ولم يُنْفِّرْ أحَدَهما على الآخر ، وذلك أنهما انتهَيَا إليه مساء ، فأمر لكل واحدٍ منها بُقَّبةٍ ، وأمر لهما بالأنزال وما يحتاجان إليه ، فلما هَدَأت الرِّجْلُ أتى عامرا فَقَالَ له : لماذا جئتني؟ قَالَ : جئْتُك لُتَنَفِّرني على علقمة ، فَقَالَ : بئس الرأي رأيت ، وساء ما سَوَّلَتْ لك نفسُكَ ، أفْضِّلُكَ على علقمة ومن أمره كذا وكذا؟ يعدِّد مفاخِرَه ومآثره وقديمه وحديثَه ، والله لئن رأيتُك غداً معه متحاكمين إلىَّ لاَنفرنَّهُ عليك ، ولاَ يطلق القلم مني به وبك غيره ، ثم تركه ومضى إلى عَلْقَمة فَقَالَ : ما جاء بك؟ قَالَ : جئتك لتنفِّرِني على عامر فقال : أين غاب عنك حلمكَ؟ أعلى عامر أفضِّلُك؟ وقديم عامر كذا وكذا ، وحَسَبَهُ كذا ، والله لئن نافَرْتَهُ إلى لأحكمن له ، فأقْدِمْ على ما تريد أو أَحْجِمْ عنه ، ثم فارقه ورجع إلى بيته ، فلما أصْبحَا قَالاَ : نرجع ولاَ حاجة بنا إلى التنافر ، ولاَ يدري كل واحدٍ منهما ما عند صاحبه ، فلما كانا في بعض الطريق تلقَّاهُما الأعْشَى ، فسألهما عما خرجا له ، فأخبره بقصتهما ، فَقَالَ الأعْشَى لعلقمة : مالي عندك إن نَفَّرْتُكَ على عامر؟ قَالَ : مائة من الإبل ، قَالَ : وتُجِيرُنِي من العرب؟ قَالَ : أجيرك من قومى ، فَقَالَ لعامر : فإن أنا نفرتك على علقمة فمالي عندك؟ قَالَ : مائة من الإبل ، قَالَ : وتُجيرُني من أهل الأَرض؟ قَالَ : أجيرك من أهل السماء والأَرض ، قَالَ الأعْشَى : تُجيرُني من أهل الأَرض فكيف تُجيرُني من أهل السماء؟ قال : إن مات أحد من وَلْدَك أو أهلك ودَيْتُه ، وإن ماتت لك ماشية فعليَّ عِوَضُها ، قَالَ : نعم ، فمدح عامرا ، وهجا علقمة ، فَقَالَ من قصيدته في هجائه :
|
أعَلْقَمُ قَدْ حَكَّمْتَنِي فوجدتني |
|
بكُم عالما عند الحكومة غائصاً |
|
كِلاَ أبَوَيْكُم كانَ فَرْعَى دِعَامَةٍ |
|
ولكنَّهُمْ زَادُوا وَأصْبَحْتَ نَاقِصَاً |
|
تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاَءً بُطُونُكُمْ |
|
وَجَارتُكُمْ غَرْثَى يَبتْنَ خَمَائِصَاً |
|
فَمَا ذَنْبُنَا إن جَاشَ بَحْرُ ابن عَمَّكُمْ |
|
وتَجْرُك سَاجٍ مَا يُوارِي الدَّعَامِصَاً |
وكان يُقَال : مَنْ مدحه الأعْشَى رَفَعه ومَنْ هَجَاه وضَعه ، وكان يُتَّقَي لسانه ، وكان علقمة ممن آمن وصار من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وأما عامر فلاَ.
هّذا الَّذي كُنْتِ تَحْيَيْنَ
يُقَال : حِييتُ حَيَاء ، أي استَحْيَيْتُ وأصل المثل أن امرأة سَتَرت وَجْهَها ، فظهر منها هَنُا ، فقيل لها : هذا الذي كنت تستحيين منه فقد بدا وانكشف. يضرب لمن رام إصلاَح شيء فأفسده.
هَذَا أمْرٌ لاَ يفِي لهُ قَدْرِي
أي أمر لا أقربه ولا أقبله
![مجمع الأمثال [ ج ٢ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4715_majma-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
