الهجرة إلى الثقلين

محمّد گوزل الحسن الآمدي

الهجرة إلى الثقلين

المؤلف:

محمّد گوزل الحسن الآمدي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-293-8
الصفحات: ٤٥٠
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الطبراني ورجاله ثقات . وأورده العلامة الهندي في كنزه من حديث أبي مالك الأشعري عن أحمد وأبي داود وابن حبان والطبراني والبيهقي(١) .

وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أول ما يكفأ الاسلام ـ كما يكفأ الاناء ـ في شراب يقال له الطلاء » .

أخرجه ابن عدي في الكامل ، وأورده العسقلاني في المطالب العالية عن أحمد بن منيع وأبي يعلى .

قال الهيثمي : رواه أبو يعلى وفيه فرات بن سليمان ، قال أحمد : ثقة . ذكره ابن عدي وقال : لم أر أحداً صرح بضعفه وأرجو أن لا بأس به . وبقية رجاله رجال الصحيح .

وأخرج الدارمي في سننه عنها ، قالت : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « إن أول ما يكفأ ـ قال زيد : يعني الاسلام ـ كما يُكفأ الإناء » يعني الخمر ، فقيل : كيف يا رسول الله ! وقد بين الله فيه مابيّن ؟ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يسمونها بغير اسمها فيستحلّونها »(٢) .

ومنها : قصة حج التمتع :

فالملك الذي تكلم على لسان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا

_____________________

١ ـ المستدرك : ٤ / ١٤٧ ، الدر المنثور : ٣ / ١٧٧ ـ ١٧٨ ، سنن أبي داود : ٣ / ٣٢٩ ح : ٣٦٨٨ و ٣٦٨٩ ، كنز العمال : ٥ / ٣٤٧ ح : ١٣١٦٦ و ١٣١٦٧ ، مجمع الزوائد : ٥ / ٥٧ .

٢ ـ مجمع الزوائد : ٥ / ٥٦ ، الكامل لابن عدي : ٧ / ١٣٧ م : ١٥٧١ ، المطالب العالية : ٢ / ١٠٩ ح : ١٧٩٤ ، سنن الدارمي : ٢ / ١١٤ .

١٤١

رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )(١) .

وقد نقل أبو حيان عن ابن عباس وعطاء وجماعة في معنى هذا التمتع ، قالوا : هو الرجل يقدم معتمراً من أفق في أشهر الحج فإذا قضى عمرته أقام حلالاً بمكة حتى ينشئ منها الحج من عامه ذلك ، فيكون مستمتعاً بالإحلال إلى إحرامه بالحج(٢) .

وسيأتي الكلام على أن الآثار قد تواترت بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ، وعندما سأله سراقة : هي لنا أو للأبد ؟ قال : « بل للأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة » .

وأما الملك الذي تكلم على لسان عمر فقد نسخ هذا الحكم الذي كان في عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهد أبي بكر .

فقد أخرج مسلم وأبو عبيد الهروي وأحمد بن حنبل وأبو عوانة وابن ماجه والنسائي وأبو نعيم وابن حزم والبيهقي : أن أبا موسى الأشعري كان يفتي بالمتعة ، فقال له رجل : رويدك ببعض فتياك ، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين عمر في النسك بعدك ، حتى لقيه أبو موسى بعدُ ، فسأله عن ذلك ، فقال عمر : قد علمتُ أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد فعله هو وأصحابه ، ولكن كرهتُ أن يظلوا بهن معرسين في الأراك ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم .

وروي عنه حديث آخر قريب من هذا ، أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي وأبو داود الطيالسي وابن حزم الأندلسي(٣) .

_____________________

١ ـ سورة البقرة : ١٩٦ .

٢ ـ البحر المحيط : ٢ / ٢٦٣ .

٣ ـ صحيح البخاري كتاب العمرة باب متى يحل المعتمر : ١ / ٥٤٣ ح : ١٧٩٥ ، مسند أحمد : ١

١٤٢

وخطب الناس ذات يوم وهو على المنبر قائلاً : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء .

أورده في الكنز عن كلّ من ابن جرير وابن عساكر والطحاوي وأبي صالح كاتب الليث .

وقال ابن القيّم : وفيما ثبت عن عمر : أنه قال : متعتان ... وقال : المعلِّق على زاد المعاد : أخرجه الامام أحمد في مسنده من حديث جابر .

وهذا الخبر مرويٌّ عن كل من ابن عمر وجابر بن عبد الله وأبي قلابة ، أخرجه أحمد وأبو عوانة في المسند والطحاوي في معاني الآثار وابن حزم في المحلّى .

وأخرج أبو عوانة ومسلم والبيهقي واللفظ للأول عن أبي نضرة ، قلت لجابر بن عبد الله : إن ابن عباس يأمر بالمتعة وابن الزبير ينهى عنها ، قال : فقال جابر : على يدي جرى الحديث ، تمتعت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس ، فقال : إن القرآن القرآن ورسول الله الرسول ، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : إحداهما متعة الحج ، فافصلوا بحجكم عن عمرتكم ، والأُخرى متعة النساء ،

_____________________

/ ٤٩ ـ ٥٠ ، سنن النسائي : ٥ / ١٥٣ ، صحيح مسلم كتاب الحج باب في فسخ التحلل من الاحرام : ٨ / ٤٥١ ـ ٤٤٨ ح : ١٥٤ و ١٥٧ م : ١٢٢١ و ١٢٢٢ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ٩٩٢ ح : ٢٩٧٩ ، السنن الكبرى : ٥ / ٢٠ ، غريب الحديث لأبي عبيد : ٤ / ٢٨٤ ح : ٦٥٣ ، كنز العمال : ٥ / ١٦٣ و ١٦٥ ح : ١٢٤٧٥ و ١٢٤٧٨ ، منتخب الكنز : ٢ / ٣٣٤ ـ ٣٣٥ ، مسند أبي عوانة : ٢ / ٣٤٠ و ٣٤٣ ح : ٣٣٥٥ و ٣٣٦٧ ، حجة الوداع لابن حزم / ٣٩٦ و ٣٩٩ ح : ٤٤٣ و ٤٤٩ ، المسند المستخرج على صحيح مسلم : ٣ / ٣٢٠ ـ ٣٢٢ ح : ٢٨٣٢ ـ ٢٨٣٥ .

١٤٣

فلا اقدر على رجل تزوج إلى أجل إلّا غيّبته في الحجارة(١) .

وكان لأمثال عبادة بن الصامت أن يقول له : هذا خلاف كلامك في الشام ، حيث قلت : اللهم إني لا أحل لهم شيئاً حرمته عليهم ، ولا أحرم عليهم شيئاً أحللته لهم .

وأخرج أبو عوانة في مسنده ومسلم في صحيحه من طريق حامد بن عمر البكراوي عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر بن عبد الله ، فأتاه آت ، فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين ؟ فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما .

وأخرج أبو عوانة عن جابر حديثا آخر في ذلك(٢) .

وأخرج أبو نعيم عن خالد أنه قال : متعتان فعلناهما على عهد رسول

_____________________

١ ـ مسند أحمد : ١ / ٥٢ ، سنن البيهقي كتاب النكاح باب نكاح المتعة : ٧ / ٢٠٦ ، كنز العمال : ١٦ / ٥١٩ ـ ٥٢١ ح : ٤٥٧١٥ ـ ٤٥٧٢٢ ، أحكام القرآن للجصاص : ١ / ٣٨٣ و ٣٩٠ ـ ٣٩١ و ٢ / ٢١٠ وفي طبع : ١ / ٣٤٢ و ٣٤٥ و ٢ / ١٨٤ ، مفاتيح الغيب : ١٠ / ٥٠ و ٥٢ ـ ٥٣ ، شرح معاني الآثار باب مناسك الحج : ٢ / ١٤٤ و ١٤٦ و ١٩٥ ح : ٣٦٧١ و ٣٦٧٢ و ٣٦٨٦ و ٣٦٨٧ و ٣٩٠٤ ، المحلى : ٧ / ٦٠ ـ ٦١ ، الجامع لأحكام القرآن : ٢ / ٣٩٢ ، شرح نهج البلاغة : ١ / ١٨٢ و ١٢ / ٢٥١ ـ ٢٥٢ ، زاد المعاد : ٣ / ٣٩٩ ، بداية المجتهد : ١ / ٢٦٩ ، صحيح مسلم كتاب الحج باب في المتعة بالحج والعمرة : ٨ / ٤١٨ ـ ٤١٩ ح : ١٤٥ م : ١٢١٧ ، وفي طبع : ٢ / ٧٢٣ ـ ٧٢٤ ح : ١٢١٧ ، مسند أبي عوانة : ٢ / ٣٣٨ ـ ٣٣٩ ح : ٣٣٤٩ و ٣٣٥٢ ـ ٣٣٥٤ .

٢ ـ صحيح مسلم كتاب النكاح باب نكاح المتعة : ٩ / ١٩٢ ح ١٧ من باب ٣ م : ١٤٠٥ ، مسند أبي عوانة : ٢ / ٣٤٥ ح : ٣٣٧٥ و ٣٣٧٦ .

١٤٤

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نهانا عمر فلم نعدلهما(١) .

قال السيوطي : أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ، ولم ينهى عنها حتى مات ، قال رجل برأيه ما شاء .

قال فخرالدين الرازي : يريد أنّ عمر نهى عنها .

وقال ابن كثير الشامي : قال البخاري : يقال إنه عمر . وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحاً به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع .

وقال القسطلاني : هو عمر بن الخطاب ، لا عثمان بن عفان ، لأنّ عمر أول من نهى عنها ، فكان مَنْ بعده تابعاً له في ذلك .

وأخرجه الأوزاعي وأحمد والدارمي والطحاوي وابن ماجه وابن حبان وابن حزم والطبراني والخطيب . وأخرجه مسلم بعشرة أسانيد في صحيحه وأبو عوانة وأبو نعيم بعدة أسانيد في مسنديهما(٢) .

_____________________

١ ـ المسند المستخرج على صحيح مسلم : ٣ / ٣٤٦ ح : ٢٨٩٠ .

٢ ـ صحيح البخاري كتاب الحج باب التمتع : ١ / ٤٨٤ ـ ٤٨٥ ح : ١٥٧١ وكتاب التفسير باب من تمتع بالعمرة إلى الحج : ٣ / ٢٠٠ ح : ٤٥١٨ ، صحيح مسلم باب جواز التمتع من كتاب الحج : ٨ / ٤٥٥ ـ ٤٥٨ باب : ٢٣ م : ١٢٢٦ ، الدر المنثور : ١ / ٥٢٠ ، الجامع لأحكام القرآن : ٢ / ٣٨٨ ، سنن الاوزاعي / ٣٠٩ ح : ٩٩٩ ، سنن الدارمي : ٢ / ٣٥ ، سنن النسائي : ٥ / ١٥٥ ، زاد المعاد : ٢ / ١٧٠ ، شرح معاني الآثار : ٢ / ١٤٣ ـ ١٤٤ ح : ٣٦٦٩ ـ ٣٦٧٠ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ٩٩١ ح : ٢٩٧٨ ، مسند أحمد : ٤ / ٤٢٨ و ٤٣٤ ، شرح نهج البلاغة : ١٢ / ٢٥٣ ، مفاتيح الغيب : ١٠ / ٥٣ ، تفسير القرآن العظيم : ١ / ٢٤٠ ، إرشاد الساري ٣ / ١٣٦ ،

١٤٥

أخرج أبو عوانة وأبو يعلى والدارقطني وابن حزم والترمذي واللفظ له عن سالم بن عبدالله ، أنه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج ؟ فقال عبد الله بن عمر : هي حلال ، فقال الشامي : إن أباك قد نهى عنها ! فقال عبد الله بن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله ، أأمر أبي يُتّبع أم أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال الرجل : بل أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : لقد صنعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن علي وعثمان وجابر وسعد وأسماء بنت أبي بكر وابن عمر .

أخرجه أبو يعلى في موضعين من مسنده ، وقال المحشي : إسناده صحيح(١) .

أخرج النسائي عن ابن عباس قال : سمعت عمر يقول : والله إني لأنهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله ، ولقد فعلتها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ يعني العمرة في

_____________________

صحيح ابن حبان : ٩ / ٢٤٤ ح : ٣٩٣٧ و ٣٩٣٨ ، المعجم الكبير : ١٨ / ١٢٣ و ١٢٤ و ١٢٥ ح : ٢٤٨ و ٢٥٢ و ٢٥٥ ، سنن البيهقي : ٤ / ٣٤٤ و ٥ / ١٤ ، ١٩ ـ ٢٠ ، مسند أبي عوانة : ٢ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥ ح : ٣٣٧٠ ـ ٣٣٧٣ ، حجة الوداع لابن حزم / ٤٠١ ح : ٤٥٣ و ٤٥٤ ، المتفق والمفترق : ٣ / ١٧١٠ ح : ١٢٣٦ م : ١٠٨٧ ، تحفة الأشراف للمزي : ٢ / ٣٤٥ ح : ١٠٨٧٢ ، البداية والنهاية : ٥ / ١٤٤ ، المسند المستخرج لأبي نعيم : ٣ / ٣٢٧ ح : ٢٨٤٢ ـ ٢٨٥٠ .

١ ـ سنن الترمذي : ٢ / ٢٢٤ ح : ٨٢٥ ، الجامع لأحكام القرآن : ٢ / ٣٨٨ عن الدارقطني ، زاد المعاد : ٢ / ١٧٠ ، مسند أحمد : ٢ / ٩٥ ، مسند أبي يعلى : ٩ / ٣٤١ ـ ٣٤٢ و ٤١٥ ح : ٥٤٥١ و ٥٥٦٣ ، مسند أبي عوانة : ٢ / ٣٤٣ ح : ٣٣٦٦ ، حجة الوداع لابن حزم / ٣٩٨ ـ ٣٩٩ ح : ٤٤٧ وح : ٤٤٥ و ٤٤٦ ، المتفق المفترق : ٣ / ١٧١٠ ح : ١٢٣٦ .

١٤٦

الحج . وأورده ابن كثير في تاريخه وقال : إسناد جيد(١) .

أخرج مالك والشافعي وأحمد والدارمي وابن حبّان والترمذي وأبو داود والبخاري وأبو يعلى والنسائي والطبراني وابن حزم والدروقي والبيهقي وعن البزار والهيثم بن كليب في المسند وأبي عبيد في الناسخ والمنسوخ والفسوي في المعرفة وابن عبد البر في التمهيد والمزي في التهذيب : أنّ سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلّا من جهل أمر الله تعالى ، فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي ، فقال الضحاك : فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ! فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصنعناها معه(٢) .

وعن سعيد بن المسيب : أنّ عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في أشهر الحج ، وقال : فعلتها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنها ؛ وذلك أن أحدكم يأتي من أفق من الآفاق شعثاً نصباً معتمراً في أشهر الحج ، وإنما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ، ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيب ويقع على أهله إن كانوا معه ، حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج وخرج إلى منى يلبي

_____________________

١ ـ سنن النسائي : ٥ / ١٥٣ ، البداية والنهاية : ٥ / ١٤٦ ، كنز العمال : ٥ / ١٦٤ ح : ١٢٤٧٦ .

٢ ـ الموطأ ما جاء في التمتع : ١ / ٣٤٤ ، السنن للشافعي : ٢ / ١٣٢ ح : ٤٨٦ ، مسند أحمد : ١ / ١٧٤ ، التاريخ الكبير للبخاري : ١ / ١٢٥ م : ٣٧٣ ، سنن الترمذي كتاب الحج باب ماجاء في التمتع : ٢ / ٢٢٤ ح : ٨٢٤ ، سنن الدارمي : ٢ / ٣٥ ـ ٣٦ ، صحيح ابن حبان : ٩ / ٢٣٤ و ٢٤٦ ح : ٣٩٢٣ و ٣٩٣٩ ، البداية والنهاية : ٥ / ١٤٥ ، سنن البيهقي : ٥ / ١٧ ، الجامع لأحكام القرآن : ٢ / ٣٨٨ ، أحكام القرآن للجصاص : ١ / ٣٩٠ ، مسند أبي يعلى : ٢ / ١٣٠ ح : ٨٠٥ ، سنن النسائي : ٥ / ١٥٢ ـ ١٥٣ ، حجة الوداع لابن حزم / ٤٠٢ ح : ٤٥٥ ، معرفة السنن والآثار : ٧ / ٨٠ ـ ٨١ ح : ٩٣٦٤ ، مسند سعد بن أبي وقاص : ٢٠٦ ح : ١٢٤ .

١٤٧

بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلّا يوماً ، والحج أفضل من العمرة ، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهن تحت الأراك من أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع ، وإنما ربيعهم فيمن يطرأ عليهم .

أورده المتقي في كنزه واضعاً عليه رمز كل من أبي نعيم في الحلية وأحمد في المسند والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي . وفيه تأمّل .

وروى أبو حنيفة عن الأسود بن يزيد أنه قال : بينما أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشيّة عرفة فإذا هو برجل مرجّل شعره يفوح منه ريح الطيب ، فقال له عمر : أمحرم أنت ؟ قال : نعم ، فقال عمر : ما هيئتك بهيئة محرم ، إنّما المحرم الأشعث الأغبر الأذفر ، قال : إني قدمت معتمراً وكان معي أهلي ، وانما أحرمت اليوم ، فقال عمر عند ذلك : لا تتمتعوا في هذه الأيام ، فإني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الاراك ثم راحوا بهن حجاجاً .

ثم قال ابن القيم ـ بعد أن ذكر هذا الخبر ـ : وهذا يبين أن هذا من عمر رأي رآه . وقال المحقق لكتابه : صحيح الاسناد ذكره ابن حزم في حجة الوداع ، وبلفظ قريب وإسناد صحيح أخرجه أحمد في مسنده وأخرجه مسلم في الحج(١) .

وعن سعيد بن المسيب أنه قال : قام عمر بن الخطاب في الناس ، فنهاهم أن يستمتعوا بالعمرة إلى الحج ، فقال : إن تفردوها حتى تجعلوها في غير أشهر الحج أتم لحجكم وعمرتكم .

_____________________

١ ـ كنز العمال : ٥ / ١٦٤ ح : ١٢٤٧٧ ، منتخب الكنز : ٢ / ٣٣٤ ـ ٣٣٥ ، حلية الأولياء : ٥ / ٢٠٥ ، زاد المعاد : ٢ / ١٨٣ ـ ١٨٤ ، حجة الوداع / ٣٥٨ ح : ٤٠٦ .

١٤٨

ثم قال : وإني أنهاكم عنها وقد فعلها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفعلتها معه(١) .

وقد داوم عثمان بن عفان على سنة الخليفة الثاني في أيام خلافته ، على رغم من مخالفة علي عليه‌السلام له .

أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والبزار وأبو يعلى وأبو عوانة وأبو نعيم والطحاوي وابن حزم وأبو داود الطيالسي والحاكم والبيهقي ، واللفظ لمسلم ، عن سعيد بن المسيب قال : اجتمع علي وعثمان بعسفان ، فكان عثمان ينهى عن المتعة والعمرة ، فقال له علي : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تنهى عنه ؟! فقال عثمان : دعنا منك ، فقال علي : لا أستطيع أن أدعك(٢) .

ثم صارت سنة مستمرة في زمن بني أمية ، حتى وصل الأمر إلى درجة أن خاف الصحابة من إظهار الحجة الإسلامية الصحيحة للناس في زمان معاوية .

_____________________

١ ـ حلية الأولياء : ٥ / ٢٠٥ .

٢ ـ صحيح البخاري كتاب الحج باب التمتع : ١ / ٤٨٣ و ٤٨٤ ح : ١٥٦٣ و ١٥٦٩ ، صحيح مسلم كتاب الحج باب جواز التمتع : ٨ / ٤٥١ و ٤٥٢ ح ١٥٨ و ١٥٩ من باب ٢٣ م : ١٢٢٣ ، مسند الطيالسي : ١ / ١٦ المستدرك : ١ / ٤٧٢ ، السنن الكبرى للبيهقي : ٥ / ٢٢ و ٤ / ٣٥٢ ، كنز العمال : ٥ / ١٦٦ و ١٦٧ و ١٦٨ ح : ١٢٤٨٣ و ١٢٤٨٦ و ١٢٤٨٨ ، الدر المنثور : ١ / ٥٢١ ، شرح معاني الآثار : ٢ / ١٤٠ ح : ٣٦٥٤ ، سنن النسائي : ٥ / ١٤٨ و ١٥٢ ، المسند لأبي يعلى : ١ / ٢٨٤ و ٣٤١ ـ ٣٤٢ ح : ٣٤٢ و ٤٣٤ ، البحر الزخار : ١ / ٣٤٥ ـ ٣٤٧ ح : ٢٢٦ ـ ٢٢٨ و ٢ / ١٥٦ ، ١٦٠ ح : ٥٢١ و ٥٢٧ ، تاريخ المدينة لابن شبة : ٣ / ١٠٤٣ ، مسند أبي عوانة : ٢ / ٣٣٨ ح : ٣٣٥١ ، حجة الوداع / ٣٥٨ و ٤٠٠ ـ ٤٠١ ح : ٤٠٧ و ٤٥٠ ـ ٤٥٢ ، أحكام القرآن للجصاص : ١ / ٣٩٠ ، البداية والنهاية : ٥ / ١٤٤ ـ ١٤٦ ، سنن الدارمي : ٢ / ٤٥ ـ ٤٩ و ٦٩ ـ ٧٠ ، مسند أحمد : ١ / ٥٧ و ٦٠ و ١٣٦ ، المسند المستخرج علىٰ صحيح مسلم : ٣ / ٣٢٢ ح : ٢٨٣٦ ـ ٢٨٣٧ .

١٤٩

فقد أخرج ابن حبان والطبراني وأبو نعيم ومسلم ، واللفظ له ، عن مطرف قال : بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه ، فقال : إني كنت محدّثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي ، فإن عشت فاكتم عنّي وإن متّ فحدّث بها إن شئت ، إنّه قد سلم علي ، واعلم أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينهى عنه نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال رجل برأيه ما شاء .

قال المعلق على صحيح ابن حبان : إسناده صحيح ، رجاله ثقات(١) .

ويتعجب المرء حين يرى خوفهم من إظهار الحقيقة وهم في صدر الاسلام ، وعلة ذلك معلومة .

إن نهي عمر بن الخطاب عن متعة الحج واعترافه بأنها كانت في كتاب الله عز وجل وفعلها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحابته ، كان من أشهر القضايا في التاريخ ، وقد روى أصحاب السنن والمسانيد أخباراً كثيرة حول المسألة ، وأورد البخاري ومسلم فيها عدة روايات في صحيحيهما ، وسيأتي الكلام عليه في مقام آخر إن شاء الله تعالى ، وسترى هناك اعتراف بعض أعلام الحنابلة والظاهرية بأنه قد روى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه وأن أحاديثهم كلها صحاح ، واعتراف بعض أكابر الحنفية بتواتر الآثار في ذلك(٢) .

_____________________

١ ـ صحيح ابن حبان : ٩ / ٢٤٤ ح : ٣٩٣٧ ، المعجم الكبير : ١٨ / ١٢٥ ح : ٢٥٥ ، صحيح مسلم كتاب الحج باب ٢٣ : ٨ / ٤٥٦ ح : ١٦٨ م : ١٢٢٦ ، المسند المستخرج : ٣ / ٣٢٥ ـ ٣٢٦ ح : ٢٨٤٥ ـ ٢٨٤٩ .

٢ ـ راجع ـ إضافة الى ماتقدم وما سيأتي ـ إلى : صحيح البخاري : ١ / ٤٨٢ ـ ٤٨٥ ح : ١٥٦١ ـ

١٥٠

فهذه بعض الموارد التي جاء الملك الذي يتكلم على لسان عمر وقلبه بخلاف ما نزل به جبرائيل على لسان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقلبه ، أوردناها في هذه الموجزة ، ويستطيع القارئ أن يقف في ثنايا كتب الحديث والتاريخ على عشرات الموارد مما خالف فيه الخليفة وغيره الكتاب والسنة ، ومع الأسف ترك بعض الفقهاء النصوص وأفتوا بآراء هؤلاء ، بذريعة أن الخليفة كان من الملهمين ، ورووا في ذلك حديثاً عن أبي هريرة ، فتمسكوا بذلك الإلهام الوهمي وهم تاركون للوحي القطعي .

ومن أراد الاطلاع على أكثر من ذلك فعليه بما ألفه العلامة الكبير السيد شرف الدين في كتابه : [ النص والاجتهاد ] وما حرره المحقق الشهير الشيخ الأميني في سفره القيم : [ الغدير ] من المجلد السادس .

_____________________

١٥٧٢ ، صحيح مسلم باب ١٧ ـ ١٩ باب وجوه الاحرام باب حجة النبي : ٨ / ٣٨٥ ـ ٤٢٧ م : ١٢١١ ـ ١٢١٨ ، وباب ٣٠ / ٤٧٣ م : ١٢٣٨ وباب ٢٤ و ٢٧ و ٢٨ و ٣١ و ٣٢ و ٣٣ و ٣٤ مسند أحمد : ١ / ٤٩ ـ ٥٠ و ٤ / ٤٢٨ و ٤٣٤ ، مسند الطيالسي : ٢ / ٧٠ ح : ٥١٦ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ٩٩١ و ٩٩٢ ح : ٢٩٧٦ ، ٢٩٧٩ ، سنن الدارمي : ٢ / ٣٥ و ٤٦ ـ ٤٧ ، سنن البيهقي : ٤ / ٣٤٤ و ٥ / ٢٠ ـ ٢١ و ٧ / ٢٠٦ ، حلية الأولياء : ٥ / ٢٠٥ ، كنز العمال : ٥ / ١٦٧ ـ ١٦٨ ح : ١٢٤٨٧ و ١٦ / ٥١٩ ـ ٥٢١ ح : ٤٥٧١٥ ـ ٤٥٧٢٥ ، الدر المنثور : ١ / ٥١٨ ـ ٥٢٢ ، وفيات الأعيان لابن خلكان : ٢ / ٣٥٩ ، سنن الترمذي : ٢ / ٢٢٤ ح ٨٢٣ ـ ٨٢٥ ، مجمع الزوائد : ٣ / ٢٣٦ ، زاد المعاد : ٢ / ١٧٨ ـ ١٧٩ ، البداية والنهاية : ٥ / ١٣٨ ـ ١٥٨ .

١٥١

١٥٢

هل كان عثمان من أهل الحلم والحياء ؟

٤ ـ وكان الخليفة الثالث عثمان بن عفان مشهوراً بيننا بالرأفة والحلم و الحياء ، ولكن عندما فحصت في كتب التاريخ وجدت خلاف ذلك .

قال البلاذري : لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : رحمه الله ، فقال عمار بن ياسر : نعم ، فرحمه الله من كل أنفسنا ، فقال عثمان لعمار : يا عاضّ إير أبيه أتراني ندمت على تسييره ، وأمر فدفع في قفاه ، وقال : إلحق بمكانه ، فلما تهيأ للخروج ، جاءت بنو مخزوم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان فيه ، فقال له علي : يا عثمان اتق الله فإنك سيَّرت رجلاً صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثم انت الآن تريد أن تنفي نظيره ! وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان لعلي : أنت أحق بالنفي منه ، فقال علي : رم ذلك إن شئت ، واجتمع المهاجرون إلى عثمان فقالوا : إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته ، فان هذا شيء لا يسوغ ، فكفّ عن عمار(١) .

وذكر اليعقوبي : أن عمار بن ياسر صلى على المقداد ودفنه ولم يأذن بذلك عثمان ، بوصية من المقداد ، فاشتد غضب عثمان على عمار وقال : ويلي على ابن السوداء ، أما لقد كنت به عليماً(٢) .

_____________________

١ ـ أنساب الأشراف : ٦ / ١٦٩ ، تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٧٣ مع تفاوت .

٢ ـ تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٧١ .

١٥٣

وقال البلاذري : كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر ، فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله ، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه ، فخطب فقال : لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام ، فقال له علي : إذاً تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه ، وقال عمار بن ياسر : أشهد الله أنّ أنفي أول راغم من ذلك ، فقال عثمان : أعليّ يا ابن المتكأ تجترئ ؟! خذوه ، فأُخِذَ ، ودخل عثمان فدعا به ، فضربه حتى غشي عليه ، ثم أُخرِج فَحُمل حتى أُتِي به منزل أم سلمة زوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يصل الظهر والعصر والمغرب ، فلما أفاق توضأ وصلى وقال : الحمد لله ، ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله ...(١) .

إذا نظر المرء إلى هذه القضايا يرى أن الحياء والرأفة يترشح منها ، ويتعجب من الخليفة الحليم الحيي كيف يخرج من فيه تلك الكلمات البذيئة لأول شهيدة قُتِلت تحت التعذيب في سبيل الله !!

وجاء في بعض الروايات : أنه قام بنفسه فوطأ بطن عمار ومذاكيره حتى أصابه الفتق وأغمي عليه أربع صلوات ، فقضاها بعد الإفاقة ، واتخذ لنفسه تباناً تحت ثيابه ، وهو أول من لبس التبان لأجل الفتق .

وجاء في لفظ ابن قتيبة : فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه فغشي عليه ، فجرُّوه حتى طرحوه على باب الدار(٢) .

وروى اليعقوبي والبلاذري واللفظ له : أن ابن مسعود قدم المدينة ـ

_____________________

١ ـ أنساب الأشراف : ٦ / ١٦١ ـ ١٦٢ وفي هامشه : المتكأ : البظراء ، المفضاة ، والتي لاتمسك البول . عن القاموس .

٢ ـ أنساب الأشراف : ٦ / ١٦٣ ، الرياض النضرة : ٢ / ٨٧ . الامامة والسياسة : ١ / ٥١ .

١٥٤

وعثمان يخطب على منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ فلما رآه قال : ألا إنه قدمت عليكم دويبة سوء من تمشي على طعامه يقي ويُسلح ... ثم أمر عثمان به فأخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً ... واحتمله يحموم غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فدق ضلعه .

وفي بعض الروايات : فكسر ضلعاً من أضلاعه .

وفي تاريخ اليعقوبي : فأمر به عثمان فَجُرَّ برجله حتى كسر له ضلعان .

وفي بعض الروايات : ثم أمر بإحراق مصحفه وجعل منزله حبسه ، وحبس عطائه أربع سنين(١) .

وكان ذنبه لدى الخليفة هو عدم تسليمه إياه مصحفه بسبب إحراق الخليفة لجميع المصاحف وجمع الناس على مصحف زيد بن ثابت ، وشكواه من جنايات ابن عمه في الكوفة ، واعتراضه على أعماله وتوزيعه أموال المسلمين بين أقربائه .

وذكر محب الطبري أن عثمان قال : إن عبد الرحمان بن عوف منافق ، فحلف ابن عوف أن لايكلمه ما عاش ومات على هجرته(٢) .

وغير هؤلاء من الصحابة الذين هتك الخليفة حرمتهم ، وضربهم وعذّبهم ونفاهم وشتمهم وآذاهم من دون أن يكتسبوا جرماً أمام الله عزوجل .

نعم ، كان عثمان رؤوفاً بقرابته وحليماً على أعمالهم ووصولاً لهم ؛ حيث أنه وهب خمس أرمينيا لابن عمه مروان بن الحكم ، وأقطعه فدكاً ، وكان نحلة

_____________________

١ ـ أنساب الأشراف : ٦ / ١٤٧ ، تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٧٠ قوله : يسلح : أي يخرج برازه .

٢ ـ الرياض النضرة ، ج : ٣ من مجلد : ٢ / ٨٥ .

١٥٥

للزهراء عليها‌السلام ، نحلها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) ، فانتزعها الخليفتان الأولان ولم يرجعاها إليها على رغم إصرارها واحتجاجها عليهما ، مما كان سبباً لغضبها عليهما وهجرانها إياهما حتى لحقت بالرفيق الأعلى ، وكانت قد أمرت باخفاء قبرها الشريف كي لا يأتيا عليه ، فصار قبرها مخفيّاً إلى يومنا هذا صلوات الله وسلامه عليها ، وقد تقدم شيء من الكلام على ذلك .

ولم يستح الخليفة من أولادها سلام الله عليها حتى أقطع نحلتهم نصب أعينهم لأعدى أعدائهم(١) .

وأعطى مروان أيضاً مائة ألف من بيت المال ، وصفق مروان على الخمس بخمسمائة ألف فوضعها عنه عثمان ، وأعطاه خمس الغزو الثاني لافريقيا .

ونقل ابن كثير الشامي في تاريخه عن الواقدي : أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح صالح في غزوه لأفريقيا على ألفي ألف دينار وعشرين ألف دينار ، فأطلقها كلّها عثمان في يوم واحد لآل الحكم ، ويقال : لآل مروان .

وفي تاريخ الطبري واليعقوبي : على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار ، ما يبلغ ثلاثمائة قنطار ذهب .

وفي الكامل لابن الأثير وتاريخ ابن خلدون وسير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام للذهبي : على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار .

وفي أنساب الأشراف : مائة ألف أو مائتي ألف دينار .

وأعطى أباه الحكم ثلاثمائة ألف درهم ، وهو الذي سيّره النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسبب عداوته لله ولرسوله وإهانته لساحته المقدسة ، ولم يردّه أبو بكر وعمر

_____________________

١ ـ سنن البيهقي : ٦ / ٣٠١ ، المعارف لابن قتيبة / ١٩٥ ، تاريخ أبي الفداء : ١ / ٢٣٦ .

١٥٦

واسترجعه الخليفة الرؤوف .

وما تصدّق به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المسلمين في سوق المدينة ، أقطعها عثمان الحارث بن الحكم ، ووهبه إبل الصدقة وأنكحه ابنته عائشة وأعطاه مائة ألف من بيت المال ، وقال البلاذري : ثلاث مائة ألف .

وأعطى عبد الله بن سعد بن أبي سرح خمس الخمس من الغزوة الأولى لافريقية ، وهو الذي أسلم وهاجر وكان يكتب الوحي للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم ارتد مشركا ، وصار إلى قريش ، فقال لهم : إني كنت أصرف محمداً حيث أريد ، كان يملي علي ( عزيز حكيم ) فأقول : أو ( عليم حكيم ) ، فيقول : نعم كل صواب ، فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة ، فغيبه عثمان ، ثم أتى به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستأمن له فصمت ... .

وزوج ابنته من عبد الله بن خالد بن أسيد وأمر له بستمائة ألف درهم ، وكتب إلى عبد الله بن عامر أن يدفعها إليه من بيت مال البصرة .

وأجاز مائة ألف لمحمد بن أبي حذيفة ، وأعطى أبا سفيان مائتي ألف ، وأعطى ربيعة بن الحارث مائة ألف درهم ، وأعطى سعيد بن العاص مائة ألف درهم ، وأعفى وليد بن عتبة عن مائة ألف درهم أخذها من بيت المال في الكوفة ، مما كان سبباً لالقاء ابن مسعود المفاتيح إليهم .

قال اليعقوبي : حدّث أبو إسحاق عن عبد الرحمان بن يسار ، قال : رأيت عامل صدقات المسلمين على سوق المدينة إذا أمسى أتاه عثمان فقال له : إدفعها إلى الحكم بن أبي العاص ، وكان عثمان إذا أجاز أحداً من أهل بيته بجائزة جعلها فرضاً من بيت المال .

وأتاه أبو موسى بأموال جليلة من العراق فقسّمها كلّها في بني أمية ،

١٥٧

وحمى بقيع المدينة ، ومنع الناس منه ، وزاد في الحمى أضعاف البقيع ، وحمى سوق المدينة في بعض مايباع ويشترى ، فقالوا : لا يشتري منه أحد النوى حتى يشتري وكيله ما يحتاج إليه عثمان لعلف إبله ، وحمى البحر من أن تخرج فيه سفينة إلّا في تجارته ، وأقطع أصحابه إقطاعات كثيرة من بلاد الإسلام مما لم يكن له فعله .

وكان يقول : إنّ أبابكر وعمر تركا من هذا المال ما كان لهما ، وإني آخذه فأصل به ذوي رحمي .

وحبُّه لبني أمية وصل إلى درجة أن قال : لو أنّ بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم ، أخرجه ابن عساكر وأورده الذهبي في أعلام النبلاء(١) .

_____________________

١ ـ تاريخ الطبري : ٢ / ٥٩٨ ـ ٥٩٩ و ٦٥٠ ـ ٦٥٢ و ٦٨٣ ، أنساب الاشراف : ٦ / ١٣٣ و ١٣٤ و ١٣٦ و ١٣٧ و ١٤٠ و ١٤٩ و ١٥١ و ١٦٦ و ١٧٣ ، تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٦٤ و ١٦٥ و ١٦٦ و ١٦٨ و ١٧٠ ، الامامة والسياسة : ١ / ٥٠ و ٥١ ، تاريخ أبي الفداء : ١ / ٢٣٣ و ٢٣٦ ، المعارف لابن قتيبة / ١٩٤ ـ ١٩٥ ، العقد الفريد ذكر ما نقم الناس على عثمان : ٥ / ٥٥ ـ ٥٩ وفي طبع آخر : ٤ / ٢٨٦ ـ ٢٨٩ ، تارخ المدينة لابن شبة : ٣ / ١٠٢٢ و ١٠٢٣ ، تاريخ الاسلام للذهبي الخلفاء / ٣١٩ ـ ٣٢١ ، الكامل لابن الأثير : ٢ / ٢٣٧ ، البداية والنهاية : ٧ / ١٧٠ ، أُسد الغابة : ٣ / ١٧٣ ، الطبقات الكبرى : ٢ / ٩٥ ، مروج الذهب : ٢ / ٣٣٤ ـ ٣٤٣ ، الاستيعاب : ٣ / ٥٠ ـ ٥١ ، مختصر تاريخ الدمشق : ١٦ / ١٧٤ و ١٧٥ ، سير أعلام النبلاء الخلفاء الراشدون / ١٧٢ ـ ١٧٣ ، ١٨٦ ، تاريخ ابن خلدون : ٢ / ٥٧٤ ، تاريخ الاسلام للدكتور حسن إبراهيم : ١ / ٣٥٤ ـ ٣٥٧ ، الرياض النضرة في مناقب العشرة ذكر مانقم على عثمان مفصلاً : ج : ٣ من مجلد ٢ / ٨٢ ـ ٨٨ ، المعرفة والتاريخ للفسوي : ١ / ٣٢٧ .

١٥٨

قال سيد قطب : منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم ، فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازن مال المسلمين وقد بدا في وجهه الحزن وترقرقت في عينه الدموع ، فسأله أن يعفيه من عمله ، ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين قال مستغرباً : أتبكي يا ابن أرقم أن وصلتُ رحمي ؟! فردّ الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف : لا يا أمير المؤمنين ، ولكن أبكي لأنّي أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيراً ، فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين وقال له : أَلقِ بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنّا سنجد غيرك .

والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات ، فقد منح الزبير ذات يوم ستمائة ألف ومنح طلحة مائتي ألف ونفل مروان بن الحكم خمس خراج افريقية ، ولقد عاتبه في ذلك ناس من الصحابة وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب ، فأجاب : إن لي قرابة ورحماً ، فأنكروا عليه وسألوه : فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحم ؟ فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما ، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي ، فقاموا عنه غاضبين يقولون : فهَديُهما والله أحبّ إلينا من هديِك .

وغير المال كانت الولايات تغدق على الولاة من قرابة عثمان ، وفيهم معاوية الذي وسع عليه في الملك فضم إليه فلسطين وحمص ، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ومهد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة علي ، وقد جمع المال والأجناد . وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي آواه

١٥٩

عثمان وجعل ابنه مروان بن الحكم وزيره المتصرِّف ، وفيهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخوه من الرضاعة ...(١) .

قال ابن حجر العسقلاني : إنّ أمراء الأمصار كانوا من أقاربه ، كان بالشام كلِّها معاوية ، وبالبصرة سعيد بن العاص ، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وبخراسان عبد الله بن عامر(٢) .

وأما ثروة الخليفة فقد ذكر ابن سعد والمسعودي ونقل الذهبي عن الواقدي : أنَّ عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم ، أو ثلاثون ألف ألف درهم كما ذكره الذهبي ، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار ، وخلّف خيلاً كثيراً ، وترك ألف بعير بالربذة .

وقال ابن قتيبة : تطاول الخليفة في البنيان حتى عدوا سبع دور بناها في المدينة(٣) .

فهذه الأعمال كانت سبباً لنقمة الصحابة وغضبهم على الخليفة وسبّه ولعنه .

فقد ذكر ابن عبد ربه الأندلسي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : إن أناساً كانوا عند فسطاط عائشة وأنا معهم بمكة فمرّ بنا عثمان ، فما بقي

_____________________

١ ـ العدالة الاجتماعية في الاسلام / ١٥٩ .

٢ ـ الاصابة في تمييز الصحابة : ٤ / ٣٧٩ م : ٥٤٦٤ .

٣ ـ مروج الذهب : ٢ / ٣٣٢ ، الطبقات الكبرى : ٢ / ٩٥ وفي طبع : ٣ / ٥٣ ، الامامة والسياسة : ١ / ٥٠ ، سير أعلام النبلاء ، الخلفاء الراشدون / ٢١٠ .

١٦٠