الآخر ، لو تمسّكت بهم الأمّة ، أمنت من الفرقة والزلل والسقوط في حبائل الشيطان ، ولو والاهم كل أفراد الأمّة ، لَمَا كان هناك سُنّة ولا شيعة ، ولما نشأت تلك المذاهب الأصولية والفقهية الكثيرة المتطاحنة فيما بينها خلال تلك العصور ، ولما اختلفت ذلك الاختلاف الذي أُزهقت بسببه النفوس وأُريقت الدماء ، وتمزّقت الأمّة شر ممزق ، وحدث ما كان يحذّر منه رسول الله باتّباع الأمّة الإسلامية نفس المسالك الذي اتبعته الأمم السابقة وما أدى إليه من انحرافها عن مبادئ وتعاليم انبيائها وتوزّعها إلى مذاهب عديدة.
ولو اتّبعت الأمّة بأجمعها ، عليّاً ومن بعده أئمة أهل البيت الآخرين ، الذين وصفهم رسول الله بأنهم أعلم الناس جميعاً ، لما نشأت المدارس الأصولية والعقائدية والفقهية ، مثل نظرية «قِدَم القرآن» ، أو «التشبيه والتجسيم» ، أو «الارجاء» أو «الجبر والتفويض» أو «القدر» ، ولما احتاج الفقهاء إلى قواعد دخيلة ، مثل «المصالح المرسلة» أو «الاستحسان» أو «عمل أهل المدينة» أو «الرأي والقياس» وما إلى ذلك ، ولما تعدّدت التفاسير وتشعبت ، ولو اتبع المسلمون أهل البيت ، لما توقف المدّ الاسلامي على تخوم أوروبا ثم انحسر إلى ما هو عليه الآن ، وأصبحت الأمّة الإسلامية من آخر الامم ، في حين كان من المفروض أن يمتد الإسلام ليشمل الأرض قاطبة ، تطبيقاً للآية الكريمة : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا (١).
وبتجريد أهل البيت من دَوْرهم القيادي كخلفاء للرسول ، استحوذ التيار الحاكم على الخلافة والحكم ، بدلاً من أهل بيت الرسول ، وسخّر كل الوسائل المتوافرة من مؤرخين وعلماء ومحققين ورواة ، لتكريس نظرية غير واقعية تقتضي سلب الموقع
__________________
(١) سبأ ٢٨.
