الأَرض ذهباً فأجراه في ضرب الأمثال كل مُجْرَى. فحسده سهل بن هارون على ما حضره من الخطابة والبلاَغة ، فَقَالَ يعترض عليه يعيب الذهب ويفضِّلُ عليه الزجاج : الذهبُ مخلوق ، والزجاج مصنوع وإن فضل الذهَب بالصَّلاَبة وفضل الزجاج بالصفاء ، ثم الزجاج مع ذلك أبقى على الدفن والغرق ، والزجاج مجلو نُورِى ، والذهب مناع ساتر ، والشراب في الزجاج أحسنُ منه في كل معدن ، ولاَ يفقد معه وجْه النديم ، ولاَ يُثْقل اليد ، ولاَ يرتفع في السَّوْم ، واسم الذهب يُتَطَيرُ منه ولاَ يتفاءل به ، وإن سقط عليك قتَلَكَ ، وإن سَقَطْتَ عليهِ عَقَرَكَ ومن لؤمه سرعَته إلى بيوت اللئام وملكهم ، وإبطاؤه عن بيوت الكرام وملكهم ، وهو فاتن وقاتل لمن صانه ، وهو أيضاً من مصايد إبليس ، ولذلك قَالَوا : أهْلَكَ الرجَالَ الأَحمران ، وأهلك النساء الأَحامرة ، وقُدُور الزجاج أطْيب من قدور الذهب ، وهي لاَ تصدأ ، ولاَ يتداخل تحت حيطانها ريح الغمر وأوساخ الوضَر ، وإن اتسخَتْ فالماء وحده لها جلاَء ، ومتى غسلت بالماء عادت جُدَداً ، ولها مرجوع حسن ، وهو أشبه شيء بالماء وصنعته عجيبة ، وصناعته أعجب وكان سليمان بن داوود على نبينا وعليهما الصلاَة والسلام إذا عبَّ في الإَناء كَلَحَتْ في وجهه مَرَدَة الجن والشياطين ، فعلَّمه الله صنعة القوارير ، فحسم بها عن نفسه تلك الجراءة ، وذلك التهجين ، ومَنْ ، كرعَ فيه شارب ماء فكأنه يكرع في إناء من ماء وهواء وضياء ، ومرآته المركبة في الحائط أضوأ من مرآة الفولاَذ ، والصُّور فيها أبين ، وقد تقدح النار من قنينة الزجاج إذا كان فيها ماء فحاذوا بها عين الشمس؛ لأَن طبع الماء والزجاج والهواء والشمس من عنصر واحد ، وليس في كل ما يدور عليه الفلك جوهر أقبل لكل صبغ وأجدر أن لاَ يفارقه حتى كان ذلك الصبغ جوهرية فيه منه ، ومتى سقط عليه ضياء أنقذه إلى الجانب الآخر من الهواء ، وأعاره لونه ، وإن كان الجامُ ذا ألوانٍ أراك أرضَ البيت أحسن من وَشْىَ صَنْعاء ، ومن دِيباج تستر ، ولم يتخذ الناس آنية لشرب الشراب أجمع لما يريدون من الشراب منه ، قَالَ الله تعالى : (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ) وقَالَ تعالى : (وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ) فاشتق للفضة اسماً ، وقَالَ النبي صلىاللهعليهوسلم للحادي وقد عنف في سياق ظُعُنه : يا أنيس ارْفُق بالقوارير ، فاشتقَّ للنساء اسماً من أسمائها ، ويقولون : ما فلان إلاَ قارورة ، على أنه أقطع من السيف وأحدُّ من المُوسى ، وإذا وقع شعاع المصباحُ على جوهر الزجاجة صار الزجاج والمصباح مصباحاً واحداً ، وردََّ الضياء كل منهما على صاحبه ، واعتبروا ذلك بالشعاع الذي يسقط في وَجْه المرآة على وجه الماء ، وعلى
![مجمع الأمثال [ ج ٢ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4715_majma-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
