ويعتقد هذا البعض بأن الخلاف ربما يمليه الهوى ، بأن يكون مناقضاً لصريح الوحي من كتاب وسُنّة ، ويتصادم مع مقتضيات العقول السلمية ، وخلاف آخر في أمور فرعية تتردد أحكامها بين احتمالات متعددة ، ولا سبيل الى تحاشي الوقوع في المزالق إلا باتباع قواعد يحتكم إليها في الاختلاف حتى لا يتحوّل الى شقاق وتنازع وفشل (١).
ولسنا ندري ما هي هذه القواعد التي يقصدها هذا الكاتب للحيلولة دون أن يتحوّل الاختلاف الى شقاق ونزاع؟ إذ كل ما عرفناه من التأريخ بأن الفقهاء الذين برزوا في الصدر الاول للاسلام ، وبالضبط في أوائل القرن الثاني الهجري ، كانوا هم أنفسهم يختلفون ويتنازعون فيما بينهم ، ويطعن كل منهم في الآخر ، ويعدّ الاحكام الفقهية وغير الفقهية للآخر ، ليست شرعية ولا مطابقة للشرع الاسلامي ، بل كان كل فقيه يشكك بشرعية القواعد الاصولية للآخر ، بالرغم من ان أكثرهم كان يقرّ بأنه مجتهد قد يصيب او يخطئ ، ويكره أن يقلّده الآخرون ، خاصة تلامذته وأتباعه ، وطالما صرّح هذا الامام أو ذاك بأن الحديث النبوي إذا صحّ فهو دينه ، وليضربوا بفتاواه وأحكامه بعرض الجدار اذا كانت تُخالف أو تتعارض مع الحديث النبوي الصحيح ، وما أن يموت هذا الامام أو الفقيه حتى ينبري تلامذته وأتباعه على تقليده واعتبار فقهه وفتاواه وقواعده الفقهية مقدّسة لا تقبل النقاش أو التشكيك أو النقد ، ثم تتحول أحكام وفتاوى هذا الفقيه أو الامام الى مذهب ومدرسة فقهية يتبعها الكثير من المقلّدين الذين يطعنون بالمذاهب الأخرى واتباعها ، ويشوّهون سمعتهم أمام الملأ ، مما أفضى ، ليس فقط الى الاختلاف والتنازع والشقاق ، بل الى صدامات دموية ، أضعفت المجتمع الاسلامي طيلة قرون ، مع ظهور القناعات الجديدة ، وكتب الصحاح المعتمدة والمعتبرة التي صُنّفت بعد
__________________
(١) أدب الاختلاف ٢٨ ـ ٢٩ ـ ٣٠ ـ ٣١.
