيرهما من بلدان العالم ، فكيف يتثاقل الخليفة ويتهاون عن امتثال أمر مَن لا ينطق عن الهوى ، معلِّلاً بالخوف على النفس ، والآمر لم يكن رجلاً عادياً ، بل كان رسولاً نبيا ، والمأمور به لم يكن عملاً إنتحاريا ولم يكن مهمة عسكرية كالقتل والقتال ، بل كان أمراً سلمياً وإبلاغ

_____________________

١ ـ السيرة النبوية لابن هشام : ٣ / ٣٢٩ ، كنز العمال : ١٠ / ٤٨١ ح : ٣٠١٥٢ ، السيرة النبوية لزيني دحلان : ٢ / ١٧٤ ، السيرة الحلبية : ٣ / ١٦ ، الكامل في التاريخ : ١ / ٥٨٥ ، البداية والنهاية : ٤ / ١٩١ ، المصنف لابن أبي شيبة : ٧ / ٣٨٦ ح : ٣٦٨٤١ ، المغازي للواقدي : ١ / ٦٠٠ ، دلائل النبوة : ٤ / ١٣٣ ، سبل الهدى والرشاد : ٥ / ٤٦ ، تاريخ أبي الفداء : ١ / ١٩٩ ، حجة الوداع للكاندهلوي / ١٩٦ .

١١٢

رسالة إلى من كانوا يرون أنفسهم من أهل الشهامة ويرون قتل السفراء عاراً وشناراً .

وأعجب من هذا الموقف المتخاذل من الخليفة موقفه الآخر أمام الرسول الرؤوف الرحيم في نفس الوقت ، حيث أبدى غلظته وفظاظته في مقابله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال السيوطي : أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ... فساق القصة إلىٰ أن وصل إلىٰ قول عمر : والله ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ ، فأتيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : ألست نبي الله ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أوليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قلت : لا ، قال : فإنَّك آتيه ومطوف به .. فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبابكر ! أليس هذا نبي الله حقاً ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟ قال : أيها الرجل ، إنّه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه تفز حتى تموت ، فوالله إنّه لعلى الحق ، فقلت : أ ليس كان يحدّثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا ، قال : فانك آتيه ومطوف به ، قال عمر : فعملت لذلك أعمالا .

وأورد الصالحي الشامي هذه القصة في سيرته ناقلاً عن ابن إسحاق وأبي عبيد وعبد الرزاق وأحمد بن حنبل وعبد بن حميد والبخاري وأبي داود

١١٣

والنسائي وابن جرير وابن مردويه ومحمد بن عمر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، فذكر القصة إلى أن حكى قول عمر قائلاً : وقال ـ كما في الصحيح ـ والله ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ .

وأخرجها البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن حُنَيْف مختصراً .

وجاء في بعض الروايات أن هذه المقابلة صدرت من الخليفة مرة ثانية بعد أن تكلم مع أبي جندل .

وروي عن ابن عباس ، أنه قال : قال لي عمر في خلافته ـ وذكر القضية ـ : ارتبت ارتياباً لم أرتبه منذ أسلمت إلّا يومئذ ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضية لخرجت .

وروي عن أبي سعيد الخدري عن عمر أنه قال : لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي : لو كان مائة رجل على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبداً .

وروي عن عمر قوله : لقد دخلني أمر عظيم وراجعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مراجعة ما راجعته مثلها قط .

وفي رواية : فكان عمر يقول : ما زلت أتصدق وأصوم وأصلّي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراً .

وفي رواية : أن عمر بن الخطاب جعل يرد على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الكلام ، فقال أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا ابن الخطاب ، رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ما يقول ، تعوّذ بالله من الشيطان الرجيم ، فقال عمر : فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان الرجيم حياء ، فما أصابني قط شيء مثل ذلك اليوم .

١١٤

وفيما أخرجه البزّار والطبراني وعن الدولابي وعزاه الهيثمي إلى أبي يعلى عن عمر أنه قال : اتهموا الرأي على الدين ؛ فلقد رأيتني أردّ أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برأيي وما آلوت عن الحق ، وفيه قال : فرضي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبينا حتى قال : « يا عمر تراني رضيت وتأبى »(١) .

عندما وصلت إلى هذه الحادثة ، وتفكرت في قوله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )(٢) تعجبت كثيراً ، كيف يمكن ذلك ؟ كيف يمكن أن يقع في الريب والشك من كان بمحضر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! ولقد صاحبه مدة طويلة وشاهد منه آيات باهرة ! ولا يقنع بأجوبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى يذهب إلى

_____________________

١ ـ صحيح البخاري كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد : ٢ / ٢٨٢ ـ ٢٨٣ ح : ٢٧٣١ ـ ٢٧٣٢ وكتاب التفسير سورة الفتح : ٣ / ٢٩٤ ـ ٢٩٥ ح : ٤٨٤٤ ، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير ، باب ( ٣٤ ) صلح الحديبية : ١٢ / ٣٨٢ ح : ١٧٨٥ ، مسند أحمد : ٤ / ٣٢٨ ـ ٣٣١ ، سيرة ابن هشام : ٣ / ٣٣١ ، سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية : ٢ / ١٧٧ ، ١٨٣ ـ ١٨٤ ، السيرة الحلبية : ٣ / ١٩ ، تفسير القرطبي : ١٦ / ٢٧٧ ، شرح نهج البلاغة : ١٢ / ٥٩ ، المغازي : ١ / ٦٠٦ ـ ٦٠٨ و ٦١٣ ، كنز العمال : ١٠ / ٤٨٨ ـ ٤٩٦ ح : ٣٠١٥٤ ، البحر الزخار للبزار : ١ / ٢٥٤ ح : ١٤٨ ، دلائل النبوة : ٤ / ١٠٦ و ١٠٨ ، المعجم الكبير : ١ / ٧٢ ح : ٨٢ و ٦ / ٩٠ ح : ٥٦٠٤ و ٥٦٠٥ ، مجمع الزوائد : ١ / ١٧٩ ، سبل الهدى والرشاد : ٥ / ٥١ ـ ٥٣ ، البداية والنهاية : ١٩٢٤ و ٢٠٠ ، المصنف لابن أبي شيبة : ٧ / ٣٨٤ ، ٣٨٧ ـ ٣٨٩ ح : ٣٦٨٣٦ و ٣٦٨٤٤ ، ذم الكلام وأهله : ٢ / ٢٠٦ ـ ٢١١ ح : ٢٧٢ ـ ٢٧٣ ، المصنف لعبد الرزاق : ٥ / ٣٣٠ ـ ٣٤٠ ح : ٩٧٢٠ ، عمدة القاري : ١٤ / ٢ ـ ١٤ ، إرشاد الساري : ٦ / ٢١٧ ـ ٢٣٢ ، الدر المنثور : ٧ / ٥٢٧ ـ ٥٣٢ وفي طبع : ٦ / ٧٦ ـ ٧٧ حول آية : ٢٤ ـ ٢٥ من سورة الفتح . ورواية عمر مروية عن الدولابي في الكنى : ٢ / ٦٩ .

٢ ـ سورة الحجرات : ١٥ .

١١٥

صاحبه ويطرح شبهاته وأسئلته عليه !! ويخالف أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت ذريعة الخوف على النفس من جهة ، ومن جهة أخرى تراه كيف يقابله ويظهر شدته وغلظته أمامه صلوات الله عليه وآله .

نعم ، هذه عادة كل من كان فيه ضعفٌ نفسيٌّ ، يظهر غلظته وشدته أمام أصدقائه ويصرخ في وجه أوليائه ممن هو في الأمن من جانبه ، فيظنُّ الجاهل بالحال أنه كان من أشجع الأبطال ، وإذا جدّ الأمر تراه يظهر المعاذير ، وقد وجد أمثال هذا في عصرنا الحاضر أيضاً .

ثم إنّ قول الخليفة : والله ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ ، غير مطابق للواقع التاريخي ، فإنّ القصة الآتية تدل على أنه شكّ في يوم آخر أيضاً .

فقد أخرج عبد الرزاق وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وابن سعد والترمذي وابن حبّان والبزّار والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عباس قال : لم أزل حريصاً أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللتين قال الله لهما : ( إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّـهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا )(١) حتى حجّ عمر وحججت معه ، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة ، فتبرّز ثم جاء ، فسكبت على يديه منها فتوضأ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللّتان قال الله عزّ وجلّ لهما : ( إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّـهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ؟ فقال : واعجباً لك يا ابن عباس ! هما عائشة وحفصة ، ثم أخذ يسوق الحديث ... إلى أن قال ثم رفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئاً يردّ البصر إلّا أَهَبَة ثلاثة ، فقلت : ادع الله يا رسول الله ، فليوسّع على أمتك ، فإنّ فارس والروم قد وُسِّع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله ،

_____________________

١ ـ سورة التحريم : ٤ .

١١٦

فاستوى جالساً ، وقال : « أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا » ، فقلت : استغفر لي يا رسول الله ...

وذكر المتقي الهندي هذه القصة بكاملها في كنزه ناقلاً عن عبد الرزاق وابن سعد والعدني وعبد بن حميد في تفسيره والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير في تهذيبه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل .

ونقله السيوطي في تفسيره عن عبد الرزاق وابن سعد وأحمد والعدني وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن حبّان وابن المنذر وابن مردويه .

ونقله ابن كثير في تفسيره عن أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي .

وقال الدارقطني : ولهذا الحديث طرق كثيرة عن ابن عباس عن عمر صحاح(١) .

_____________________

١ ـ صحيح البخاري باب : ٢٥ من كتاب المظالم : ٢ / ١٩٧ ـ ١٩٩ ح : ٢٤٦٨ وباب : ٨٣ من كتاب النكاح : ٣ / ٣٨٥ ـ ٣٨٧ ح : ٥١٩١ ، صحيح مسلم باب : ٥ ح : ٣٤ من كتاب الطلاق : ٢ / ٨٩٨ ـ ٩٠٠ م : ١٤٧٤ وفي طبع : ٤ / ١٩٢ ـ ١٩٤ وفي آخر : ١ / ٦٩٥ ـ ٦٩٦ ، مسند أحمد : ١ / ٣٣ ـ ٣٤ وفي طبع : ١ / ٣٤٦ ـ ٣٥٠ ح : ٢٢٢ ، سنن الترمذي : ٥ / ٣٤٥ ـ ٣٤٧ ح ٣٣١٨ وفي طبع : ٥ / ٩٢ ـ ٩٥ ح : ٣٣٧٤ ، صحيح ابن حبان : ٩ / ٤٩٢ ـ ٤٩٥ ح : ٤١٨٧ و ١٠ / ٨٥ ـ ٨٩ ح : ٤٢٦٨ ، السنن الكبرى للبيهقي : ٧ / ٣٧ ـ ٣٨ ، الدرّ المنثور : ٦ / ٢٤٢ ـ وفي طبع : ٨ / ٢٢٠ ـ ٢٢١ ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير : ٤ / ٤١٤ ـ ٤١٥ حول الآية الرابعة من سورة التحريم ، الطبقات الكبرى : ٦ / ١٣٥ ـ ١٣٧ وفي طبع ليدن : ٨ / ١٣١ ـ ١٣٣ العلل للدارقطني : ٢ / ٨٣ : ١٢٦ البحر الزخار : ١ / ٣١٨ ـ ٣٢١ ح : ٢٠٦ ، كنز

١١٧

فإن قول النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أَوَ في شكّ أنت ) للإنكار التوبيخي ـ كما قال القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري ـ ؛ لأن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عالماً بما يخطر في نفس الخليفة وما يجول في باله ، وعارفاً بمفاد مقاله ، لا أنّه استعلم عمّا خفي عليه من حاله ، والخليفة لم ينكر ذلك ، بل طلب من النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستغفر له من وباله .

وثالثاً : ما رواه البخاري وغيره حول إسلام عمر .

عن عبد الله بن عمر قال : بينما عمر في الدار خائفا ، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي ... فقال : مابالك ؟ قال : زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت ، قال : لا سبيل إليك ، بعد أن قالها أمنت ، ثم ذكر ارجاع العاص الناس عنه .

وما رواه البخاري وابن اسحاق والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر ، واللفظ للبيهقي ، قال : إني لعلى سطح فرأيت الناس مجتمعين وهم يقولون صبأ عمر صبأ عمر ، فجاء العاص بن وائل عليه قباء ديباج ، فقال : إذا كان عمر قد صبأ

_____________________

العمال : ٢ / ٥٢٥ ـ ٥٢٧ ح : ٤٦٦٣ ، فتح الباري : ٥ / ١٤٤ ـ ١٤٦ و ٩ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧ وفي طبع : ٥ / ١١٤ ـ ١١٧ ، شرح مسلم للنووي : ١٠ / ٣٤٤ ـ ٣٤٧ وفي طبع : ١٠ / ٨٩ ـ ٩٤ ، إرشاد الساري : ٥ / ٥٣٢ ـ ٥٣٩ ، عمدة القاري : ١٣ / ١٦ ـ ١٩ ، شرح الكرماني على البخاري : ٥ / ج : ١١ من مجلد ٥ / ٣٣ ـ ٣٨ ، تحفة الأشراف : ٨ / ٤٦ ح : ١٠٥٠٧ ، المسند الجامع : ١٣ / ٥٥٣ ـ ٥٥٧ ح : ١٠٥٣٠ ، جامع الأصول : ٢ / ٤٠٠ ـ ٤١٠ ح : ٨٥٦ .

والأَهَبَة بالفتحات جمع إهاب على غير القياس ، وهو الجلد الذي لم يدبغ .

١١٨

فمه ؟ أنا له جار ، قال : فتفرق الناس عنه ، قال : فعجبت من عزه .(١)

وفي مرة أخرى أجاره أبوجهل(٢) .

فاذا تأملت في هذه الروايات تفهم بأن عزة الخليفة نفسه كان ببعض المشركين ولم تكن به ، فضلاً عن عزة الاسلام .

ورابعاً : الفرار من الزحف في المواقف ، كيوم أحد وحنين وخيبر ، فإن فرار الصحابة يوم أحد شيء معلوم لدى جميع الفرق ، ونطق به الكتاب ، ومن بينهم الخلفاء الثلاثة ، وقد فرّ بعضهم إلى مكان بعيد من المعركة ولم يرجعوا إلّا بعد ثلاثة أيام ، وفيهم الخليفة الثالث عثمان بن عفان .

نقل ابن أبي الحديد عن الواقدي قوله : وكان ممن ولَّىٰ عمر وعثمان والحارث بن حاطب ... .

وما وجدناه في النسخة التي بأيدينا من المغازي : وكان ممن ولّى فلان والحارث بن حاطب .. إلّا أن الـمُحَشِّي استدرك وأشار إلى أنَّ في النسخة الفلانية : عمر وعثمان بدل فلان . وهكذا يفعلون !(٣)

إنّ الإمام الرازي بعد أن اعترف في المسألة الأُولى من تفسيره حول آية مائة وخمس وخمسين من سورة آل عمران بفرار عمر بن الخطاب وأن عثمان

_____________________

١ ـ صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار : باب إسلام عمر : ٣ / ٥٨ ح : ٣٨٦٤ و ٣٨٦٥ ، تاريخ الاسلام للذهبي : ١ / ١٧٥ قسمة السيرة النبوية ، دلائل النبوة للبيهقي : ٢ / ٢٢١ ، سيرة ابن هشام : ١ / ٣٤٩ ، السيرة الحلبية : ١ / ٣٣٢ ، مجمع الزوائد : ٩ / ٦٥ .

٢ ـ مجمع الزوائد : ٩ / ٦٤ ، السيرة الحلبية : ١ / ٣٣١ .

٣ ـ الدر المنثور : ٢ / ٣٥٥ و ٣٥٦ ، السيرة الحلبية : ٢ / ٢٢٧ ، تاريخ الطبري : ٢ / ٦٧ ، المغازي للواقدي : ١ / ٦٠٩ ، شرح نهج البلاغة : ١٥ / ٢٤ ـ ٢٥ .

١١٩

بن عفان كان من الذين لم يرجعوا إلّا بعد ثلاثة أيام ، قال في المسألة الخامسة حول قوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) من آية مائة وتسع وخمسين من نفس السورة : روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال : الذي أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمشاورته في هذه الآية أبوبكر وعمر رضي‌الله‌عنه . وعندي فيه إشكال ، لأن الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمرهم بأن يعفو عنهم ، ويستغفر لهم ، وهم المنهزمون ، فهب أن عمر كان من المنهزمين ، فدخل تحت الآية ، إلّا أن أبابكر ماكان منهم ، فكيف يدخل تحت هذه الآية ؟ والله أعلم .

وحديث ابن عباس قد رواه الحاكم وصححه والبيهقي في سننه وأحمد ، كما قال السيوطي(١) .

نعم إنها مشكلة عظيمة للإمام الرازي وقومه ، لأنهم وقعوا بين حرمان الخليفة من فضل المشاورة وطرح الخبر الصحيح ، وبين حرمانه من فضل الثبات في ذلك اليوم العصيب .

وحاول الإمام الرازي إثبات ثبات الخليفة الأول بدون سند وإن انجرّ إلى طرح الخبر الصحيح ، ولكن بعد أن اعترف الخليفة بنفسه أنه كان من الفارين في ذلك اليوم فلا يكاد ينفع الإمام الرازي محاولته المتقدمة .

روي عن عائشة أنها قالت : كان أبوبكر إذا ذكر يوم أحد بكى ، ثم قال : ذاك كان يوم طلحة ... ثم أنشأ يحدث قال : كنت أول من فاء يوم أحد ، فرأيت رجلاً يقاتل مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت في نفسي : كن طلحة ، حيث فاتني ما فاتني ، يكون رجلاً من قومي ...

_____________________

١ ـ مفاتيح الغيب : ٩ / ٥٠ ، ٦٧ ، الدر المنثور : ٢ / ٣٥٩ .

١٢٠