جهود حثيثة من البحث والتنقيب والجرح والتعديل ، وظهور المئات من الأحاديث التي عدّت صحيحة والتي استدعت مراجعة وتنقيح الفقه المعتمد لدى هذا المذهب الفقهي أو ذاك ، لكن الأتباع تمادوا في تقليد تلك المذاهب وانكبّوا على تقليدها دون اعادة قراءة أو غربلة لفقه المذهب الذي كان قبلاً مجرد فقه استنبطه فقيه ، لم يثبت لديه الكثير من الأحاديث النبوية ، كما هو الحال مع المذهب الحنفي مثلاً.
أليس هذا دليلاً قاطعاً بأن المقصّر في ظهور هذه الاختلافات والنزاعات المذهبية ، هم أتباع المذاهب الاسلامية ، وبالأخص المذاهب الاربعة المعروفة التي ينتمي إليها هؤلاء الذين يرفعون لواء أدب الاختلاف وفنه وفلسفته ، وينادون بضرورة ايجاد أخلاقية تتحكم بأدب الاختلاف حتى لا يتحول الى شقاق ونزاع مرير.
ونعود فنكرّر مرّة أخرى بأن علماء الجمهور الكبار ، بل حتى الصحابة قد حذّروا من الاختلاف ، من أمثال الصحابي الكبير «عبد الله بن مسعود» ، يقول بأن الخلاف شرّ (١) ، وذلك لسبب بسيط جداً هو ان ما يُسمّى بأدب الاختلاف وأخلاقه وما إلى ذلك ، ليس إلا أفكاراً نظرية لا وجود لها على أرض الواقع ، وان أصل الاختلاف مرفوض لأنه شرّ وفتنة ومُقدَّمته لنزاعات متفاقمة.
وحسناً يقول الامام السبكي بأن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف ، قال تعالى : وَلَـٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ (٢). وكذا السنّة النبوية ، قال صلىاللهعليهوآله : «انما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم وإختلافهم على أنبيائهم» ، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.
__________________
(١) انظر : فتح الباري ـ ابن حجر ٢ : ٣٣٣.
(٢) البقرة ٢٥٣.
