لقائل أن يقول : إنا لا نتعقل دخالة مثل القدرة وأمثالها في إمكان التكليف فإن التكليف بذاته موضوع لحكم العقل عليه بالإمكان الذاتي ، لا أنه يكون ممتنعا ذاتا إلّا في حال تحقق الشرائط المذكورة. نعم ، يمكن أن يقال : بعدم تمشّي إرادة البعث من الآمر العاقل ، فيما إذا لم توجد شرائط التكليف ، ولكن أين هذا من الامتناع الذاتي؟ فإن المجنون مثلا يمكن أن يأمر جدا مع عدم قدرة المكلف.
اللهم الّا أن يقال : إن المجنون أيضا يتخيل قدرة المكلف ويأمره ؛ لا أنه يلتفت إلى عدم القدرة ومع ذلك يأمر. والأولى أن يبدل كلمة الإمكان بالحسن ، بأن يقال : إن العقل لا يحكم بحسن التكليف إلا إذا كان المكلف قادرا مثلا ، فمثل القدرة قيد للموضوع في قضية من محكومات العقل ؛ يكون موضوعها التكليف ومحمولها الحسن.
ثم أعلم : أنّ ما ذكره سيدنا الأستاذ الأكبر ـ مد ظلّه ـ إنما هو في الشرائط العقلية للتكليف ، لعدم جريانه في الشرائط الشرعية الثابتة له ، كالاستطاعة في الحج مثلا ؛ فإنها ليست دخيلة في إمكان التكليف بالحج. (١)
الفائدة الحادية عشرة :
الواجب النفسي والغيري
«تصوير الواجب النفسي والغيري وأنهما فيما إذا كان هناك فعلين مستقلين اختياريين توقف أحدهما على الآخر وقد تعلق بأحدهما وجوب نفسي وبالآخر وجوب غيري ... والمسببات في الأفعال التوليدية ، وإن كانت وجوداتها مغايرة لوجود الأسباب ؛ ولكن لما كان صدورها عن المكلف بعين إرادة الأسباب وإصدارها ، فلا محالة لا يتصور فيها وجوبان ، مثلا حركة المفتاح وان كانت مغايرة لحركة اليد في الوجود ، ولكن لما كان صدورهما عن الفاعل بإيجاد واحد لم يكن مورد لتعلق أمرين ، حتى يكون أحدهما نفسيا والآخر ترشحيا ...»
__________________
(١) نهاية الاصول ، ص ١٦٥.
