وخَلَّفْتِ العُشَّ الذي فيه دَرَجْتِ ، إلى وَكْر لم تعرفيه ، وقَرِين لم تألفيه ، فأصبح بملكه عليك رقيباً ومليكا ، فكونِي له أمَةً يكُنْ لك عبداً وَشِيكا ، يا بنية احْمِلِي عنى عَشْرَ خِصَالٍ تكن لك ذُخْراً وذِكْراً : الصحبة بالقناعة ، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة ، والتعهُّد لموقع عينه ، والتفقُّد لموضع أنفه ، فلاَ تَقَع عينُه منك على قبيح ، ولاَ يشم منك إلاَ طيبَ ريح ، والكحلُ أحسنُ الحسن ، والماء أطيبُ الطيب المفقود ، والتعهد لوقت طعامه ، والهدو عنه عند منامه ، فإن حَرَارة الجوع مَلْهبة ، وتنغيص النوم مَبْغَضَة والاحتفاظ ببيته وماله ، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير ، والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير ، ولاَ تُفْشِي له سراً ، ولاَ تعصي له أمراً ، فإنك إن أفشيتِ سِرَّه لم تأمني غَدْرَه ، وإن عصيت أمره أوغَرْتِ صَدْره ثم اتَّقِي مع ذلك الفرح إن كان تَرِحَا ، والاكتئاب عنده إن كان فَرِحَا ، فإن الخصلة الأولى من التقصير ، والثانية من التكدير ، وكوني أشَدَّ ما تكونين له إعظاماً يكن أشد ما يكون لك إكراما ، وأشد ما تكونين له موافقة ، يكن أطولَ ما تكونين له مرافقة ، واعلمي أنك لاَ تَصْلِين إلى ما تحبين حتى تُؤْثِرِي رضاه على رضاك ، وهواه على هواك ، فيما أحببت وكرهت ، والله يَخِيرُ لك ، فحملت فسُلِّمَت إليه ، فعَظُم مَوْقِعُها منه ، وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن. وروى أبو عبيد ما وَرَاءَكَ على التذكير وقَالَ : يُقَال : إن المتكلم به النابغة الذُبْيَاني قَالَه لعصام بن شهبر حاجب النعمان ، وكان مريضاً ، وقد أُرْجِفَ بموته ، فسأله النابغة عن حال النعمان ، فَقَالَ : ما وراءك يا عصام؟ ومعناه ما خَلْفَكَ من أمر العليل ، أو ما أمامك من حاله ، ووَرَاء : من الأضداد. (قلت) يجوز أن يكون أصل المثل ما ذكرت ، ثم اتفق الاَسمان ، فخُوطِبَ كلٌّ بما استحق من التذكير والتأنيث.
مَا لِي ذَنْبٌ إلاَ ذَنْبُ صَخْرٍ
ويجوز ذنب صَخْرَ يُصْرَف ولاَ يُصْرَف ، كجُمْل ودَعْد ، وهي صخر بنت لقمان ، كان أبوها لقمان وأخوها لُقَيْم خرجا مُغِيرَيْنِ ، فأصابا إبلاَ كثيرة ، فسبق لقيم إلى منزله ، فعمدت صخر إلى جَزُور مما قدم بها لقيم فنحَرَتْهَا وصنعت منها طعاماً يكون مُعَدَّاً لأبيها لقمان إذا قدم تُتْحِفه به ، وقد كان لقمان حَسَدَ لقيماً لتبريزه كان عليه ، فلما قدم لقمان وقَدَّمَتْ صخر إليه الطعام وعلم أنه من غنيمة لقيم لطَمَهَا لطمةً قضت عليها؛ فصارت عقوبتها مثلاً لكل مَنْ يُعَاقَبُ ولاَ ذَنْبَ له. ويضرب لمن يُجْزَى بالإحسان سوأ قَالَ خُفاف بن نَدْبَةَ :
![مجمع الأمثال [ ج ٢ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4715_majma-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
