الهجرة إلى الثقلين

محمّد گوزل الحسن الآمدي

الهجرة إلى الثقلين

المؤلف:

محمّد گوزل الحسن الآمدي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-293-8
الصفحات: ٤٥٠
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

أخرجه الحاكم وصححه ، وذكره الهيثمي عن البزار ، وأورده المتقي الهندي في كنزه واضعاً عليه رمز كلٍّ من أبي داود الطيالسي وابن سعد وابن سني والشاشي والبزار والطبراني في الكبير والأوسط والدارقطني في الافراد وأبي نعيم في المعرفة وابن عساكر والضياء المقدسي في المختارة(١) .

وروى علماء السير : أن أنس بن نضر ـ عم أنس بن مالك ـ انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبد الله في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل .

وفشا في الناس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قتل ، فقال بعض أصحاب الصخرة : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان ، يا قوم ، إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم ، فقال لهم أنس : يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ، اللهم إني اعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، ثم قاتل حتى استشهد رضوان الله وبركاته عليه .

واخرج البخاري في صحيحه ذيل الخبر(٢) .

_____________________

١ ـ كنز العمال : ١٠ / ٤٢٤ ـ ٤٢٦ ح : ٣٠٠٢٥ ، الطبقات الكبرى : ٢ / ١٩٦ م : ٤٧ وفي طبع : ٣ / ١٥٥ ، البداية والنهاية ، ذكر ما لقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المشركين : ٤ / ٣٣ ، شرح نهج البلاغة : ١٥ / ٣٣ ، المستدرك : ٣ / ٢٦٦ .

١ ـ تاريخ الطبري : ٢ / ٦٦ ـ ٦٨ ، الكامل في التاريخ : ١ / ٥٥٣ ، البداية والنهاية : ٤ / ٣٥ ،

١٢١

وقد صرح البخاري ومسلم وغيرهما بفرار عمر بن الخطاب يوم حنين ، وهذا شيء معلوم لدى الخاص والعام(١) .

وأما يوم خيبر فقد أخرج ابن عساكر وغيره عن بريدة الأسلمي : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطى اللواء عمر بن الخطاب فلقوا أهل خيبر ، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يجبنه أصحابه ويجبنهم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لأعطينّ اللواء رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله » ، وفي بعض الروايات بزيادة قوله : « كرار غير فرار » ، فلما كان الغد تصادر لها أبو بكر وعمر ، فدعا علياً وهو أرمد فتفل في عينه واعطاه اللواء .

وفي لفظ الطبراني عن ابن عباس : فلما كان من الغد بعث عمر فرجع منهزماً ، يجبن أصحابه ويجبنونه .

وأخرج الحاكم عن علي عليه‌السلام قال : لما صار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى خيبر ، فلما أتاها بعث عمر وبعث معه الناس إلى مدينتهم ـ أو قصرهم ـ فقاتلوهم ، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه ، فجاءوا يجبِّنونه ويجبِّنهم .

وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي .

وأخرج الحاكم عن جابر بن عبد الله : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دفع الراية يوم

_____________________

٣٩ ، المغازي : ١ / ٢٨٠ ، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : ٣ / ١٦٦ صحيح البخاري كتاب الجهاد باب قوله ( مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ ) الآية : ٢ / ٣٠٧ ح : ٢٨٠٥ و ٣ / ١٠٣ ح : ٤٠٤٨ .

١ ـ صحيح البخاري باب قوله تعالى : ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ ... ) الآية من كتاب المغازي : ٣ / ١٥٦ ح : ٤٣٢٢ ، صحيح مسلم ، كتاب الجهاد السير ، باب ( ١٣) استحقاق القاتل سلب القتيل : ١٢ / ٣٠١ ـ ٣٠٣ ح : ١٧٥١ ، دلائل النبوة : ٥ / ١٤٨ ، البداية والنهاية في غزوة حنين : ٤ / ٣٧٦ .

١٢٢

خيبر إلى عمر ، فانطلق فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه .

ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .

وأخرج عن جابر أيضاً وتعقبه الذهبي ، أنه قال : لما كان يوم خيبر بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجلاً فجبن ...(١)

وخامساً : إن قصة طلب عمرو بن عبد ود المبارزة في يوم الخندق أقوى شاهد على ذلك ؛ حيث أنه طلب المبارزة من الصحابة وأعاده ثلاث مرات ، حتى قال لهم : إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار ، أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة ؟! وجميع الصحابة سكوت كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو والخوف منه ، حتى ضمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للقائم إليه الجنة ، كما في بعض الروايات ، وفي كل مرة يقوم علي عليه‌السلام ، فيجلسه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى أذن له في المرة الثالثة ، فلما برز إليه قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « برز الإيمان كله إلى الشرك كله » ، ولما قتله قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين » .

وفي بعض الروايات : « لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة » .

ونزل فيه قوله تعالى : ( وَكَفَى اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) ، فقد روي عن ابن

_____________________

١ ـ المستدرك مع تلخيصه كتاب المغازي : ٣ / ٣٧ ، ٣٨ ، مختصر تاريخ الدمشق : ١٧ / ٣٢٧ ـ ٣٢٨ ، مجمع الزوائد : ٩ / ١٢٤ ، المناقب لابن اخي تبوك / ٤٤١ ح : ٢٧ .

١٢٣

مسعود وابن عباس : أن كفاهم الله القتال يوم الخندق بعليِّ بن أبي طالب ، حين قتل عمرو بن عبد ود(١) .

_____________________

١ ـ المغازي للواقدي : ١ / ٤٧٠ ـ ٤٧١ ، البداية والنهاية : ٤ / ١٢٠ ـ ١٢٢ ، دلائل النبوة : ٣ / ٤٣٧ ـ ٤٣٩ ، سبل الهدى والرشاد : ٤ / ٣٧٧ ـ ٣٧٩ ، سيرة زيني دحلان : ٢ / ١١٠ ـ ١١٢ ، شرح نهج البلاغة : ١٣ / ٢٦١ و ١٩ / ٦٣ ـ ٦٤ ، مفاتيح الغيب : ٣٢ / ٣١ في تفسير سورة القدر ، السيرة الحلبية ٢ / ٣١٩ و ٣٢٠ ، كنز العمال : ١١ / ٦٢٣ ح : ٣٣٠٣٥ ، تاريخ البغداد : ١٣ / ١٩ م : ٦٩٧٨ ، المستدرك وتلخيصه : ٣ / ٣٢ ـ ٣٣ ، المناقب للخوارزمي / ١٠٧ و ١٦٩ و ١٧٠ ح : ١١٢ و ٢٠٢ و ٢٠٣ ، شواهد التنزيل : ٢ / ٧ ـ ١٣ ح : ٦٢٩ ـ ٣٦ ، رقم الآية : ١٢٩ ، مختصر تاريخ دمشق : ١٧ / ٣٢١ ـ ٣٢٤ ، ينابيع المودة / ٩٤ و ٩٦ و ١٣٧ .

١٢٤

هل كان أبو بكر من أجود الناس ؟

٢ ـ وكان مشهوراً بيننا أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « ما نفعني مال أحد مثل ما نفعني مال أبي بكر » ، وأنه كان من المنفقين كثيراً على النبي وغيره من المسلمين ، وأنه أعتق كثيراً من الأرقّاء المعذّبين في سبيل الله .

ولكن عندما ينظر المرء إلى وقائع التاريخ يشك في جميع تلك الإدعاءات .

فمثلاً : إن المؤرخين يقولون : إن أبابكر لما خرج مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الهجرة أخذ ماله معه ، وهو خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف ، وكان له غنم يرعاها مولى له باسم عامر بن فهيرة ، ويريح عليهما إذا أمسى كي يحتلبا ويذبحا ، وأنه اشترى راحلتين له وللنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بثمانمائة درهم(١) .

_____________________

١ ـ كنز العمال : ١٦ / ٦٨١ ـ ٦٨٣ ح : ٤٦٣١٧ و ٤٦٣١٨ عن أحمد والطبراني ، مجمع الزوائد :

١٢٥

فيفكر المرء : إذا كان لأبي بكر هذه الأموال فلم لم ينفق على النبي والمسلمين وهم في شعب أبي طالب محصورون ، وكان صبيانهم يتضاغون جوعاً ، وكانوا يقتاتون بورق الشجر ، حتى هلك من هلك ، وقد أنفق أبو طالب وخديجة جميع أموالهما عليهم ؟!

قال ابن أبي الحديد : قال أبو جعفر رحمه‌الله : إني لا أشك أن الباطل خان أبا عثمان والخطأ أقعده والخذلان أصاره إلى الحيرة ، فما علم وعرف حتى قال ما قال ، فزعم أن علياً قبل الهجرة لم يمتحن ولم يكابد المشاق ، وأنه إنما قاسى مشاق التكليف ومحن الابتلاء منذ يوم بدر ، ونسي الحصار في الشعب وما مني به منه ، وأبوبكر وادع رافه يأكل ما يريد ويجلس مع من يحب ، مخلّى سربه طيبة نفسه ساكناً قلبه ، وعلي يقاسي الغمرات ويكابد الأهوال ويجوع ويظمأ يتوقع القتل صباحاً مساء(١) .

لما نزل قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ) ، فلم يعمل بها غير علي عليه‌السلام ، لا الصديق الجواد ! ولا غيره من الصحابة .

فقد ورد من طرق أهل السنة والجماعة بعدة طرق عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمر وابن عباس وأمير المؤمنين عليه‌السلام أنه قال : إن في

_____________________

٦ / ٥٩ ، الثقات لابن حبان : ١ / ١١٧ ـ ١٢٠ ، السيرة النبوية لابن هشام : ٢ / ٤٨٥ و ٤٨٧ و ٤٨٨ ، دلائل النبوة : ٢ / ٤٧٥ ، سبل الهدى والرشاد : ٣ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠ ، تاريخ الطبري : ١ / ٥٦٨ ـ ٥٧٠ .

١ ـ البداية والنهاية : ٣ / ١٠٥ ـ ١٠٦ ، شرح نهج البلاغة : ١٣ / ٢٥٦ ، سبل الهدى والرشاد : ٢ / ٣٧٧ .

١٢٦

كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي : آية النجوى ، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم ، فكنت كلما ناجيته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قدمت بين يدى نجواي درهماً ، ثم نسخت بقوله تعالى : ( أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ )(١) .

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي على شرطهما في تلخيصه .

وأورده المتقي الهندي في كنزه عن سعيد بن منصور وابن راهويه وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه(٢) .

والعجب من الذهبي كيف استطاع أن يعترف بصحة هذا الحديث !! ولم يفعل مثل صنيعه المستمر ، كما فعل ابن كثير الشامي ، حيث قال : وقد قيل : إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب(٣) .

_____________________

١ ـ سورة المجادلة : ١٢ ـ ١٣ .

٢ ـ المستدرك مع تلخيصه : ٢ / ٤٨٢ ، شواهد التنزيل للحسكاني : ٢ / ٣١١ ـ ٣٢٤ ح : ٩٤٩ ـ ٩٦٦ حول الآية : ١٧١ ، المناقب للخوارزمي / ٢٧٦ ـ ٢٧٧ ح : ٢٦١ ـ ٢٦٣ ، المناقب لابن المغازلي / ٣٢٥ ح : ٣٧٢ و ٣٧٣ ، الجامع لاحكام القرآن : ١٧ / ٣٠٢ ، المصنف لابن أبي شيبة : ٦ / ٣٧٦ ح : ٣٢١١٦ ، سنن الترمذي : ٥ / ١٩٦ ح : ٣٣١١ ، منتخب الكنز : ٢ / ٢١ ، صحيح ابن حبان : ١٥ / ٣٩٠ ـ ٣٩١ ح : ٦٩٤١ ، البحر المحيط : ١٠ / ١٢٩ ، مفاتيح الغيب : ٢٩ / ٢٧١ و ٢٧٢ ، تذكرة الخواص / ٢٦ ، كنز العمال : ٢ / ٥٢١ ح : ٤٦٥١ ـ ٤٦٥٢ ، جامع البيان : ١٤ / ٢٠ ـ ٢١ ، كفاية الطالب / ١١٧ ـ ١١٨ ، ينابيع المودة / ١٠٠ ـ ١٠١ ، فرائد السمطين : ١ / ٣٥٧ ح : ٢٨٣ و ٢٨٤ .

٣ ـ تفسير القرآن العظيم : ٤ / ٣٤٩ ـ ٣٥٠ .

١٢٧

فلما رأيت هذه القصة قلت في نفسي : فلماذا يتصدق من له دينار واحد كل مرة بدرهم كي يتناجى مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى نفدت دراهمه العشرة ؟ ولا يتصدق ذلك الرجل الغني الجواد والصحابي الملازم للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى بدرهم واحد كي يذهب ويتناجى مع صديقه ؟!

وقد قالوا : إن أبا بكر أنفق جميع أمواله على النبي عدّة مرات ، ومنها يوم المسير إلى معركة تبوك ، وفيه جهز بأمواله مقداراً عظيماً من جيش الإسلام .

ولكن لو فكر المرء قليلاً يفهم بأن الرجل الجواد لا يستطيع أن يجمع ذلك المقدار من المال في حين أن هناك من المسلمين وخاصة أصحاب الصفة من كانوا في أمس الحاجة إلى انفاق أهل الجود والكرم عليهم .

١٢٨

هل كان عمر من أعلم الناس ؟

٣ ـ وكان مشهوراً بيننا : أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ، وأنّ ملكاً ينطق على لسان عمر ، وأنه لو وضع علم عمر في كفة ميزان وعلم أهل الارض في كفة لرجح علم عمر .

وقد أشار ابنه عبد الله إلى علمه قائلاً : تعلّم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة ، فلما ختمها نحر جزوراً . وفي بعض الروايات : في بضع عشرة سنة .

واقتفى ابنه عبد الله أثره فتعلمها في ثماني سنين(١) .

وقد أشار الخليفة إلى علمه أيضاً ـ عندما خطَّأته امرأة فيما ذهب إليه من عدم جواز الغلاء في المهور ـ بقوله : كل الناس أفقه من عمر . وفي بعض الروايات : كل الناس أعلم من عمر . وفي بعضها بزيادة : حتى ربّات الحجال .

قال ابن حجر العسقلاني : أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم وأحمد والدارمي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وأبو نعيم والطبراني وإسحاق وأبو يعلى والدارقطني في العلل .

_____________________

١ ـ الدر المنثور : ١ / ٥٤ ، تفسير القرطبي : ١ / ٤٠ و ١٥٢ ، تاريخ الاسلام للذهبي عهد الخلفاء الراشدين : ١ / ٢٦٧ ، شرح نهج البلاغة عن مالك : ١٢ / ٦٦ ، سير أعلام النبلاء الخلفاء / ٨١ ، وعن سيرة عمر لابن الجوزي / ١٦٥ .

١٢٩

واقتبسه السيوطي من عبد الرزاق وابن المنذر وسعيد بن منصور وأبي يعلى والزبير بن بكار .

وقال القرطبي : أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده .

وأخذه ابن كثير الشامي عن أبي يعلى وقال : إسناده جيد قوي ، وعن ابن المنذر والزبير بن بكار(١) .

وقد أصلح الإمام أمير المؤمنين كثيراً من أخطائه ، مما كان سبباً لأن يصدر منه القول في عدة مرات : لو لا علي لهلك عمر ، وقوله : أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن ، وقوله : اللهم لا تنزل بي شدة إلّا وأبو الحسن إلى جنبي ، وقوله : أبا حسن ، لا أبقاني الله لشدة لست لها ، ولا في بلد لست فيه ، وقوله : يا ابن أبي طالب ، فما زلت كاشفَ كلّ شبهة وموضح كل حكم ، وقوله : لا أبقاني الله بعدك يا علي(٢) .

_____________________

١ ـ الكشاف : ١ / ٤٩١ ، الجامع لأحكام القرآن : ٥ / ٩٩ ـ ١٠٠ ، مفاتيح الغيب تفسير الآية ٢٠ من سورة النساء : ١٠ / ١٣ ، الدر المنثور : ٢ / ٤٦٦ ، إرشاد الساري : ٨ / ٦٠ ، تفسير إبن كثير : ١ / ٤٧٨ ، شرح نهج البلاغة : ١ / ١٨٢ ، أحكام القرآن لابن العربي : ١ / ٤٦٩ ، تفسير آيات الأحكام لعلي سايس : ٢ / ٤٠٩ ، تفسير آيات الأحكام للصابوني ١ / ٣٢١ ، الكافي الشاف للعسقلاني : ١ / ٤٩١ .

٢ ـ راجع الاستيعاب بهامش الاصابة : ٣ / ٣٩ ، المناقب للخوارزمي / ٨١ و ٩٦ ـ ٩٧ ح : ٦٥ و ٩٧ ـ ٩٨ ، فتح الملك العلي / ٣٥ ، أُسد الغابة : ٤ / ٢٢ ـ ٢٣ ، صفة الصفوة : ١ / ١٣٢ ، جواهر المطالب : ١ / ١٩٥ و ٢٠٠ ، كنز العمال : ١٠ / ٣٠٠ ح : ٢٩٥٠٩ ، الرياض النضرة : ٣ / ١٦٦ ، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم : ٥ / ٦٨ ، أنساب الأشراف : ٢ / ٣٥١ ، ينابيع المودة / ٧٠ و ٧٥ ، فرائد السمطين : ١ / ٣٤٤ و ٣٤٦ و ٣٤٩ ح : ٢٦٦ و ٢٦٧ و ٢٦٩ ـ ٢٧٤ و ٢٧٥ و ٢٧٦ .

١٣٠

ومن أراد الوقوف على علة صدور هذه الجمل من الخليفة وقصتها مفصلا فليراجع كتاب [ فضائل الخمسة من الصحاح الستة ] للسيد العلامة الفيروزآبادي وكتاب [ الغدير ] للمحقق الكبير العلامة الاميني(١) .

_____________________

١ ـ فضائل الخمسة : ٢ / ٢٧٣ ـ ٣٠٠ باب رجوع عمر إلى علي ، الغدير : ٦ / ٩٧ .

١٣١

١٣٢

اجتهادات عمر في مقابل النص :

ولا بأس بأن نشير إلى بعض الموارد التي تكلّم الملك فيها على لسان عمر بن الخطاب :

منها : قصة التيمم :

فالملك الذي تكلم على لسان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا )(١) ومثلها الآية الثالثة والأربعون من سورة النساء .

أخرج البخاري ومسلم وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي والبيهقي ، واللفظ للبخاري ، عن عمران أنه قال : كنا في سفر مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... إلى أن قال : فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس ـ وكان رجلاً جَلداً ـ فكبّر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبّر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، قال : « لا خير ولا يضير ارتحلوا » ، فارتحل فسار غير بعيد ثم نزل فدعا بالوضوء ، فتوضأ ونودي بالصلاة ، فصلى بالناس ، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم

_____________________

١ ـ سورة المائدة : ٦ .

١٣٣

يصل مع القوم ، فقال : « ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ؟ » قال : أصابتني جنابة ولا ماء ! قال : « عليك بالصعيد فإنه يكفيك ... »(١) .

وأما الملك الذي تكلّم على لسان الخليفة فقد قال بترك الصلاة في تلك الحال .

أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما وابن الجارود وأحمد في المسند وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي في السنن وغيرهم عن عبد الرحمن ابن أبزي ، واللفظ لمسلم : أن رجلاً أتى عمر فقال : إني أجنبت فلم أجد ماء ؟ فقال : لا تصلّ ، فقال عمّار : أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية ، فأجنبنا فلم نجد ماء ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنما كان يكفيك أن تضرب بيدك الارض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك » فقال عمر : اتق الله يا عمار ! قال : إن شئت لم أحدِّث به ، فقال عمر : نوليك ما توليت .

وفي رواية أخرى لمسلم : قال عمار : يا أمير المؤمنين إن شئت ـ لما جعل الله من حقك ـ لا أحدِّث به أحدا(٢) .

_____________________

١ ـ صحيح البخاري كتاب التيمم باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه عن الماء : ١ / ١٢٨ ـ ١٢٩ ح : ٣٤٤ ، مسند أحمد : ٤ / ٤٣٤ ، كنز العمال : ٩ / ٤٠١ ـ ٤٠٣ ح : ٢٦٦٨٩ ـ ٢٦٦٩٩ عن جماعة من المحدثين ، سنن النسائي : ١ / ١٧١ .

٢ ـ صحيح البخاري كتاب التيمم باب المتيمم هل ينفخ فيهما : ١ / ١٢٧ ـ ١٣١ ح : ٣٣٨ ـ ٣٤٣ ، صحيح مسلم كتاب الحيض باب التيمم : ٤ / ٣٠٠ ـ ٣٠٣ ح : ٣٦٨ ، مسند أحمد : ٤ / ٢٦٤ ـ ٢٦٥ و ٣١٩ ، سنن أبي داود : ١ / ٨٧ ـ ٨٨ ح : ٣٢١ ـ ٣٢٤ ، سنن ابن ماجه : ١ / ١٨٨ ح : ٥٦٩ ، سنن النسائي : ١ / ١٦٨ ـ ١٧٠ ، السنن الكبرى للبيهقي : ١ / ٢٠٩ ، غوث المكدود : ١ / ١٢٩ ـ ١٣٠ ح : ١٢٥ ، مسند أبو يعلىٰ ٣ / ١٨١ ـ ١٨٢ ح : ١٦٠٦ .

١٣٤

فأنت إذا تأملت في هذه القصة تجد أن ما جاء على لسان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخالف لما جاء على لسان الخليفة .

فهب أن الخليفة لم يكن عالماً بهاتين الآيتين لعدم وجودهما في سورة البقرة التي تعلمها في اثنتي عشرة سنة ، فلم لم يعمل بقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي رواه عمران في قصة سفرهم ، وكان الخليفة معهم في تلك السفرة ؟!

وهب أن الخليفة نسي تلك القصة ، أو لم يسمع قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك الرجل الجنب حينذاك ، وأنه نسي ما جرى بينه وبين عمار بن ياسر وقول النبي لهما ، فلم يزجر عمار ويهدّده وهو يذكّره قولَ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟؟!! أو أن الخليفة عازم على اجتهاده الأول على رغم الآيات والأحاديث !!

ومنها : قصة الطلاق :

فالملك الذي تكلم على لسان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) إلى أن قال عز وجل : ( فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ )(١) .

روي عن ابن عباس أنه قال : طلّق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد ، فحزن عليها حزناً شديداً ، فسأله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « كيف طلقتها ؟ » قال ثلاثاً ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « في مجلس واحد ؟ » قال : نعم ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فإنما تملك واحدة ، فارجعها إن شئت » .

أورد السيوطي رواية ابن عباس في تفسيره عن البيهقي وأورد في ذلك حديثاً عن الشافعي وأبي داود والحاكم والبيهقي وحديثاً آخر عن أبي داود

_____________________

١ ـ سورة البقرة : ٢٢٩ ـ ٢٣٠ .

١٣٥

والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه ، والبيهقي من حديث ركانة .

وأورده القرطبي في تفسيره عن أبي داود وابن ماجه والدارقطني وغيرهم ، واعترف بصحته(١) .

وقال القسطلاني : وفي حديث محمود بن لبيد عند النسائي بسند رجاله ثقات : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ، فقام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غضبان ، ثم قال : « أيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟! » حتى قام رجل فقال : يا رسول الله ألا نقتله ؟(٢) .

وأما الملك الذي تكلم على لسان عمر بن الخطاب فيقول بما يأتي :

قال السيوطي : أخرج عبد الرزاق ومسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس أنه قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم !

وأورده السيوطي من طريق طاووس عند الشافعي وعبد الرزاق وأبي داود والنسائي والبيهقي ، وفي رواية أخرى عن أبي داود والبيهقي .

وأخرجه أحمد في المسند والبيهقي في السنن والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين .

_____________________

١ ـ اعلام الموقعين : ٣ / ٣١ ـ ٣٢ ، الدر المنثور : ١ / ٦٦٧ ـ ٦٦٨ ، الجامع لأحكام القرآن : ٣ / ١٢٩ و ١٣١ و ١٣٥ و ١٣٦ ، إرشاد الساري : ٨ / ١٣٢ ـ ١٣٣ .

٢ ـ سنن النسائي : ٦ / ١٤٢ ، الدر المنثور : ١ / ٦٧٦ ، تفسير القرآن العظيم : ١ / ٢٨٤ ، إرشاد الساري : ٨ / ١٣٣ ـ ١٣٤ ، اعلام الموقعين : ٣ / ٣٥ .

١٣٦

وأورده الذهبي في تلخيصه والقرطبي في تفسيره معترفين بصحته(١) .

ومنها : قصة الخمر :

فالملك الذي تكلم على لسان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )(٢)

وقد روي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « ما أسكر كثيره فقليله حرام » ، وقال الترمذي : وفي الباب عن سعد وعائشة وعبد الله بن عمرو وابن عمر وخوات بن جبير .

أقول : وفي الباب عن أمير المؤمنين عليه‌السلام وزيد بن أبي أوفى وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك والواقد أيضاً ، وروي عن كل منهم بطرق مختلفة وبألفاظ متفاوتة .

وأورده الهندي في عدّة مواضع من كنزه ناقلاً عن جماعة كبيرة من المحدثين منهم : البخاري وأحمد وابن ماجه والبغوي وأبوداود والنسائي وابن حبان والترمذي والبيهقي .

وأخرجه الدارمي في سننه وأبو يعلى في مسنده والحاكم النيسابوري في

_____________________

١ ـ صحيح مسلم كتاب الطلاق باب الطلاق الثلاث : ١٠ / ٣٢٥ ـ ٣٢٨ ح : ١٤٧ ، إرشاد الساري : ٨ / ١٣٣ ، الدر المنثور : ١ / ٦٦٨ ، اعلام الموقعين : ٣ / ٣١ ـ ٣٤ ، مسند أحمد : ١ / ٣١٤ ، سنن البيهقي : ٧ / ٣٣٦ ، المستدرك وتلخيصه : ٢ / ١٩٦ كتاب الطلاق ، تفسير القرطبي : ٣ / ١٣٠ ، سنن النسائي : ٦ / ١٤٥ ، سنن أبي داود : ٢ / ٢٦١ ح : ٢١٩٩ ـ ٢٢٠٠ ، أحكام القرآن للجصاص : ١ / ٥٢٩ .

٢ ـ سورة المائدة : ٩٠ .

١٣٧

مستدركه والخطيب البغدادي في عدّة مواضع من تاريخه(١) .

وأما الملك الذي تكلم على لسان عمر بن الخطاب فيقول بحلّيته إذا كسر بالماء .

فمن مسند أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم : أن عمر بن الخطاب أُتِيَ بأعرابي قد سكر ، فطلب له عذراً ، فلما أعياه قال : فاحبسوه فإن صحا فاجلدوه ، ودعا عمر بفضله ودعا بماء فصبه عليه فكسر ثم شرب وسقى جلساءه ، ثم قال : هكذا فاكسروه بالماء إذا غلبكم شيطانه ، قال : وكان يحب الشراب الشديد .

وجاء في كتاب الآثار لأبي يوسف قريب من ذلك(٢) .

وأخرج النسائي عن أبي رافع : أن عمر بن الخطاب قال : إذا خشيتم من نبيذ شدته فاكسروه بالماء .

وبرره عبد الله بقوله : من قبل أن يشتد .

_____________________

١ ـ سنن الترمذي باب ما أسكر كثيره فقليله حرام : ٣ / ٣٤٣ ح : ١٨٧٢ و ١٨٧٣ ، كنز العمال : ٥ / ٣٤٢ ـ ٣٤٤ ح : ١٣١٤١ و ١٣١٤٨ و ١٣١٥٢ ـ ١٣١٥٥ ، المستدرك : ٣ / ٤١٣ ، تاريخ بغداد : ٣ / ٣٢٧ م : ١٤٣٣ و ٦ / ٢٢٩ م : ٣٢٧٧ و ٨ / ٤٣٧ م : ٤٥٤٤ و ٩ / ٩٤ م : ٤٦٧٥ و / ٤٦٩ م : ٥٠٩٧ و ١٢ / ٢٥١ م : ٦٦٩٨ ، سنن أبي داود : ٣ / ٣٢٧ و ٣٢٩ ح : ٣٦٨١ و ٣٦٨٧ ، سنن ابن ماجه كتاب الأشربة باب ما أسكر كثيره فقليله حرام : ٢ / ١١٢٤ و ١١٢٥ ح : ٣٣٩٢ ـ ٣٣٩٤ ، البحر المحيط لأبي حيان : ٤ / ٦٧٥ ، مجمع الزوائد : ٥ / ٥٧ ، كتاب الاثار للقاضي أبي يوسف / ٢٢٨ ح : ١٠١٠ ، مسند أبي يعلى : ٢ / ٥٥ ح : ٦٩٤ و ٦٩٥ و ٧ / ٥٠ ح : ٣٩٦٦ .

٢ ـ جامع مسانيد أبي حنيفة : ٢ / ١٩٢ كتاب الآثار للقاضي أبي يوسف باب الاشربة / ٢٢٦ ح : ٩٩٨ .

١٣٨

وعن سعيد بن المسيب يقول : تلقت ثقيف عمر بشراب ، فدعا به ، فلما قربه إلى فيه كرهه ، فدعا به فكسره بالماء فقال : هكذا فافعلوا(١) .

قال أبو بكر الرازي : وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الشعبي عن سعيد وعلقمة : أن أعرابياً شرب من شراب عمر فجلده عمر الحد ، فقال الأعرابي : إنما شربت من شرابك ، فدعا عمر شرابه فكسره بالماء ، ثم شرب منه ، وقال : من رابه من شرابه شيء فليكسره بالماء .

ورواه إبراهيم النخعي عن عمر نحوه ، وقال فيه : إنه شرب منه بعد ما ضرب الأعرابي .

وقال في الصفحة السابقة : وقد تواترت عن جماعة من السلف شرب النبيذ الشديد : منهم عمر ..(٢)

قال ابن عبد ربه الأندلسي : قال الشعبي : شرب أعرابي من اداوة عمر فانتشى فحدّه عمر ، وإنما حده للسكر لا للشراب(٣) .

وروى الامام مالك : أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام ، شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها ، وقالوا : لا يصلحنا إلّا هذا الشراب ، فقال عمر : اشربوا هذا العسل ، قال : لا يصلحنا العسل ، فقال رجل من أهل الأرض : هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئاً لا يسكر ؟ قال : نعم ، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث ، فأتوا به عمر ، فأدخل فيه عمر اصبعه ثم رفع يده ، فتبعها يتمطط ، فقال : هذا الطلاء ، هذا مثل طلاء الإبل . فأمرهم عمر أن

_____________________

١ ـ سنن النسائي : ٨ / ٣٢٦ ، جامع المسانيد والسنن : ١٨ / ٦٤ و ٢٧٣ ح : ١٢٤ و ٤٩٢ .

٢ ـ أحكام القرآن للجصاص : ٢ / ٦٥١ و ٦٥٢ وفي طبع : ٤٦٣ و ٤٦٤ .

٣ ـ العقد الفريد : ٨ / ٨٠ وفي طبع : ٦ / ٣٨٢ .

١٣٩

يشربوه ، فقال له عبادة بن الصامت : أحللتها والله ، فقال عمر : كلا والله ، اللهم إني لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم ، ولا أحرم عليهم شيئاً أحللته لهم .

ونقل الحافظ ابن حجر في [ المطالب العالية ] عن إسحاق رواية أخرى حول شراب أهل الشام وترخيص الخليفة لهم في شربه ، وجاء فيها : فشرب منه وشرب أصحابه وقال : ما أطيب هذا ! فارزقوا المسلمين ، فرزقوهم منه ، فلبث ما شاء الله ، ثم إن رجلاً خَدِرَ منه ، فقام المسلمون فضربوه بنعالهم وقالوا : سكران ! فقال الرجل : لا تقتلوني ، فوالله ما شربت إلّا الذي رزقنا عمر ...(١) .

وقال ابن حجر العسقلاني : أخرج أبونعيم في الصحابة من طريق صدقة عن سليمان بن داود عن أيوب بن نافع بن كيسان عن أبيه أنه سمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « ستشرب أمتي من بعدي الخمر يسمونها بغير اسمها ، يكون عونهم على شرابها أمراءهم »(٢) .

وقال السيوطي : أخرج الحاكم وصححه عن أبي مسلم الخولاني ، أنه حج فدخل على عائشة ، فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها ، فجعل يخبرها ، فقالت : كيف تصبرون على بردها ؟ قال : يا أم المؤمنين ، إنهم يشربون شراباً لهم يقال له الطلاء ، قالت : صدق الله وبلَّغ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سمعته يقول : « إن أناساً من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها » .

وهذا الحديث مروي عن ابن عباس ، ذكره الهيثمي في مجمعه وقال : رواه

_____________________

١ ـ الموطأ كتاب الأشربة ، جامع تحريم الخمر : ٢ / ٨٤٧ ح : ١٤ ، المطالب العالية : ٢ / ١٠٧ ح : ١٧٨٤ .

٢ ـ الاصابة في تمييز الصحابة : ٣ / ٥٤٦ ـ ٥٤٧ م : ٨٦٦٤ في ترجمة نافع بن كيسان .

١٤٠